خطبة عن (رَضِينَا بِرَسُولِ اللَّهِ قِسْمًا وَحَظًّا)
يونيو 28, 2026الخطبة الأولى (الْتَّفْسِيرُ المَوْضُوعِيُّ لسُورَةِ الإِخْلَاصِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [سورة الإخلاص].
إخوة الإسلام
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم: هو دراسة السورة القرآنية كوحدة واحدة، واستخراج فكرتها المحورية، ومقاصدها الأساسية، وذلك بدلاً من تفسير الآيات بشكل منفصل،
ويهدف هذا المنهج إلى إبراز الجوانب العقائدية، والإيمانية، والأخلاقية، التي تربط بين آيات السورة الواحدة، بشكل متناسق ومترابط.
واليوم- إن شاء الله تعالى- مع (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ الإِخْلَاصِ)، فقَدْ أَودَعَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ فِي هَذِهِ الكَلِمَاتِ القَلِيلَةِ النَّافِذَةِ، جَوْهَرَ العَقِيدَةِ الإِسْلَامِيَّةِ كُلِّهَا، وَجَعَلَهَا مِيزَاناً فَاصِلاً بَيْنَ حَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ، وَبَيْنَ ضَلَالَاتِ الشِّرْكِ وَالتَّشْبِيهِ،
فإِنَّ النَّظَرَ إِلَى سُورَةِ الإِخْلَاصِ بِتَفْسِيرٍ مَوْضُوعِيٍّ، يَكْشِفُ عَنْ فِكْرَتِهَا المِحْوَرِيَّةِ العُظْمَى، وهي: “بَيَانُ كَمَالِ الذَّاتِ الإِلَهِيَّةِ، وَتَنْزِيهُهَا عَنِ النَّقْصِ وَالشَّبِيهِ”، فَهِيَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ سُورَةٍ تُقْرَأُ، بَلْ هِيَ هُوِيَّةُ المُسْلِمِ العَقَدِيَّةِ، الَّتِي يَعِيشُ بِهَا، وَيَمُوتُ عَلَيْهَا، وفي صحيح البخاري: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «قَالَ اللَّهُ كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا، وَأَنَا الأَحَدُ الصَّمَدُ لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفْأً أَحَدٌ»
وأَوَّل مَا نَسْتَفْتِحُ بِهِ (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ الإِخْلَاصِ)، هُوَ: التَّعَرُّفُ عَلَى سَبَبِ نُزُولِهَا ،الَّذِي يَجْلِي عِظَمَ مَكَانَتِهَا؛ فَقَدْ جَاءَ المُشْرِكُونَ إِلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَقَالُوا لَهُ: “يَا مُحَمَّدُ، انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ” -أَيْ بَيِّنْ لَنَا نَسَبَهُ وَصِفَتَهُ، هَلْ هُوَ مِنْ ذَهَبٍ، أَمْ مِنْ فِضَّةٍ؟- فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ السُّورَةَ جَوَاباً قَاطِعاً لِكُلِّ جَاهِلِيَّةٍ، فَبَدَأَ بِأَعْظَمِ إِعْلَانٍ فِي الوُجُودِ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، وَالأَحَدُ هُوَ الَّذِي لَا شَبِيْهَ لَهُ، وَلَا نَظِيرَ، وَلَا مِثْلَ، المُنْفَرِدُ بِكَمَالِهِ فِي ذَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.
وفي سنن الترمذي: (أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- ذَكَرَ آلِهَتَهُمْ فَقَالُوا انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ. قَالَ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ السُّورَةِ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، فَاللَّهُ أَحَدٌ لَا يَتَجَزَّأُ، وَلَا يَتَعَدَّدُ، وَهُوَ مَعْبُودٌ وَاحِدٌ، تَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ كُلُّ جَبْهَةٍ خَاشِعَةٍ، وفي رواية للترمذي: (عَنْ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- انْسُبْ لَنَا رَبَّكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ) فَالصَّمَدُ الَّذِى لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ لأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُولَدُ إِلاَّ سَيَمُوتُ وَلَيْسَ شَيْءٌ يَمُوتُ إِلاَّ سَيُورَثُ وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لاَ يَمُوتُ وَلاَ يُورَثُ (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) قَالَ «لَمْ يَكُنْ لَهُ شَبِيهٌ وَلاَ عِدْلٌ وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ثُمَّ أَرْدَفَ الله سُبْحَانَهُ هَذِهِ الأَحَدِيَّةَ بِوَصْفٍ جَامِعٍ لِكُلِّ سُبُلِ القُرْبِ وَالِافْتِقَارِ، فَقَالَ تعالى: (اللَّهُ الصَّمَدُ): وَالصَّمَدُ فِي لُغَةِ العَرَبِ وَالتَّفْسِيرِ هُوَ: السَّيِّدُ الَّذِي كَمُلَ فِي سُؤْدُدِهِ، الَّذِي تَصْمَدُ -أَيْ تَلْجَأُ- إِلَيْهِ الخَلَائِقُ كُلُّهَا فِي حَوَائِجِهَا وَمَسَائِلِهَا، وَهُوَ الغَنِيُّ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إِلَى طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ مُعِينٍ.
