خطبة عن حديث (وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ)
يوليو 13, 2026الخطبة الأولى (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ النَّصْرِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) [سورة النصر].
إخوة الإسلام
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم: هو دراسة السورة القرآنية كوحدة واحدة، واستخراج فكرتها المحورية، ومقاصدها الأساسية، وذلك بدلاً من تفسير الآيات بشكل منفصل،
ويهدف هذا المنهج إلى إبراز الجوانب العقائدية، والإيمانية، والأخلاقية، التي تربط بين آيات السورة الواحدة، بشكل متناسق ومترابط.
واليوم- إن شاء الله تعالى- مع (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ النَّصْرِ)، فقَدْ أَوْدَعَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ فِي هَذِهِ الآيات القَلِيلَةِ النَّافِذَةِ، مَلْحَمَةَ التَّمْكِينِ الكُبْرَى لِهَذَا الدِّينِ، وَجَعَلَهَا مِيزَاناً لِتَعَامُلِ الأُمَّةِ مَعَ مَوَاسِمِ الانْتِصَارِ وَالنِّعَمِ،
والنَّظَر إِلَى (سُورَةِ النَّصْرِ) بِتَفْسِيرٍ مَوْضُوعِيٍّ، يَكْشِفُ عَنْ فِكْرَتِهَا المِحْوَرِيَّةِ العُظْمَى، وهي: “حَتْمِيَّةُ النَّصْرِ لِلْقَائِمِينَ عَلَى الحَقِّ، وَوُجُوبُ مُقَابَلَةِ التَّمْكِينِ بِالْخُضُوعِ وَالِاسْتِغْفَارِ“، فَهِيَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ بِشَارَةٍ تَارِيخِيَّةٍ، بَلْ هِيَ مَنْهَجٌ تَرْبَوِيٌّ خَالِدٌ، تَقُومُ عَلَيْهِ أُمَّةُ الإِسْلَامِ.
وتَدبروا فِي مَطْلَعِ السُّورَةِ، حِينَ يَقُولُ الحَقُّ جَلَّ جَلَالُهُ: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ): فهُنَا نَلْمَحُ لَطِيفَةً عَقَدِيَّةً بَالِغَةَ الأَهَمِّيَّةِ؛ فَقَدْ أَضَافَ اللهُ النَّصْرَ إِلَى نَفْسِهِ، فَقَالَ تعالى: (نَصْرُ اللَّهِ)، لِيَقْتَلِعَ مِنْ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ كُلَّ صُوَرِ العُجْبِ بِالقُوَّةِ، أَوْ الِاعْتِمَادِ عَلَى الأَسْبَابِ المَادِّيَّةِ وَحْدَهَا، فَالنَّصْرُ لَيْسَ بِكَثْرَةِ عَدَدٍ، وَلَا بِقُوَّةِ عُدَّةٍ، بَلْ هُوَ مِنَّةٌ مَحْضَةٌ، مِنْ صَمَدِ الخَلَائِقِ سُبْحَانَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) [آل عمران:126]. وَ “الفَتْحُ” المَقْصُودُ هُنَا: هُوَ (فَتْحُ مَكَّةَ)، فذَلِكَ الحَدَثُ الفَاصِلُ، الَّذِي كَسَرَ شَوْكَةَ الشِّرْكِ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ، وَأَعَادَ الكَعْبَةَ إِلَى حِمَى التَّوْحِيدِ.
