خطبة عن (عِصْمَةُ النَّبِيِّ وَاصْطِفَاؤُهُ الإِلَهِيُّ)
سبتمبر 9, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى «النَّصِيحَةُ النَّبَوِيَّةُ لِلنِّسَاءِ وَتَكْرِيمُ المَرْأَةِ فِي الإِسْلاَمِ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
روى البخاري في صحيحه: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم – فِي أَضْحًى- أَوْ فِطْرٍ- إِلَى الْمُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ» فَقُلْنَ وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ». قُلْنَ وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ». قُلْنَ بَلَى. قَالَ «فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ». قُلْنَ بَلَى. قَالَ «فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا».
إخوة الإسلام
يقول الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل:97).
وَبداية: اعْلَمُوا أَنَّ الإِسْلاَمَ قَدْ جَاءَ بِتَكْرِيمِ المَرْأَةِ، وَرَفْعِ مَكَانَتِهَا، وَجَعَلَهَا شَقِيقَةَ الرَّجُلِ، فِي الأَحْكَامِ، وَالتَّكَالِيفِ، وَالْجَزَاءِ، وَخَصَّهَا بِالرِّعَايَةِ وَالصِّيَانَةِ مِمَّا يُدَنِّسُ عِفَّتَهَا، أَوْ يَحُطُّ مِنْ قَدْرِهَا.
وَإِنَّ مِنْ كَمَالِ شَفَقَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَحِرْصِهِ عَلَى أُمَّتِهِ، أَنْ خَصَّ النِّسَاءَ بِالمَوْعِظَةِ، وَالتَّذْكِيرِ فِي أَعْظَمِ المَجَامِعِ، لِيَحْمِيَهُنَّ مِنْ وُرُودِ المَهَالِكِ، وَيُرْشِدَهُنَّ إِلَى أَبْوَابِ النَّجَاةِ، وَأَسْبَابِ الفَوْزِ بِالْجَنَّةِ؛ فَإِنَّ المَرْأَةَ الصَّالِحَةَ: هِيَ عِمَادُ الأُسْرَةِ، وَأَسَاسُ بِنَاءِ المَجْتَمَعِ المُسْلِمِ، وَإِذَا صَلَحَتْ صَلَحَتِ الأَجْيَالُ، وَإِذَا غَفَلَتْ، أَوْ انْحَرَفَتْ، يَتَسَرَّبُ الخَلَلُ إِلَى البُيُوتِ وَالمَجْتَمَعَاتِ.
وفي هذا الحديث المتقدم: (أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ الاِسْتِغْفَارَ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ. فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ جَزْلَةٌ: وَمَا لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِذِي لُبٍّ مِنْكُنَّ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا نُقْصَانُ العَقْلِ وَالدِّينِ؟ قَالَ: أَمَّا نُقْصَانُ العَقْلِ فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ، فَهَذَا نُقْصَانُ العَقْلِ، وَتَمْكُثُ اللَّيَالِيَ لاَ تُصَلِّي، وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ، فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ»
فَفِي هَذَا الحَدِيثِ: يَتَجَلَّى حِرْصُ النَّبِيِّ ﷺ، وَشَفَقَتُهُ عَلَى النِّسَاءِ، حَيْثُ خَصَّهُنَّ بِخِطَابٍ وَعْظِيٍّ بَعْدَ خُطْبَةِ العِيدِ، فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، وَالاسْتِغْفَارِ، كَفَّارَةً لِمَا قَدْ يَصْدُرُ مِنْهُنَّ مِنْ زَلاَّتِ اللِّسَانِ، وَسُوءِ المِعَاشَرَةِ. وَأَخْبَرَهُن بِمَا رآه فِي صَلاَتِهِ مِنْ أَمْرِ النَّارِ، وَأَنَّ كَثِيراً مِنْ أَهْلِهَا مِنَ النِّسَاءِ ، لِأَسْبَابٍ سُلُوكِيَّةٍ تَسْتَهِينُ بِهَا كَثِيرٌ مِنْهُنَّ؛ أَبْرَزُهَا: إِكْثَارُ اللَّعْنِ، وَالدُّعَاءِ بِالظُّلْمِ وَالسَّبِّ، وَكُفْرُ العَشِيرِ -أَيْ جُحُودُ إِحْسَانِ الزَّوْجِ وَفَضْلِهِ- فَمَهْمَا أَحْسَنَ إِلَيْهَا الرَّجُلُ أَعْوَاماً ثُمَّ رَأَتْ مِنْهُ شَيْئاً لاَ يُرْضِيهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْراً قَطُّ.
ثُمَّ بَيَّنَ ﷺ قُدْرَةَ المَرْأَةِ العَاطِفِيَّةَ العَجِيبَةَ الَّتِي تَغْلِبُ أَعْقَلَ الرِّجَالِ وَتَسْتَلِبُ لُبَّهُ،
وَفَسَّرَ ﷺ المَقْصُودَ بِنُقْصَانِ العَقْلِ وَالدِّينِ تَفْسِيراً نَبَوِيّاً، يَقْضِي عَلَى المَفَاهِيمِ الخَاطِئَةِ؛ فَنُقْصَانُ العَقْلِ، لَيْسَ عَيْباً ذَاتِيّاً، أَوْ قَصُوراً خِلْقِيّاً يَمْسُّ كَرَامَتَهَا، بَلْ هُوَ طَبِيعَةٌ جِبِلِّيَّةٌ، جَعَلَتْ عَاطِفَتَهَا تُعَاكِسُ حَافِظَتَهَا لِأَجْلِ أَدَاءِ رِسَالَةِ الأُمُومَةِ وَالرَّأْفَةِ، فَعُدِلَتْ شَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ بِرَجُلٍ فِي المَالِيَّاتِ لِتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى إِذَا ضَلَّتْ.
وَنُقْصَانُ الدِّينِ لَيْسَ إِثْماً أَوْ نَقْصاً تُعَاقَبُ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ تَرْكٌ لِلصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ فِي أَيَّامِ الحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، بِأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ وَتَخْفِيفاً عَنْهَا، وَرَفْعاً لِلْمَشَقَّةِ عَنْ بَدَنِهَا.
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلاَنِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي فَتْحِ البَارِي: «قَوْلُهُ: (تَكْفُرْنَ العَشِيرَ) المُرَادُ بِهِ جُحُودُ الحَقِّ وَنِعْمَةِ الزَّوْجِ، وَسُمِّيَ جُحُودُ الإِحْسَانِ كُفْراً لِمُشَابَهَتِهِ فِي السَّتْرِ وَالإِنْكَارِ، وَقَوْلُهُ: (وَمَا نُقْصَانُ العَقْلِ وَالدِّينِ) فِيهِ اسْتِفْسَارُ الصَّحَابَةِ عَمَّا يُشْكِلُ عَلَيْهِمْ، وَتَفْسِيرُ النَّبِيِّ ﷺ لِلنُّقْصَانِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ المُرَادُ بِهِ ذَمَّ المَرْأَةِ أَوْ حَطَّ مَكَانَتِهَا، بَلْ بَيَانُ الحَالَةِ الَّتِي جَبَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهَا مِنْ التَّخْفِيفِ فِي العِبَادَةِ وَالاِكْتِفَاءِ بِتَذْكِيرِ غَيْرِهَا فِي الشَّهَادَةِ».
وَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «فِي هَذَا الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ خُطْبَةِ النِّسَاءِ وَتَذْكِيرِهِنَّ بِمَا يَنْفَعُهُنَّ، وَالحَثِّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالاسْتِغْفَارِ، وَفِيهِ إِثْبَاتُ كُفْرِ النِّعْمَةِ وَأَنَّهُ لاَ يُخْرِجُ مِنَ المِلَّةِ، وَفِيهِ بَيَانُ شَفَقَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ وَنَصِيحَتِهِ لِلنِّسَاءِ لِيَ حْذَرْنَ مِنْ أَسْبَابِ عِقَابِ اللَّهِ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ هَذَا الحَدِيثَ النَّبَوِيَّ الشَّرِيفَ المتقدم، يَرْشُدُ الأُمَّةَ إِلَى حَقَائِقَ شَرْعِيَّةٍ وَتَرْبَوِيَّةٍ ثَابِتَةٍ، ومنها: أَوَّلاً: أَنَّ عِظَمَ خَطَرِ اللِّسَانِ وَجُحُودَ الإِحْسَانِ مِنَ أَسْبَابِ الدُّخُولِ فِي غَضَبِ اللَّهِ وَعَذَابِهِ.
