خطبة عن «هُوَ بَدْرُ التَّمَامِ وَمِسْكُ الْخِتَامِ»
أغسطس 25, 2026الخطبة الأولى (حَقِيقَةُ المَحَبَّةِ النَّبَوِيَّةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
روى الامام البخاري في صحيحه: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ».
إخوة الإسلام
نَأْتِي اليَوْمَ- إن شاء الله تعالى- لِنَقِفَ خَاشِعِينَ، مُتَدَبِّرِينَ، أَمَامَ حَدِيثٍ مِنْ أَعْظَمِ أَحَادِيثِ الإِيمَانِ، وَأَجَلِّ قَوَاعِدِ الدِّينِ، الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تَتَحَرَّكَ بِهَا القُلُوبُ.
نَعِيشُ اليَوْمَ مَعَ مَا رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، قَوله صلى الله عليه وسلم: «فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ».
فتَأَمَّلُوا هَذَا القَسَمَ النَّبَوِيَّ العَظِيمَ: «فَوَالَّذِي نَفْسِى بِيَدِهِ»؛ فلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يُقْسِمُ إِلَّا فِي الأُمُورِ العِظَامِ، الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِصُلْبِ العَقِيدَةِ، وَنَجَاةِ العَبْدِ فِي الآخِرَةِ.
ويُقْسِمُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِاللهِ الَّذِي مَلَكَ الأَرْوَاحَ وَالنُّفُوسَ، أَنَّ الإِيمَانَ الكَامِلَ المُنْجِيَ، لاَ يَتَحَقَّقُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ، حَتَّى تَكُونَ مَحَبَّةُ الرَّسُولِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَعْظَمَ وَأَكْبَرَ مِنْ مَحَبَّةِ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِ: وَالِدِهِ الَّذِي كَانَ سَبَبًا فِي وُجُودِهِ، وَوَلَدِهِ الَّذِي هُوَ ثَمَرَةُ فُؤَادِهِ، وَقُرَّةُ عَيْنِهِ.
فإِنَّ هَذَا الحَدِيثَ لَيْسَ صَيْحَةً عَاطِفِيَّةً تُقَالُ بِالأَلْسِنَةِ، بَلْ هُوَ مِيزَانٌ دَقِيقٌ لِتَزْكِيَةِ القُلُوبِ، فَالمَحَبَّةُ الشَّرْعِيَّةُ لِلنَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لَيْسَتْ مَشَاعِرَ مَجَرَّدَةً، وَلاَ دَعَاوَى بَرَّاقَةً، بَلْ هِيَ أَصْلٌ عَقَدِيٌّ يَنْعَكِسُ عَلَى جَوَارِحِ العَبْدِ وَسُلُوكِهِ.
وتَعَالَوْا بِنَا نَبْحُرُ فِي أَعْمَاقِ هَذَا الحَدِيثِ، وَنَتَفَكَّرُ فِي دَلَالَاتِهِ، وَتَأْصِيلَاتِهِ الشَّرْعِيَّةِ:
أَوَّلًا: لِمَاذَا وُجِبَتْ مَحَبَّتُهُ فَوْقَ كُلِّ الخَلْقِ؟، والجواب: لِأَنَّ النَّعْمَةَ الَّتِي جَاءَ بِهَا النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هِيَ أَعْظَمُ النِّعَمِ عَلَى الإِنْسَانِيَّةِ قَاطِبَةً، فَالوَالِدُ وَالوَلَدُ قَدْ يَكُونَانِ سَبَبًا فِي نَعِيمِ الدُّنْيَا الزَّائِلِ، أَمَّا الرَّسُولُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَهُوَ السَّبَبُ فِي نَجَاتِكَ مِنَ الخُلُودِ فِي النَّارِ، وَدُخُولِكَ جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
والرَّسُولُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): هُوَ الَّذِي هَدَاكَ اللهُ بِهِ، مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَمِنَ الضَّلَالَةِ إِلَى الهُدَى.
بَلْ إِنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلَا أَعْلَنَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي كِتَابِهِ المَجِيدِ فَقَالَ تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة:24].
فانْظُرُوا كَيْفَ جَعَلَ اللهُ تَقْدِيمَ مَحَبَّةِ الأَهْلِ وَالمَالِ عَلَى مَحَبَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ سَبَبًا لِلْوَعِيدِ وَالخُسْرَانِ.
ثَانِيًا: مَرَاتِبُ المَحَبَّةِ وَالتَّقْدِيمِ: فإِنَّ المَحَبَّةَ الفِطْرِيَّةَ لِلْوَالِدِ وَالوَلَدِ أَمْرٌ جِبِلِّيٌّ، غَرَسَهُ اللهُ فِي النُّفُوسِ، وَالإِسْلَامُ لاَ يُلْغِي هَذِهِ المَحَبَّةَ، بَلْ يُهَذِّبُهَا، وَيَجْعَلُهَا تَبَعًا لِمَحَبَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ.
