خطبة عن (فضائل صِلَةِ الرَّحِمِ)
يوليو 7, 2026الخطبة الأولى (رُؤْيَا النَّبِيِّ لحياة البَرْزَخِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
روى الإمام البخاري في صحيحه: (قَالَ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ -رضى الله عنه- كَانَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – مِمَّا يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ لأَصْحَابِهِ «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا». قَالَ فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُصَّ، وَإِنَّهُ قَالَ ذَاتَ غَدَاةٍ «إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي، وَإِنَّهُمَا قَالاَ لِي انْطَلِقْ. وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ، فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ فَيَتَهَدْهَدُ الْحَجَرُ هَا هُنَا، فَيَتْبَعُ الْحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ، فَلاَ يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الأُولَى. قَالَ قُلْتُ لَهُمَا سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَذَانِ قَالَ قَالاَ لِي انْطَلِقْ- قَالَ- فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفَاهُ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ، وَإِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرَهُ إِلَى قَفَاهُ وَعَيْنَهُ إِلَى قَفَاهُ- قَالَ وَرُبَّمَا قَالَ أَبُو رَجَاءٍ فَيَشُقُّ- قَالَ ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الآخَرِ، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الأَوَّلِ، فَمَا يَفْرُغُ مِنْ ذَلِكَ الْجَانِبِ حَتَّى يَصِحَّ ذَلِكَ الْجَانِبُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الأُولَى. قَالَ قُلْتُ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَذَانِ قَالَ قَالاَ لِي انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى مِثْلِ التَّنُّورِ- قَالَ فَأَحْسِبُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ- فَإِذَا فِيهِ لَغَطٌ وَأَصْوَاتٌ- قَالَ- فَاطَّلَعْنَا فِيهِ، فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، وَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا- قَالَ- قُلْتُ لَهُمَا مَا هَؤُلاَءِ قَالَ قَالاَ لِي انْطَلِقِ انْطَلِقْ. قَالَ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ- حَسِبْتُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ- أَحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ، وَإِذَا فِي النَّهَرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَحُ، وَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كَثِيرَةً، وَإِذَا ذَلِكَ السَّابِحُ يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ، ثُمَّ يَأْتِي ذَلِكَ الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الْحِجَارَةَ فَيَفْغَرُ لَهُ فَاهُ فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِ ، كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فَغَرَ لَهُ فَاهُ فَأَلْقَمَهُ حَجَرًا- قَالَ- قُلْتُ لَهُمَا مَا هَذَانِ قَالَ قَالاَ لِي انْطَلِقِ انْطَلِقْ. قَالَ فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ كَرِيهِ الْمَرْآةِ كَأَكْرَهِ مَا أَنْتَ رَاءٍ رَجُلاً مَرْآةً، وَإِذَا عِنْدَهُ نَارٌ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا- قَالَ- قُلْتُ لَهُمَا مَا هَذَا قَالَ قَالاَ لِي انْطَلِقِ انْطَلِقْ. فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتَمَّةٍ فِيهَا مِنْ كُلِّ نَوْرِ الرَّبِيعِ، وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَيِ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ لاَ أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولاً فِي السَّمَاءِ، وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قَطُّ -قَالَ- قُلْتُ لَهُمَا مَا هَذَا مَا هَؤُلاَءِ قَالَ قَالاَ لِي انْطَلِقِ انْطَلِقْ. -قَالَ- فَانْطَلَقْنَا فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ عَظِيمَةٍ لَمْ أَرَ رَوْضَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا وَلاَ أَحْسَنَ. -قَالَ- قَالاَ لِي ارْقَ فِيهَا. قَالَ فَارْتَقَيْنَا فِيهَا فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ وَلَبِنِ فِضَّةٍ، فَأَتَيْنَا بَابَ الْمَدِينَةِ فَاسْتَفْتَحْنَا فَفُتِحَ لَنَا، فَدَخَلْنَاهَا فَتَلَقَّانَا فِيهَا رِجَالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، وَشَطْرٌ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ -قَالَ- قَالاَ لَهُمُ اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَرِ. قَالَ وَإِذَا نَهَرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِي كَأَنَّ مَاءَهُ الْمَحْضُ فِي الْبَيَاضِ، فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ، فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ -قَالَ- قَالاَ لِي هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ، وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ. قَالَ فَسَمَا بَصَرِي صُعُدًا، فَإِذَا قَصْرٌ مِثْلُ الرَّبَابَةِ الْبَيْضَاءِ -قَالَ- قَالاَ هَذَاكَ مَنْزِلُكَ. قَالَ قُلْتُ لَهُمَا بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمَا، ذَرَانِي فَأَدْخُلَهُ. قَالاَ أَمَّا الآنَ فَلاَ وَأَنْتَ دَاخِلُهُ. قَالَ قُلْتُ لَهُمَا فَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًا، فَمَا هَذَا الَّذِي رَأَيْتُ قَالَ قَالاَ لِي أَمَا إِنَّا سَنُخْبِرُكَ، أَمَّا الرَّجُلُ الأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ وَيَنَامُ عَنِ الصَّلاَةِ الْمَكْتُوبَةِ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَمَنْخِرُهُ إِلَى قَفَاهُ، وَعَيْنُهُ إِلَى قَفَاهُ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفَاقَ، وَأَمَّا الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ الْعُرَاةُ الَّذِينَ فِي مِثْلِ بِنَاءِ التَّنُّورِ فَإِنَّهُمُ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي. وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ وَيُلْقَمُ الْحَجَرَ، فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا، وَأَمَّا الرَّجُلُ الْكَرِيهُ الْمَرْآةِ الَّذِي عِنْدَ النَّارِ يَحُشُّهَا وَيَسْعَى حَوْلَهَا، فَإِنَّهُ مَالِكٌ خَازِنُ جَهَنَّمَ، وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ- صلى الله عليه وسلم- وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ». قَالَ فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَوْلاَدُ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «وَأَوْلاَدُ الْمُشْرِكِينَ. وَأَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنًا وَشَطَرٌ مِنْهُمْ قَبِيحًا، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ»
إخوة الإسلام
نَقِفُ اليَوْمَ مَعَ مَشْهَدٍ مِنْ أَهْوَلِ مَشَاهِدِ الغَيْبِ، الَّتِي كَشَفَهَا اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ؛ لِتَكُونَ صَيْحَةً تُوقِظُ القُلُوبَ المـُرْتَجِفَةَ، وَتَدُكُّ عُرُوشَ الغَفْلَةِ، الَّتِي رَانَتْ عَلَىٰ نُفُوسِ النَّاسِ فِي هَذَا العَصْرِ.
وبداية: فإِنَّ رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ وحَقٌّ، وَإِنَّ هَذَا الحَدِيثَ الـمُعْجِزَ يُبْحِرُ بِنَا فِي “حَيَاةِ البَرْزَخِ “؛ تِلْكَ المـَحَطَّةِ المـَخُوفَةِ، بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، حَيْثُ يَبْدَأُ الجَزَاءُ، عَقِبَ خُرُوجِ الرُّوحِ مُبَاشَرَةً، إِمَّا عَذَابًا نُكْرًا، وَإِمَّا نَعِيمًا مُقِيمًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:99-100].
ومن الملاحظ أن (حديث الرؤيا) المتقدم، رَكَّزَ فِيهِ الوَحْيُ عَلَىٰ عُقُوبَاتِ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، الَّتِي اسْتَهَانَ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ المُعَاصِرِينَ.