ثَانِياً: أَنَّ التَّصَدُّقَ وَالإِكْثَارَ مِنَ الاِسْتِغْفَارِ، هُمَا المَصْدَرُ الأَعْظَمُ لِتَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ، وَوِقَايَةِ النُّفُوسِ مِنَ المَهَالِكِ.
ثَالِثاً: أَنَّ التَّشْرِيعَ الإِسْلاَمِيَّ رَاعَى طَبِيعَةَ المَرْأَةِ الخِلْقِيَّةَ وَالوِجْدَانِيَّةَ، فَخَفَّفَ عَنْهَا الأَحْكَامَ مَعَ بَقَاءِ كَرَامَتِهَا الإِنْسَانِيَّةِ وَالأَهْلِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ.
وفي الصحيحين: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْراً، فَإِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاَهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْراً».
وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لاَ يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقاً رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ».
وفيه أيضا: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ».
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية «النَّصِيحَةُ النَّبَوِيَّةُ لِلنِّسَاءِ وَتَكْرِيمُ المَرْأَةِ فِي الإِسْلاَمِ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
يقول الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:71).
إنَّ المَرْأَةَ فِي المَجْتَمَعِ الإِسْلاَمِيِّ تَبْلُغُ أَعْلَى مَرَاتِبِ الكَرَامَةِ وَالصِّيَانَةِ، حَيْثُ جَعَلَهَا الشَّرْعُ المَطْهرُ (أُمّاً) يجبُ بِرُّهَا، وَ(زَوْجَةً) يُكْرَمُ غَرْسُهَا، وَ(ابْنَةً) يُحْسَنُ إِلَيْهَا، فكَانَ الإِسْلاَمُ وَلاَ يَزَالُ الحِصْنَ الحَصِينَ لِلْمَرْأَةِ؛ يَرَى فِيهَا صَانِعَةَ الأَجْيَالِ، وَمُرَبِيَّةَ الأَبْطَالِ، وَحَافِظَةَ بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ، فَتَعِيشُ المَرْأَةُ فِي ظِلاَلِ الإِسْلاَمِ المعَزَّزةَ المَصُونَةَ، الَّتِي لاَ تُمَسُّ كَرَامَتُهَا، وَلاَ يُبْتَذَلُ جَسَدُهَا.
أَمَّا أَعْدَاءُ الإِسْلاَمِ فِي كُلِّ عَصْرٍ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ إِشَاعَةَ الفَاحِشَةِ، وَتَفْكِيكَ المَجْتَمَعِ المُسْلِمِ، فَقَدْ جَعَلُوا المَرْأَةَ سِلْعَةً رَخِيصَةً، تُبَاعُ وَتُشْتَرَى فِي مَيَادِينِ الإِعْلاَنِ، وَالتَّرْوِيجِ، فيُرِيدُونَ مِنْهَا أَنْ تَتَخَلَّى عَنْ حِجَابِهَا، وَعِفَّتِهَا، وَأَنْ تُبْدِيَ مَفَاتِنَهَا لِلْفُسَّاقِ، وَأَنْ تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهَا، لِتَقْطَعَ أَرْحَامَهَا، وَتُهْمِلَ تَرْبِيَةَ أَبْنَائِهَا، تَحْتَ شِعَارَاتٍ بَرَاقَةٍ وَخَدَّاعَةٍ، مِنْ التَّحَرُّرِ، وَالمُسَاوَاةِ الزَّائِفَةِ، فَمَا نَتَجَ عَنْ تِلْكَ الدَّعَوَاتِ الخَبِيثَةِ إِلاَّ انْهِدَامُ الأُسَرِ، وَكثْرَةُ الطَّلاَقِ، وَتَشَرُّدُ الأَطْفَالِ، وَضَيَاعُ الأَخْلاَقِ.