فإِذَا تَعَارَضَ أَمْرُ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَسُنَّتُهُ، مَعَ رَغَبَاتِ الوالِدَيْنِ، أَوْ أَهْوَاءِ الأَبْنَاءِ ،هُنَا يَظْهَرُ المَحَكُّ الحَقِيقِيُّ لِلإِيمَانِ، فَالْمُؤْمِنُ الصَّادِقُ هُوَ الَّذِي يُقَدِّمُ طَاعَةَ الرَّسُولِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَشَرِيعَتَهُ، عَلَى كُلِّ مَنْ سِوَاهُ، وَيَقُولُ بِلِسَانِ الحَالِ وَالمَقَالِ: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا.
ثَالِثًا: القُدْوَةُ النَّبَوِيَّةُ فِي الصَّحَابَةِ الكِرَامِ: ولَقَدْ كَانَ هَذَا الحَدِيثُ حَقِيقَةً حَيَّةً، تَنَبَّضُ فِي حَيَاةِ صَحَابَةِ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
فكَانُوا يُفَدُّونَهُ بِآبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، فَهَذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) يَقُولُ لِلنَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): “لَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلاَّ مِنْ نَفْسِي “،فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «لَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ»، فَقَالَ عُمَرُ: “فَإِنَّهُ الآَنَ، وَاللهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي”، فَقَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «الآَنَ يَا عُمَرُ». أَيْ: الآَنَ كَمُلَ إِيمَانُكَ، وَاسْتَقَامَ يَقِينُكَ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (حَقِيقَةُ المَحَبَّةِ النَّبَوِيَّةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِذَا كَانَتْ مَحَبَّةُ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) شَرْطًا فِي كَمَالِ الإِيمَانِ، فَمَا هِيَ العَلَامَاتُ العَمَلِيَّةُ، الَّتِي نَقِيسُ بِهَا هَذِهِ المَحَبَّةَ فِي وَاقِعِنَا المعَاشِ؟، وكَيْفَ نُتَرْجِمُ هَذَا الحَدِيثَ العَظِيمَ فِي بُيُوتِنَا، وَمَعَ أَبْنَائِنَا، وَفِي مُعَامَلَاتِنَا اليَوْمِيَّةِ؟.
والجواب: إِنَّ لِمَحَبَّةِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) شَوَاهِدَ وَثِمَارًا، لاَ تُخْطِئُهَا العَيْنُ، أَبْرَزُهَا:
1. كَمَالُ الِاتِّبَاعِ وَالِاقْتِدَاءِ: فإِنَّ المَحَبَّةَ الحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ أَنَاشِيدَ تُرَدَّدُ، بَلْ هِيَ طَاعَةٌ وَاتِّبَاعٌ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [آل عمران:31].
فَمَنْ كَانَ يُحِبُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقًّا، اسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ فِي صَلَاتِهِ، وَأَخْلَاقِهِ، وَتَعَامُلِهِ مَعَ أَهْلِهِ وَجِيرَانِهِ، وَتَحَرَّى الحَلَالَ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ.
2. النَّصْرَةُ وَالذَّبُّ عَنْ شَرِيعَتِهِ: ففِي عَصْرٍ كَثُرَتْ فِيهِ الشُّبُهَاتُ، وَتَجَرَّأَ فِيهِ بَعْضُ الأَشْقِيَاءِ عَلَى مَقَامِ النُّبُوَّةِ العَالِي أَوْ عَلَى سُنَّتِهِ المَطَهَّرَةِ، تَكُونُ مَحَبَّةُ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِالدِّفَاعِ عَنْ هَدْيِهِ، وَتَعْلِيمِ سِيرَتِهِ لِلأَبْنَاءِ، وَنَشْرِ أِخْلَاقِهِ بَيْنَ العَالَمِينَ، لِيَعْلَمَ الشَّرْقُ وَالغَرْبُ أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ هُوَ رَحْمَةُ اللهِ المُهْدَاةُ لِلْبَشَرِيَّةِ.
3. تَرْبِيَةُ الأَجْيَالِ عَلَى هَذَا المِيثَاقِ: فمِنَ التَّطْبِيقَاتِ العَمَلِيَّةِ المُمِهَّمَةِ لِلْفَرْدِ وَالمُجْتَمَعِ: أَنْ نَغْرِسَ فِي قُلُوبِ أَبْنَائِنَا وَبَنَاتِنَا شَغَفًا بِشَخْصِ الرَّسُولِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وأَنْ يَعْرِفُوا سِيرَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفُوا سِيَرَ التَّافِهِينَ، وَأَنْ يَكُونَ هُوَ القُدْوَةَ الأُولَى فِي حَيَاتِهِمْ.
فَاتَّقُوا اللهَ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، وَجَدِّدُوا فِي قُلُوبِكُمْ عَهْدَ المَحَبَّةِ لِنَبِيِّكُمْ، وَاجْعَلُوا هَدْيَهُ حَاكِمًا عَلَى أَهْوَائِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ؛ لِتَذُوقُوا حَلَاوَةَ الإِيمَانِ، وَتَحْشُرُوا غَدًا فِي زُمْرَةِ المَصْطَفَى (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)؛ فَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ».
[الدُّعَاءُ]