فتَأَمَّلُوا المـَشْهَدَ الأَوَّلَ: الَّذِي تَنْخَلِعُ لَهُ النُّفُوسُ؛ رَجُلٌ مُضْطَجِعٌ عَلَىٰ قَفَاهُ، وَمَلَكٌ قَائِمٌ فَوْقَ رَأْسِهِ، يَحْمِلُ صَخْرَةً عِمْلَاقَةً، ثُمَّ يَهْوِي بِهَا بِكُلِّ قُوَّتِهِ عَلَىٰ رَأْسِ هَذَا الرَّجُلِ، ﴿فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ﴾ أَيْ يَشُقُّهُ، وَيُهَشِّمُ عِظَامَهُ!، فَيَتَدَحْرَجُ الحَجَرُ، فَيَذْهَبُ المـَلَكُ لِيَأْخُذَهُ، فَلَا يَعُودُ إِلَىٰ العَبْدِ حَتَّىٰ يَعُودَ رَأْسُهُ سَلِيمًا كَمَا كَانَ، ثُمَّ يُعِيدُ عَلَيْهِ العَذَابَ، فِي سِلْسِلَةٍ لَا تَنْقَطِعُ حَتَّىٰ تَقُومَ السَّاعَةُ!
فَمَنْ هَذَا المـُعَذَّبُ؟ جَاءَ التَّفْسِيرُ النَّبَوِيُّ الصَّاعِقُ: «فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ، وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ»!،
نَعَمْ يَا بَنِي الإِسْلَامِ!: هَذَا جَزَاءُ مَنْ حَفِظَ القُرْآنَ، أَوْ تَعَلَّمَهُ، ثُمَّ هَجَرَهُ وَرَفَضَ العَمَلَ بِهِ، وَهَذَا جَزَاءُ مَنْ ثَقُلَ رَأْسُهُ عَنْ فَرِيضَةِ الفَجْرِ، وَنَامَ عَنِ الصَّلَوَاتِ المـَكْتُوبَةِ ، تَعَمُّدًا وَتَفْرِيطًا!، فلَمَّا ثَقُلَتْ رُؤُوسُهُمْ عَنِ السُّجُودِ لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، عُوقِبُوا بِثَلْغِ الرُّؤُوسِ بِالحِجَارَةِ فِي جَوْفِ البَرْزَخِ.
ونقول محذرين: فَمَا بَالُ بعض رِجَال من المُسْلِمِينَ اليَوْمَ، تَدُقُّ مُنَبِّهَاتُ أَعْمَالِهِمْ فَيَسْتَيْقِظُونَ، وَيُنَادِي مُنَادِي رَبِّ العَالَمِينَ: “الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ”، فَيَنَامُونَ خَائِبِينَ؟!.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
ثُمَّ امْتَدَّتِ الرُّؤْيَا، لِتَعْرِضَ المـَشْهَدَ الثَّانِيَ، لِجَرِيمَةٍ بَاتَتْ سِلْعَةً رَائِجَةً فِى زَمَنِنَا؛ رَجُلٌ مُسْتَلْقٍ ،وَمَلَكٌ قَائِمٌ عَلَيْهِ بـِ ﴿كَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ﴾ أَيْ خُطَّافٍ ضَخْمٍ، فَيَأْخُذُ شِقَّ وَجْهِهِ، فَيَشْرَشِرُ شِدْقَهُ إِلَىٰ قَفَاهُ، وَمَنْخِرَهُ إِلَىٰ قَفَاهُ، وَعَيْنَهُ إِلَىٰ قَفَاهُ!، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَىٰ الشِّقِّ الآخَرِ، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَلَا يَفْرَغُ مِنْهُ حَتَّىٰ يَصِحَّ الشِّقُّ الأَوَّلُ، فَيَعُودُ لِتَمْزِيقِهِ!، وَمَنْ هَذَا؟ «فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الْكَذْبَةَ تَبْلُغُ الْآفَاقَ»!.