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي التَّمْهِيدِ: «فِي هَذَا الحَدِيثِ وَغَيْرِهِ بَيَانٌ لِكَرَامَةِ المَرْأَةِ فِي الإِسْلاَمِ وَوُجُوبِ حِمَايَتِهَا وَتَذْكِيرِهَا بِمَا يُصْلِحُ دِينَهَا وَدُنْيَاهَا، وَأَنَّ سَلاَمَةَ بَيْتِ الزَّوْجِيَّةِ مَنُوطَةٌ بِ حُسْنِ الخُلُقِ، وَطَاعَةِ اللَّهِ، وَمُعَاشَرَةِ الزَّوْجِ بِالْمَعْرُوفِ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي إِعْلاَمِ المُوَقِّعِينَ: «فَإِنَّ الشَّرِيعَةَ مَبْنِيَّتُهَا وَأَسَاسُهَا عَلَى الحِكَمِ وَمَصَالِحِ العِبَادِ فِي المَعَاشِ وَالمَعَادِ، وَقَدْ صَانَتِ المَرْأَةَ أَعْظَمَ صِيَانَةٍ، وَحَمَتْهَا مِنْ كُلِّ مَا يَجْرَحُ عِفَّتَهَا أَوْ يُبْتَذِلُ كَرَامَتَهَا، وَجَعَلَتْ بَقَاءَهَا فِي بَيْتِهَا وَقِيَامَهَا بِشُؤُونِ ذُرِّيَّتِهَا مِنْ أَعْظَمِ القُرُبَاتِ لِلَّهِ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وفِي هَذَا الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ أُسُسٌ خَالِدَةٌ، لِأَثَرِ السُّنَّةِ فِي حَيَاتِنَا، ومنها:
صِيَانَةُ اللِّسَانِ، وَتَجَنُّبُ اللَّعْنِ وَالشَّتْمِ فِي البُيُوتِ، وَغَرْسُ كَلِمَةِ الطَّيِّبِ وَالذِّكْرِ.
ومنها: شُكْرُ إِحْسَانِ الزَّوْجِ، وَالاعْتِرَافُ بِالْفَضْلِ وَالمَعْرُوفِ، وَتَجَنُّبُ الجُحُودِ وَالكُفْرَانِ عِنْدَ الخِلاَفَاتِ.
ومنها: التَّسْلِيمُ لِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَعَدَمُ الاِنْجِرَارِ خَلْفَ الشُبُهَاتِ الَّتِي يُثِيرُهَا أَعْدَاءُ الإِسْلاَمِ حَوْلَ مَكَانَةِ المَرْأَةِ.
ومنها: العِنَايَةُ بِالتَّرْبِيَةِ وَالبَيْتِ: فَإِنَّ أَعْظَمَ عَمَلٍ تُقَدِّمُهُ المَرْأَةُ لِأُمَّتِهَا هُوَ إِصْلاَحُ بَيْتِهَا وَتَرْبِيَةُ أَبْنَائِهَا عَلَى الإِيمَانِ.
وفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا صَلَّتِ المَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَصَّنَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ بَعْلَهَا، قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الجَنَّةِ شِئْتِ» (رواه ابن حبان).
وفي الصحيحين: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا». وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا، جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ، وَضَمَّ أَصَابِعَهُ». فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاحْفَظُوا أُسَرَكُمْ، وَرَبُّوا بَنَاتِكُمْ وَنِسَاءَكُمْ عَلَى هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ، وَاحْذَرُوا كَيْدَ أَعْدَاءِ الإِسْلاَمِ لِتَكُونُوا مِنَ الفَائِزِينَ المَقْبُولِينَ. فاللَّهُمَّ احْفَظْ نِسَاءَنَا وَبَنَاتِنَا مِنَ الفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ. اللَّهُمَّ اكسُهُنَّ الحَيَاءَ وَالعِفَّةَ وَالسَّتْرَ. اللَّهُمَّ اهْدِنَا لِأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لاَ يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنَّا سَيِّئَهَا لاَ يَصْرِفُ عَنَّا سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ.
الدعاء