وتَأَمَّلُوا هَذَا المَعْنَى العَمِيقَ (اللَّهُ الصَّمَدُ): فالكَوْنُ بِأَسْرِهِ؛ مِنْ مَلَائِكَةِ السَّمَاءِ إِلَى أَقْوَاتِ الأَرْضِ، صَامِدُونَ، فُقَرَاءُ، يَقِفُونَ بِبَابِ الصَّمَدِ، يَطْلُبُونَ مِنْهُ البَقَاءَ وَالرِّزْقَ، فَإِذَا عَلِمْتَ أَنَّ رَبَّكَ هُوَ (الصَّمَدُ)، فَكَيْفَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِالْمَسْأَلَةِ؟، وَكَيْفَ تَبْكِي عَلَى فَوْتِ دُنْيَا؟، وَمَفَاتِيحُ الغِنَى بِيَدِ صَمَدِ الخَلَائِقِ؟
وَلِأَنَّ السُّورَةَ جَاءَتْ لِتَهْدِمَ شُبُهَاتِ الأُمَمِ المُنْحَرِفَةِ، فَقَدْ جَاءَ التَّنْزِيهُ الصَّرِيحُ عَنِ العَلَاقَاتِ البَشَرِيَّةِ القَاصِرَةِ: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ)، وهُنَا تَرُدُّ السُّورَةُ بِقُوَّةٍ عَقَدِيَّةٍ عَلَى مَنْ زَعَمُوا أَنَّ لِلَّهِ وَلَداً؛ كَاليَهُودِ حِينَ قَالُوا عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ، وَالنَّصَارَى حِينَ قَالُوا المَسِيحُ ابْنُ اللهِ، وَمُشْرِكِي العَرَبِ حِينَ قَالُوا المَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللهِ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ تَقَدَّسَ عَنِ الأُصُولِ وَالفُرُوعِ، فلَيْسَ لَهُ أَبٌ فَيَكُونَ مَوْلُوداً، وَلَيْسَ لَهُ ابْنٌ فَيَكُونَ وَالِداً؛ لِأَنَّ الوِلَادَةَ تَقْتَضِي مُجَانَسَةً، وَاحْتِيَاجاً وَفَنَاءً، وَاللهُ هُوَ الحَيُّ البَاقِي، الأَوَّلُ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، وَالآخِرُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ثُمَّ خَتَمَ اللهُ تَعَالَى هَذَا البُنْيَانَ العَقَدِيَّ بِإِغْلَاقِ كُلِّ مَنَافِذِ التَّشْبِيهِ فِي العُقُولِ: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ): وَالكُفُؤُ هُوَ المُمَاثِلُ وَالمُسَاوِي فِي القَدْرِ أَوْ المَنْزِلَةِ، فَلَا أَحَدَ يُسَاوِي اللهَ فِي خَلْقِهِ، وَلَا فِي تَدْبِيرِهِ، وَلَا فِي عِلْمِهِ، ومَهْمَا تَصَوَّرَ عَقْلُكَ مِنْ صُوَرِ العَظَمَةِ، فَاللهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ، وهَذَا التَّنْزِيهُ المُطْلَقُ يَجْعَلُ المُسْلِمَ يَعِيدُ صِيَاغَةَ عَقْلِهِ، لِيَكُونَ خَاشِعاً لِعَظَمَةِ الخَالِقِ، الَّذِي تَضَاءَلَتْ دُونَهُ جَمِيعُ قُدُرَاتِ الخَلَائِقِ.
وفي سنن أبي داود: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «لاَ يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ». وفي رواية: (قَالَ «فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ فَقُولُوا (اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ) ثُمَّ لْيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاَثًا وَلْيَسْتَعِذْ مِنَ الشَّيْطَانِ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ النَّظَرَ إِلَى سُورَةِ الإِخْلَاصِ كَوَحْدَةٍ مَوْضُوعِيَّةٍ، يَجْعَلُنَا نَفْهَمُ لِمَاذَا جَعَلَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعْدِلُ (ثُلُثَ القُرْآنِ الكَرِيمِ). فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ القُرْآنِ فِي لَيْلَةٍ؟» فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: أَيُّنَا يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ ثُلُثُ القُرْآنِ»،
وَسِرُّ ذَلِكَ أَنَّ القُرْآنَ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحْكَامٍ، وَقِصَصٍ، وَتَوْحِيدٍ؛ وَهَذِهِ السُّورَةُ قَدْ تَمَحَّضَتْ وَاخْتَصَّتْ بِبَيَانِ التَّوْحِيدِ الخَالِصِ، فَصَارَتْ ثُلُثَ الكِتَابِ بِحَقَائِقِهَا النُّورَانِيَّةِ، وفي صحيح مسلم: (قَالَ «إِنَّ اللَّهَ جَزَّأَ الْقُرْآنَ ثَلاَثَةَ أَجْزَاءٍ فَجَعَلَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ ».