وتَدَبَّرُوا أَيُّهَا الفُضَلَاءُ؛ هَذَا الحَدِيثُ، فقد رُوِيَ قَبْلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ قَرْنًا، وَلَكِنَّهُ يَنْطَبِقُ الحَذْوَ بِالـحَذْوِ عَلَىٰ “كَذِبِ المـَنَصَّاتِ وَالشَّاشَاتِ” فِي عَصْرِنَا!، حَيْثُ يَجْلِسُ المـَرْءُ اليَوْمَ فِي غُرْفَتِهِ، فَيَكْتُبُ كَذْبَةً، أَوْ يُلَفِّقُ شَائِعَةً عَبْرَ هَاتِفِهِ، أَوْ يَطْعَنُ فِي عِرْضِ صَالِحٍ، فَيَضْغَطُ زِرَّ النَّشْرِ فَتَبْلُغُ كَذْبَتُهُ الآفَاقَ فِي ثَوَانٍ مَعْدُودَةٍ!، فَهَذَا هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي يُمَزَّقُ وَجْهُهُ بِكَلَالِيبِ النُّحَاسِ وَالحَدِيدِ فِي بَرْزَخِهِ، لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَ لِسَانَهُ وَتِقْنِيَّتَهُ فِي إِفْسَادِ عُقُولِ الخَلْقِ.
ثُمَّ انْتَقَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَىٰ مَشْهَدٍ ثَالِثٍ، يَفُوحُ مِنْهُ نَتْنُ الخَطَايَا؛ بِنَاءٌ شَبِيهٌ بِـ ﴿التَّنُّورِ﴾ وَهُوَ الفُرْنُ؛ أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ، فِيهِ ضَوْضَاءُ، وَأَصْوَاتٌ مُرْعِبَةٌ، فَنَظَرَ ﷺ فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ تَمَامًا، وَإِذَا لَهَبٌ مِنْ نَارٍ يَأْتِيهِمْ مِنْ تَحْتِهِمْ، فَإِذَا أَتَاهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ، صَرَخُوا وَضَجُّوا وَارْتَفَعُوا مِنْ شِدَّةِ الصَّهْرِ!، فَمَنْ هَؤُلَاءِ المـُحْتَرِقُونَ؟، «فَإِنَّهُمُ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي»!، لَمَّا طَلَبُوا الشَّهْوَةَ الحَرَامَ، وَأَعْرَوْا أَجْسَادَهُمْ، هَتْكًا لِحُرُمَاتِ اللَّهِ، عُوقِبُوا بِالعُرْيِ فِي جَحِيمِ التَّنُّورِ البَرْزَخِيِّ، تَصْلَاهُمْ أَلسِنَةُ النَّارِ.
وَاُنْظُرُوا إِلَىٰ المـَشْهَدِ الرَّابِعِ العَظِيمِ، الَّذِي يَكْشِفُ خَطَرَ آكِلِي أَمْوَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ؛ حَيْثُ قَالَ ﷺ فِي تَمَامِ الحَدِيثِ: «فَانْطَلَقْنَا، فَأَتَيْنَا عَلَىٰ نَهَرٍ حَسِبْتُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: أَحْمَرُ مِثْلُ الدَّمِ، وَإِذَا فِي النَّهَرِ رَجُلٌ سَابِحٌ يَسْبَحُ، وَإِذَا عَلَىٰ شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ حِجَارَةً كَثِيرَةً، وَإِذَا ذَلِكَ السَّابِحُ يَسْبَحُ مَا يَسْبَحُ، ثُمَّ يَأْتِي ذَلِكَ الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الْحِجَارَةَ، فَيَفْغَرُ لَهُ فَاهُ فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا فَيَنْطَلِقُ يَسْبَحُ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْهِ كُلَّمَا رَجَعَ إِلَيْهِ فَغَرَ لَهُ فَاهُ فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا»
فَمَنْ هَذَا الَّذِي يَسْبَحُ فِي نَهَرِ الدَّمِ؟، جَاءَ التَّفْسِيرُ النَّبَوِيُّ القَاطِعُ: «وَأَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يَسْبَحُ فِي النَّهَرِ وَيُلْقَمُ الْحَجَرَ، فَإِنَّهُ آكِلُ الرِّبَا»!،
نَعَمْ! لَمَّا لَهَثَ خَلْفَ المـَالِ الحَرَامِ، وَامْتَصَّ دِمَاءَ الفُقَرَاءِ بِالمـُعَامَلَاتِ الرِّبَوِيَّةِ الجَاحِدَةِ، عُوقِبَ بِأَنْ يَسْبَحَ فِي نَهَرٍ مِنَ الدَّمِ فِي بَرْزَخِهِ، وَكُلَّمَا أَرَادَ الخُرُوجَ إِلَىٰ الشَّطِّ، رُمِيَ بِالحِجَارَةِ فِي فَمِهِ الَّذِي لَمْ يَشْبَعْ مِنَ الحَرَامِ فِي الدُّنْيَا!
