خطبة عن (عِزَّةُ المُؤْمِنِ)
أغسطس 8, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (كَيفَ نقْتَحِمُ الْعَقَبَةَ؟)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ) (11): (18) البلد.
إخوة الإسلام
لقاؤنا اليوم- إن شاء الله تعالى- مع هذه الآيات المباركات، من كتاب الله العزيز، فأَعِيرُونِي القُلُوبَ قَبْلَ الآذَانِ، وَهَاتُوا الأَرْوَاحَ لِنُصْغِيَ إِلَى صَوْتِ القُرْآنِ، الَّذِي يَصْدَعُ فِي القُلُوبِ، وَيَهُزُّ النُّفُوسَ هَزًّا، لِيُفِيقَهَا مِنْ سَكْرَةِ الدُّنْيَا، وَغَفْلَةِ المَتَاعِ.
فهَلْ تَسَاءَلْتُمْ يَوْمًا عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَبَيْنَ الجَنَّةِ؟، وهَلْ اسْتَشْعَرْتُمْ كَيْفَ يُصَوِّرُ القُرْآنُ الكَرِيمُ هَذِهِ الحَيَاةَ، لَا عَلَى أَنَّهَا مَلْعَبٌ، أَوْ نُزْهَةٌ فَرَاغٌ، بَلْ عَقَبَةٌ كؤود، صَعْبَةُ المَرْتَقَى، لَا يَعْبُرُهَا إِلَّا مَنْ أَعَدَّ لَهَا قَلْبًا صَادِقًا، وَعَمَلًا صَالِحًا ثَقِيلًا متقبلا،
فافْتَحُوا مَصَاحِفَ الأَرْوَاحِ عَلَى سُورَةِ البَلَدِ، وَاسْمَعُوا إِلَى نِدَاءِ الجَبَّارِ، الَّذِي يَعْلُوهُ التَّقْرِيعُ وَالتَّحْفِيزُ، حِينَ يَقُولُ جَلَّ فِي عُلَاهُ: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ * أُولَئِكِ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾.
فأَيُّ زِلْزَالٍ هَذَا الَّذِي يَدُكُّ عُرُوشَ الأَنَانِيَّةِ فِي صُدُورِنَا؟، فتَأَمَّلُوا فِي التَّعْبِيرِ القُرْآنِيِّ العَجِيبِ: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾، فلَمْ يَقُلْ: “فَلَا مَشَى”، “فَلَا سَارَ”، بَلْ قَالَ: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ﴾، وَالإِقْتِحَامُ هُوَ: الدُّخُولُ فِي الأَمْرِ بِشِدَّةٍ، وَمُجَاهَدَةٌ، وَشَجَاعَةٌ، وَتَغَلُّبٌ عَلَى المَشَاقِّ.
فَمَا هِيَ هَذِهِ ﴿الْعَقَبَةُ﴾ الَّتِي يَقِفُ الإِنْسَانُ أَمَامَهَا مُتَرَدِّدًا، يُقَدِّمُ رِجْلًا وَيُؤَخِّرُ أُخْرَى؟، إِنَّهَاَ عقَبَةُ النَّفْسِ الشَّحِيحَةِ، وَعَقَبَةُ الهَوَى، وَعَقَبَةُ الصِّرَاعِ بَيْنَ حُبِّ المَالِ، الَّذِي يَكْنِزُهُ الإِنْسَانُ، وَبَيْنَ أَمْرِ اللهِ، الَّذِي يَحُثُّهُ عَلَى البَذْلِ وَالعَطَاءِ، إِنَّهَا الجَسْرُ الصَّعْبُ، الَّذِي يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ رِضَا اللهِ ،إِذَا لَمْ تُدكُدكْ سُدُودَ الشُّحِّ فِي قَلْبِكَ، لِتَعْبُرَ إِلَى بَرِّ الأَمَانِ.