ثُمَّ تَنْقُلُنَا السُّورَةُ إِلَى الثَّمَرَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالدَّعَوِيَّةِ لِهَذَا الفَتْحِ المُبَارَكِ، فقال تعالى: (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا): فقَدْ كَانَتْ قَبَائِلُ العَرَبِ تَنْتَظِرُ مَا تَؤُولُ إِلَيْهِ المَعْرَكَةُ بَيْنَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَبَيْنَ قُرَيْشٍ، قَائِلِينَ: “اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ، فَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ، فَهُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ”، فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ، دَخَلَتِ القَبَائِلُ فِي الإِسْلَامِ جَمَاعَاتٍ وَأَفْوَاجاً، بَعْدَ أَنْ كَانُوا يَدْخُلُونَ فُرَادَى، وهَذَا المَشْهَدُ النُّورَانِيُّ يُبَيِّنُ لَنَا: أَنَّ قُوَّةَ الحَقِّ إِذَا مُكِنَ لَهَا انْقَادَتْ لَهَا الفِطَرُ السَّلِيمَةُ، وَأَنَّ أُمَّةَ الإِسْلَامِ أُمَّةٌ حَيَّةٌ مَرْحُومَةٌ، لَا يَزِيدُهَا الزَّمَانُ إِلَّا رُسُوخاً وَانْتِشَاراً.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَالسؤال: مَا هُوَ المَنْهَجُ الَّذِي أَمَرَ اللهُ بِهِ عِنْدَ تَمَامِ النِّعْمَةِ، وَتَحْقِيقِ النَّصْرِ؟، وهُنَا يَتَجَلَّى فِقْهُ الإِسْلَامِ، الَّذِي يُخَالِفُ سُلُوكَ الطُّغَاةِ وَالمُلُوكِ؛ فَالْمُلُوكُ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا، وَتَكَبَّرُوا،
أَمَّا أُمَّةُ التَّوْحِيدِ، فَإِذَا نُصِرَتْ، أُمِرَتْ بِقَوْلِهِ تعالى: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا )، فقد أُمِرَ النَّبِيُّ وَأُمَّتُهُ مِنْ بَعْدِهِ بِالْتَّسْبِيحِ لِتَنْزِيهِ اللهِ، وَبِالْحَمْدِ لِشُكْرِ نِعَمِهِ، وَبِالِاسْتِغْفَارِ جَبْراً لِأَيِّ تَقْصِيرٍ، فَالنَّصْرُ يُسْتَقْبَلُ بِالِانْكِسَارِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ، لَا بِالفَخْرِ وَالخُيَلَاءِ؛ لِيَظَلَّ العَبْدُ مُعْتَرِفاً بِأَنَّ الفَضْلَ كُلَّهُ لِلَّهِ المَنَّانِ، الَّذِي أَعَزَّ جُنْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وهزم الأحزاب وحده. وفي المستدرك للحاكم: عن أنس بن مالك قال: (دخلَ رسولُ اللَّهِ (صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّمَ) يومَ الفتحِ وذقنُهُ على رحلِهِ متخشِّعًا).
والنَّظَر العَمِيق إِلَى (سُورَةِ النَّصْرِ) كَوَحْدَةٍ مَوْضُوعِيَّةٍ، يَكْشِفُ لَنَا عَنْ رِسَالَةٍ خَفِيَّةٍ، فَهِمَهَا رَاسِخُو العِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ؛ وَهِيَ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ كَانَتْ نَعْياً رَقِيقاً لِرَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَإِعْلاناً بِاقْتِرَابِ أَجَلِهِ الشَّرِيفِ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ – رضي الله عنهما – قَالَ كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِمَ تُدْخِلُ هَذَا الْفَتَى مَعَنَا، وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ، فَقَالَ إِنَّهُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ. قَالَ فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ، وَدَعَانِي مَعَهُمْ، قَالَ وَمَا رُئِيتُهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلاَّ لِيُرِيَهُمْ مِنِّي، فَقَالَ مَا تَقُولُونَ (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ) حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ، إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ نَدْرِي. أَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ شَيْئًا. فَقَالَ لِي يَا ابْنَ عَبَّاسٍ أَكَذَاكَ تَقُولُ، قُلْتُ لاَ. قَالَ فَمَا تَقُولُ، قُلْتُ هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – أَعْلَمَهُ اللَّهُ لَهُ (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) فَتْحُ مَكَّةَ، فَذَاكَ عَلاَمَةُ أَجَلِكَ (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) قَالَ عُمَرُ مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلاَّ مَا تَعْلَمُ)،
فلَقَدْ أَدَّى الرَّسُولُ الأَمَانَةَ، وَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَفَتَحَ مَكَّةَ، وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللهِ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الرَّحِيلُ إِلَى الرَّفِيقِ الأَعْلَى،