فَهَذِهِ أَبْوَابُ العَذَابِ لِأَهْلِ الكَبَائِرِ، فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ، وَطَهِّرُوا أَمْوَالَكُمْ وَبُيُوتَكُمْ مِنْ حَرَامِ الرِّبَا قَبْلَ أَنْ يَبْغَتَكُمُ المـَوْتُ فَتَصِيرُوا إِلَىٰ نَهَرِ الدَّمِ.
وَاحْذَرُوا -يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ- مَزَالِقَ العِشْقِ الحَرَامِ، وَمُقَدِّمَاتِ الفُجُورِ؛ فَالْقَبْرُ صُنْدُوقُ العَمَلِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَنْقُلْ لَنَا هَذِهِ المـَشَاهِدَ لِنَسْتَمِعَ إِلَيْهَا كَحِكَايَةٍ، بَلْ لِنَقْطَعَ خُطُوَاتِ المـَعَاصِي، وَنَلْزَمَ جَادَّةَ الِاسْتِقَامَةِ، قَبْلَ أَنْ تَبغتنَا المـَنَايَا.
أَقُولُ قَوْلِي هَٰذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: (رُؤْيَا النَّبِيِّ لحياة البَرْزَخِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَىٰ فِي بَيَانِ البِشَارَةِ، وَنَعِيمِ بَرْزَخِ الصَّادِقِينَ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:27]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي شَأْنِ الشُّهَدَاءِ وَأَهْلِ الصَّلَاحِ: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:169].وَفِي مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: (عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيَّنَ حَالَ المُؤْمِنِ إِذَا اسْتَقَرَّ فِي قَبْرِهِ وَأَجَابَ المـَلَكَيْنِ فَقَالَ: «يُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ».
وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي بَيَانِ مَقَامِ أَهْلِ الصِّدْقِ: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:55]. وَفِي تَمَامِ نَصِّ الحَدِيثِ المتقدم:،(قَالَ ﷺ حِينَ رَفَعَتْهُ المـَلَائِكَةُ إِلَىٰ أَعْلَىٰ مَقَامَاتِ البِشَارَةِ: «فَأَتَيْنَا عَلَىٰ رَوْضَةٍ مُعْتَمِرَةٍ، فِيهَا مِنْ كُلِّ لَوْنِ الرَّبِيعِ، وَوَسَطَ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ لَا أَكَادُ أَرَىٰ رَأْسَهُ طُولًا فِي السمَاءِ، وَإِذَا حَوْلَهُ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قَطُّ… ثُمَّ صَعِدَا بِي فِي الشَّجَرَةِ، فَأَدْخَلَانِي دَارًا لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ وَنِسَاءٌ وَصِبْيَانٌ، ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا فَصَعِدَا بِي فِي الشَّجَرَةِ، فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ، قُلْتُ: طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ، فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ، قَالَا: نَعَمْ…
أَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ، وَأَمَّا الوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَأَمَّا الدَّارُ الأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ فَدَارُ عَامَّةِ المُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ، وَأَنَا جِبْرِيلُ وَهَذَا مِيكَائِيلُ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ، قَالَا: ذَاكَ مَنْزِلُكَ، قُلْتُ: دَعَانِي أَدْخُلْ مَنْزِلِي، قَالَا: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ، فَلَوْ اسْتَكْمَلْتَ أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ»
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
فَبَعْدَ أَنْ رَكَّزَتْ رُؤْيَا النَّبِيِّ ﷺ فِي شِقِّهَا الأَوَّلِ عَلَىٰ زَلَازِلِ العَذَابِ لِأَهْلِ الكَبَائِرِ، نَلْتَفِتُ بِالبِشَارَةِ إِلَىٰ “أَحْوَالِ المُؤْمِنِينَ فِي حَيَاةِ البَرْزَخِ“؛ لِأَنَّ القَبْرَ لَيْسَ جَحِيمًا لِكُلِّ أَحَدٍ، بَلْ هُوَ لِلْمُؤْمِنِ الصَّادِقِ المـُقْنِتِ رَوْضَةٌ نَاضِرَةٌ، وَبِدَايَةُ التَّنَعُّمِ الأَبَدِيِّ.