ثُمَّ يَعْظُمُ القُرْآنُ شَأْنَهَا فَيَقُولُ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾؟، فكَيْفَ تُقْتَحَمُ هَذِهِ العَقَبَةُ؟، وكَيْفَ نَكْسِرُ أَغْلَالَهَا لِنَكُونَ مِنْ النَّاجِينَ؟، فيَأْتِي البَيَانُ الإِلَهِيُّ مُبَاشَرَةً، فِي صُوَرٍ مِنْ أَعْظَمِ أَعْمَالِ البِرِّ الِاجْتِمَاعِيِّ وَالإِيمَانِيِّ: أولا: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾: أي: فَكُّ رقاب الأَسْرَى، وَتَحْرِيرُ العَبِيدِ، وَتَفْرِيجُ كُرَبِ الـمَكْرُوبِينَ، الَّذِينَ أَقَلقَت المَغَارِمُ وَالدُّيُونُ مَضَاجِعَهُمْ، فَبَاتُوا خَلْفَ القُضْبَانِ، أَوْ تَحْتَ وَطْأَةِ القَهْرِ، فَمَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً، أَوْ فَكَّ عَنِ المَغْرُومِينَ غُرْمَهُمْ، فَكَّ اللهُ رَقَبَتَهُ مِنَ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ،
ومن أعمال البر التي تكون سببا في اقتحام العقبة يوم القيامة، ثانيا: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾: فتَأَمَّلُوا هَذَا الوَصْفَ المُرَعِّشَ: ﴿مَسْغَبَةٍ﴾؛ أَيْ يَوْمِ جُوعٍ شَدِيدٍ، وَقَحْطٍ مُهْلِكٍ، حِينَ يَشُحُّ الطَّعَامُ، وَتَقِلُّ الأَمْوَالُ، وَيُمِسِي الكُلُّ يُفَكِّرُ فِي نَفْسِهِ، فهُنَا، لَا يَسْتَوِي الإِنْفَاقُ حِينَ الفَضْلِ، مَعَ الإِنْفَاقِ حِينَ الحَاجَةِ والمجاعة، فالَّذِي يُخْرِجُ لُقْمَةَ العَيْشِ فِي أَيَّامِ الشِّدَّةِ، لِيَضَعَهَا فِي فَمِ جَائِعٍ، فُهُوَ الَّذِي يَطَأُ بِقَدَمَيْهِ عَلَى هَامَةِ العَقَبَةِ.
قال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا) (8): (11) الانسان.
ومن الأعمال الصالحة التي تكون سببا في اقتحام العقبة يوم القيامة، ثالثا: إطعام ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾: أي: يَتِيمًا فَقَدَ الأَبَ وَالحَنَانَ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ قَرِيبُكَ فِي الرَّحِمِ، فَتَجْمَعُ لَهُ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَتَمْسَحُ عَلَى رَأْسِهِ، لِتُدْفِئَ قَلْبَهُ الـصَّغِيرَ،
ففي سنن البيهقي: (عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُجْزِئُ عَنَّا أَنْ نَجْعَلَ الصَّدَقَةَ فِي زَوْجٍ فَقِيرٍ وَابْنِ أَخٍ أَيْتَامٍ فِي حُجُورِنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :«لَكِ أَجْرُ الصَّدَقَةِ وَأَجْرُ الصِّلَةِ».
ففي الصحيحين: (عَنْ سَهْلٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا». وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا)،
وفي مسند أحمد: (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَسْوَةَ قَلْبِهِ فَقَالَ لَهُ « إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ فَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ».
ومن الأعمال الصالحة التي تكون سببا في اقتحام العقبة يوم القيامة، رابعا: إطعام: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾: أي: مِسْكِينًا أَلْصَقَهُ الفَقْرُ بِالتُّرَابِ، لَا يَجِدُ مَا يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ، أَوْ يَسُدُّ بِهِ جُوعَهُ، قَدْ غَارَتْ عَيْنَاهُ، وَاشْتَدَّ بَلَاؤُهُ،
وفي صحيح البخاري: (أن أَبَا هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِى تَرُدُّهُ الأُكْلَةُ وَالأُكْلَتَانِ، وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ الَّذِى لَيْسَ لَهُ غِنًى وَيَسْتَحْيِي أَوْ لاَ يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا»، وفي صحيح مسلم: عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ …(وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ وَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ هُوَ لِمَنْ أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ وَالْيَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ)،
وفي سنن أبي داود: (عن أُمِّ بُجَيْدٍ وَكَانَتْ مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ إِنَّ الْمِسْكِينَ لَيَقُومُ عَلَى بَابِي فَمَا أَجِدُ لَهُ شَيْئًا أُعْطِيهِ إِيَّاهُ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنْ لَمْ تَجِدِي لَهُ شَيْئًا تُعْطِينَهُ إِيَّاهُ إِلاَّ ظِلْفًا مُحْرَقًا فَادْفَعِيهِ إِلَيْهِ فِي يَدِهِ».