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ الإِخْلَاصِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا كَيْفَ يُثْمِرُ فَهْمُ هَذِهِ السُّورَةِ مَحَبَّةً تَقُودُ صَاحِبَهَا إِلَى دُخُولِ الجَنَّةِ، ففي سنن الترمذي :(عَنِ ابْنِ حُنَيْنٍ مَوْلًى لآلِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَوْ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ أَقْبَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَمِعَ رَجُلاً يَقْرَأُ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «وَجَبَتْ». قُلْتُ وَمَا وَجَبَتْ قَالَ «الْجَنَّةُ»،
ورَوَى البُخَارِيُّ أَيْضاً: (عَنْ أَنَسٍ – رضى الله عنه – كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَؤُمُّهُمْ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، وَكَانَ كُلَّمَا افْتَتَحَ سُورَةً يَقْرَأُ بِهَا لَهُمْ فِي الصَّلاَةِ مِمَّا يَقْرَأُ بِهِ افْتَتَحَ بِپ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا، وَكَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَكَلَّمَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا إِنَّكَ تَفْتَتِحُ بِهَذِهِ السُّورَةِ، ثُمَّ لاَ تَرَى أَنَّهَا تُجْزِئُكَ حَتَّى تَقْرَأَ بِأُخْرَى، فَإِمَّا أَنْ تَقْرَأَ بِهَا، وَإِمَّا أَنْ تَدَعَهَا وَتَقْرَأَ بِأُخْرَى. فَقَالَ مَا أَنَا بِتَارِكِهَا، إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ أَؤُمَّكُمْ بِذَلِكَ فَعَلْتُ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ تَرَكْتُكُمْ. وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مِنْ أَفْضَلِهِمْ، وَكَرِهُوا أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ، فَلَمَّا أَتَاهُمُ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ فَقَالَ «يَا فُلاَنُ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَفْعَلَ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ أَصْحَابُكَ، وَمَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ». فَقَالَ إِنِّي أُحِبُّهَا. فَقَالَ «حُبُّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ»،
وفي رواية له: (فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – فَقَالَ «سَلُوهُ لأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ». فَسَأَلُوهُ فَقَالَ لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ»، فَتَعَلُّقُ القَلْبِ بِتَوْحِيدِ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ هُوَ أَعْظَمُ جَوَّازِ مُرُورٍ إِلَى رِضْوَانِهِ وَنَعِيمِ جِنَانِهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَالسؤال: كَيْفَ نُحَوِّلُ (سُورَةَ الإِخْلَاصِ) إِلَى مَنْهَجٍ سُلُوكِيٍّ فِي حَيَاتِنَا؟، والجواب: إِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِتَحْقِيقِ “الإِخْلَاصِ العَمَلِيِّ”؛ فَلَا نُرَائِي بِصَلَاتِنَا، وَلَا نَتَفَاخَرُ بِصَدَقَاتِنَا، بَلْ يَكُونُ قَصْدُنَا هُوَ اللهَ الأَحَدَ الصَّمَدَ في كل قول أو عمل.
وَمِنْ السُبُلِ: أَنْ نَلْزَمَهَا ونقرأها مَعَ المُعَوِّذَتَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فِي صَبَاحِنَا، وَمَسَائِنَا، وَعِنْدَ نَوْمِنَا، لِتَكُونَ لَنَا مَنَاعَةً حِسِّيَّةً وَعَقَدِيَّةً، وحصنا حصينا من الشيطان الرجيم.
واعلموا أن المُجْتَمَع الَّذِي يَتَرَبَّى أَبْنَاؤُهُ عَلَى (اللَّهُ الصَّمَدُ) لَا يَعْرِفُ الذُّلَّ لِلْمَخْلُوقِينَ، وَلَا يَنْحَنِي لِأَصْحَابِ الجَاهِ طَمَعاً، بَلْ يَعِيشُ أَبْنَاؤُهُ أَعِزَّاءَ، أَقْوِيَاءَ، مَوْصُولِينَ بِعَرْشِ مَلِكِ المُلُوكِ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ، فَلْنَمْلَأْ قُلُوبَنَا بِأَنْوَارِ التَّوْحِيدِ، وَلْنَعْتَزَّ بِصِفَةِ رَبِّنَا الأَحَدِ الصَّمَدِ.
فاللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الأَحَدُ الصَّمَدُ، الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ، أَنْ تُطَهِّرَ قُلُوبَنَا مِنَ الشِّرْكِ وَالرِّيَاءِ، وارْزُقْنَا الإِخْلَاصَ فِي القَوْلِ وَالعَمَلِ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَةِ المُوَحِّدِينَ الصَّادِقِينَ، واجْعَلْ حُبَّنَا لِسُورَةِ الإِخْلَاصِ سَبَباً لِمَحَبَّتِكَ لَنَا وَدُخُولِنَا جَنَّتِكَ.
الدعاء