إِنَّ العَبْدَ إِذَا كَانَ مُحَافِظًا عَلَىٰ صَلَاتِهِ، تَالِيًا لِقُرْآنِهِ، صَادِقًا فِي حَدِيثِهِ، عَفِيفًا عَنِ الفَوَاحِشِ، نَزَلَتْ عَلَيْهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِالتَّثْبِيتِ الإِلَهِيِّ.
واُنْظُرُوا إِلَىٰ نَعِيمِ المـُؤْمِنِ فِي بَرْزَخِهِ كَمَا صَوَّرَتْهُ السُّنَّةُ؛ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ، وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الوَجْهِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ لَهُ: “أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ!”. وَيُفْتَحُ لَهُ نَافِذَةٌ إِلَىٰ الجَنَّةِ فَيَرَىٰ مَقْعَدَهُ فِيهَا غُدْوَةً وَعَشِيًّا، فَيَطِيرُ شَوْقًا وَيَقُولُ: “رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ حَتَّىٰ أَرْجِعَ إِلَىٰ أَهْلِي وَمَالِي”.
بَلْ إِنَّ أَرْوَاحَ المُؤْمِنِينَ فِي البَرْزَخِ -كَمَا رَوَىٰ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ- تَكُونُ فِي صُوَرِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَعْلَقُ بِشَجَرِ الجَنَّةِ، تَتَنَعَّمُ بِثِمَارِهَا، وَتَطِيرُ فِي أَرْجَائِهَا، رِعَايَةً مِنْ رَبِّ العَالَمِينَ الشَّكُورِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
فَبَعْدَ أَنْ كَشَفَ لَنَا الوَحْيُ عَنْ مَحَاكِمِ الكَبَائِرِ، نَقَلَنَا ﷺ إِلَىٰ رِحَابِ “أَحْوَالِ المُؤْمِنِينَ فِي البَرْزَخِ”، حَيْثُ تَقَرُّ الأَعْيُنُ وَتَطْمَئِنُّ الأَرْوَاحُ. اِنْظُرُوا إِلَىٰ الرَّوْضَةِ الخَضْرَاءِ المـُعْتَمِرَةِ الَّتِي تَفُوحُ بِأَزْهَارِ الرَّبِيعِ، حَيْثُ يَقِفُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حَاضِنًا لِأَطْفَالِ الـمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ مَاتُوا صِغَارًا عَلَىٰ الفِطْرَةِ؛ فَهَذَا هُوَ الجِوَارُ الآمِنُ، وَهَذِهِ هِيَ الرِّعَايَةُ البَرْزَخِيَّةُ الَّتِي يَنَالُهَا أَهْلُ الصَّلَاحِ.