وفي سنن الترمذي: قَالَ صلى الله عليه وسلم: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ وَهِىَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ ». وفيه: قَالَ صلى الله عليه وسلم: (يَا عَائِشَةُ لاَ تَرُدِّى الْمِسْكِينَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ يَا عَائِشَةُ أَحِبِّى الْمَسَاكِينَ وَقَرِّبِيهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ يُقَرِّبُكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ».
وفي سنن ابن ماجه: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ أَحِبُّوا الْمَسَاكِينَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ فِي دُعَائِهِ «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِى مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ».
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَانْظُرُوا هَلْ بَدَأْتُمْ فِي اقْتِحَامِ هَذِهِ العَقَبَةِ بِأَعْمَالِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، أَمْ أَنَّكُمْ لَا تَزَالُونَ عَلَى أَعْتَابِهَا وَاقِفِينَ؟.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (كَيفَ نقْتَحِمُ الْعَقَبَةَ؟)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ولَمْ يَقِف التَّشْرِيعُ القُرْآنِيُّ عِنْدَ صُوَرِ البَذْلِ المَادِّيِّ فَحَسْبُ، بَلْ شَرَطَ لاِقْتِحَامِ العَقَبَةِ شَرْطًا حَاسِمًا، يَشُدُّ البُنْيَانَ وَيَشْدُدُ الإِيمَانَ، فاسْمَعُوا إِلَى القُرْآنِ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾، نعم ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ فَلَا قَبُولَ لِإِطْعَامٍ، أَوْ إِعْتَاقٍ، بِلَا إِيمَانٍ صَادِقٍ بِاللهِ، وَاليَوْمِ الآخِرِ، فالإِيمَانُ هُوَ الأَسَاسُ الَّذِي يُبْنَى عَلَيْهِ كُلُّ عَمَلٍ،
ثُمَّ جَاءَتْ الرَّابِطَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ المُمَيَّزَةُ: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾: يُوصِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، وَالصَّبْرِ عَنْ مَعَاصِيهِ، وَالصَّبْرِ عَلَى أَقْدَارِهِ المُلِمَّةِ.
﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾: يَتَنَاصَحُونَ بِالرَّحْمَةِ، فَيَرْحَمُ الكَبِيرُ الصَّغِيرَ، وَيَعْطِفُ الغَنِيُّ عَلَى الفَقِيرِ، وَتَتَحَوَّلُ الأُمَّةُ كُلُّهَا إِلَى جَسَدٍ وَاحِدٍ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فَمَا هُوَ الجَزَاءُ؟، ومَا هُوَ المَصِيرُ الَّذِي يَنْتَظِرُ مَنْ وَفَّقَهُ اللهُ فَاقْتَحَمَ العَقَبَةَ، وَفَكَّ الرَّقَبَةَ،
وَأَطْعَمَ الجَائِعَ، وَتَوَاصَى بِالصَّبْرِ وَالمَرْحَمَةِ؟، فتَأَمَّلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى فِي الآيَةِ الخِتَامِيَّةِ:
﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾، يَا لَهُ مِنْ وَسَامٍ خَالِدٍ، ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾، فهُمُ الَّذِينَ يُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وهُمُ الَّذِينَ يُمِرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ كَالْبَرْقِ الخَاطِفِ، وهُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ مَعَ الأَبْرَارِ، لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.
أَيُّهَا الـمُؤْمِنُونَ
إِنَّ العَقَبَةَ أَمَامَكُمْ اليَوْمَ فِي دُنْيَاكُمْ: يَتِيمٌ يَنْتَظِرُ كَفَالَتَكُمْ، وَفَقِيرٌ يَئِنُّ مِنْ شِدَّةِ الحَاجَةِ، وَمَكْرُوبٌ يَبْحَثُ عَنْ مَنْ يَفُكُّ ضِيقَتَهُ، وَأُمَّةٌ تَحْتَاجُ إِلَى التَّوَاصِي بِالصَّبْرِ وَالمَرْحَمَةِ، فَلَا تَتَرَاجَعُوا، وَلَا تَشُحُّوا بِأَمْوَالِكُمْ، وَاقْتَحِمُوا العَقَبَةَ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ،
قال تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ) (48) البقرة،
وقال تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (281) البقرة،
وقال تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) (33) لقمان،
وقال تعالى: (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (37)، (38) النور
فَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
الدعاء