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا كَيْفَ طَبَّقَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مَقْصِدَ هَذِهِ السُّورَةِ فِي سَاعَاتِ عُمْرِهِ الأَخِيرَةِ؛ فَقَدْ رَوَتْ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ (رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي»، يَتَأَوَّلُ القُرْآنَ) [رواه البخاري ومسلم]، أَيْ يَمْتَثِلُ مَا أُمِرَ بِهِ فِي (سُورَةِ النَّصْرِ)، وفي صحيح البخاري: (عَنْ عَائِشَةَ – رضي الله عنها – قَالَتْ مَا صَلَّى النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – صَلاَةً بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) إِلاَّ يَقُولُ فِيهَا «سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي»، وروى الإمام أحمد: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي بِأَنِّي مَقْبُوضٌ فِي تِلْكَ السَّنَةِ»
وروى الإمام أحمد: (قَالَتْ عَائِشَةُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُكْثِرُ فِي آخِرِ أَمْرِهِ مِنْ قَوْلِ « سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ». قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِي أَرَاكَ تُكْثِرُ مِنْ قَوْلِ «سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ» قَالَ «إِنَّ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ كَانَ أَخْبَرَنِي أَنِّي سَأَرَى عَلاَمَةً فِي أُمَّتِي وَأَمَرَنِي إِذَا رَأَيْتُهَا أَنْ أُسَبِّحَ بِحَمْدِهِ وَأَسْتَغْفِرَهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً فَقَدْ رَأَيْتُهَا (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً)»
وهَذَا الإِلْحَاحُ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ فِي قِمَّةِ النَّجَاحِ وَالتَّمْكِينِ، هُوَ التَّرْبِيَةُ العُظْمَى لَنَا؛ فَمَهْمَا بَلَغْتَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَمَهْمَا قَدَّمْتَ مِنَ الإِنْجَازَاتِ، فَلَا تَرْتَكِزْ عَلَى عَمَلِكَ، بَلْ اِلْزَمْ بَابَ الِاسْتِغْفَارِ، وَاجْعَلْ خِتَامَ أَيَّامِكَ تَسْبِيحاً وَتَقْدِيساً، لِمَنْ وَفَّقَكَ وَهَدَاكَ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ النَّصْرِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ومن المعلوم أنه إذا قضى المسلم أعمال الحج، فإنه يشرع له الذكر والإكثار منه، قال تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) [البقرة:200]،
وكذلك بعد الفراغ من الصلاة فإنه يشرع الذكر والاستغفار، ففي صحيح مسلم: (عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلاَتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاَثًا وَقَالَ «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلاَمُ وَمِنْكَ السَّلاَمُ تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ».
والتسبيح والاستغفار والتوبة يكون مشروعًا ومتأكدًا لمن قارب الأجل، إما بتقدم السن، وإما بوقوع مرض الموت المخوف، فإنه يكثر من قول: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي)، ويكثر منها في سجوده، وفي ركوعه، تأويلا لقوله تعالى: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا).
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَالسؤال: كَيْفَ نَجْعَلُ مِنْ (سُورَةِ النَّصْرِ) مَنْهَجاً سُلُوكِيّاً فِي وَاقِعِنَا؟، والجواب:
أَوَّلاً: بِاليَقِينِ بِأَنَّ نَصْرَ اللهِ قَادِمٌ لِأُمَّتِنَا، مَهْمَا طَالَتْ دَيَاجِيرُ الشِّدَّةِ، شَرِيطَةَ أَنْ نَنْصُرَ اللهَ فِي أَنْفُسِنَا بِطَاعَتِهِ.
ثَانِيًا: أَنْ نَسْتَقْبِلَ نِعَمَ اللهِ عَلَيْنَا -مِنْ صِحَّةٍ، وَمَالٍ، وَتَوْفِيقٍ- وغيرها مما لا يُعد ولا يُحصى- بِالْمَزِيدِ مِنَ التَّوَاضُعِ، والذل، وَالبَذْلِ، لَا بِالبَطَرِ وَالِاسْتِعْلَاءِ والتكبر عَلَى الخَلْقِ.
ثَالِثًا: أَنْ نَجْعَلَ الِاسْتِغْفَارَ سَيِّدَ خَوَاتِيمِنَا؛ نَخْتِمُ بِهِ صَلَاتَنَا، وَمَجَالِسَنَا، وَأَعْمَارَنَا.
واعلموا أن المُجْتَمَع الَّذِي يَتَرَبَّى عَلَى مَفَاهِيمِ (سُورَةِ النَّصْرِ) هُوَ مُجْتَمَعٌ مَنْصُورٌ بِيَقِينِهِ، مَحْفُوظٌ بِتَوَاضُعِهِ، مَرْحُومٌ بِاسْتِغْفَارِهِ الدَّائِمِ لِرَبِّ العَالَمِينَ.
ألا فَلْنُجَدِّدِ العَهْدَ مَعَ سُنَّةِ نَبِيِّنَا، وَلْنَلْهَجْ بِالتَّسْبِيحِ وَالِاسْتِغْفَارِ فِي كُلِّ حَالٍ.
فاللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَانْصُرِ المُسْلِمِينَ، وَاجْعَلْ نَصْرَكَ المَوْعُودَ تَأْيِيداً لِعِبَادِكَ المُوَحِّدِينَ، وارْزُقْنَا التَّوَاضُعَ عِنْدَ النِّعَمِ، وَالصَّبْرَ عِنْدَ النِّقَمِ، وَاجْعَلْ خِتَامَ صَحَائِفِنَا اسْتِغْفَاراً مَقْبُولاً لَدَيْكَ.
الدعاء