ثُمَّ تَأَمَّلُوا أَعْلَىٰ مَقَامَاتِ الجَلَالِ؛ مَقَامَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الجَنَّةِ؛ حَيْثُ رَأَىٰ دَارَ عَامَّةِ المـُؤْمِنِينَ البَهِيَّةَ، ثُمَّ صَعِدَ إِلَىٰ دَارِ الشُّهَدَاءِ الأَفْضَلِ وَالأَحْسَنِ، وَلَكِنَّ المـَلَكَيْنِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ أَمَرَاهُ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ إِلَىٰ أَعْلَىٰ، فَنَظَرَ فإِذَا فَوْقَهُ مِثْلُ السَّحَابِ البَيْضَاءِ النَّاصِعَةِ الجَمَالِ، فَقَالَا لَهُ بِإِجْلَالٍ: ﴿ذَاكَ مَنْزِلُكَ﴾!،
نَعَمْ! ذَاكَ مَقَامُ النَّبِيِّ ﷺ المـُرْتَفِعُ فِي أَعْلَىٰ عِلِّيِّينَ، المـَقَامُ المـَحْمُودُ الَّذِي لَا تَبْلُغُهُ هِمَّةُ خَلْقٍ، بَيْتُ عَمِيدِ الرِّسَالَةِ الَّذِي يَنْتَظِرُهُ بَعْدَ أَنْ يَسْتَكْمِلَ أَنْفَاسَ العُمُرِ فِي أَرْضِ الدَّعْوَةِ وَالجِهَادِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
فالوَاجِب العَمَلِيّ الأَعْظَمَ عَلَيْنَا، بَعْدَ أَنْ نَقَلَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ المـَشَاهِدَ هُوَ: “الِاسْتِيقَاظُ الفَوْرِيُّ مِنَ المـَطْلِ وَالأَمَانِيِّ”؛ فَالـمُسْلِمُ الفطن لَا يَمُرُّ عَلَىٰ هَذِهِ النَّذَارَةِ مُرُورَ العَابِرِينَ، بَلْ يُصْلِحُ صَلَاتَهُ اليَوْمَ، وَيَقُومُ لِفَجْرِهِ طَائِعًا، وَيَزِنُ كُلَّ كَلِمَةٍ يَكْتُبُهَا، أَوْ يَنْطِقُ بِهَا بِمِيزَانِ الصِّدْقِ فَلَا يَكْذِبُ، وَيَحْمِي بَيْتَهُ وَأَوْلَادَهُ مِنْ مَظَاهِرِ التَّبَذُّلِ وَالزِّنَا.
والوَاجِب العَمَلِيّ القَاطِعَ لِلْغَفْلَةِ بَعْدَ هَذِهِ المـُكاشَفَةِ الغَيْبِيَّةِ المـُمَدَّدَةِ هُوَ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ أَنْفَاسَنَا مَعْدُودَةٌ، وَأَنَّ القَبْرَ لَيْسَ عَنْ عُقُولِنَا بِبَعِيدٍ؛ فَالـمُسْلِمُ الـمُخَضْرَمُ هُوَ الَّذِي يُصْلِحُ مَعَاشَهُ، فَيَهْجُرُ صُوَرَ الرِّبَا الكَبِيرَةَ وَالصَّغِيرَةَ تَمَامًا، وَيَحْفَظُ لِسَانَهُ عَنِ الكَذِبِ وَالإِشَاعَاتِ، وَيَقُومُ لِصَلَاتِهِ الـمَكْتُوبَةِ بِهِمَّةٍ، وَيَحْمِي نَفْسَهُ مِنَ الزِّنَا؛ كَيْ يَكُونَ فِي بَرْزَخِهِ فِي رَوْضَةِ الرَّبِيعِ مَعَ الخَلِيلِ إِبْرَاهِيمَ، وَيُحْشَرَ فِي الآخِرَةِ تَحْتَ لِوَاءِ صَاحِبِ المـَقَامِ المـَحْمُودِ ﷺ اِسْتَكْمِلُوا أَعْمَارَكُمْ بِالطَّاعَاتِ، فَالخَاتِمَةُ لِلْمُتَّقِينَ
فاجْعَلُوا فِي قُلُوبِكُمْ وَاعِظًا مِنَ الرَّحْمَٰنِ يُحَذِّرُكُمْ مِنَ المـُوبِقَاتِ، وَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، لِتَكُونُوا مِنْ أَهْلِ التَّثْبِيتِ وَالنَّجَاةِ يَوْمَ تَبْلُغُ الرُّوحُ التَّرَاقِيَ.
الدُّعَاءُ
