خطبة عن (هُوَ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ)
أغسطس 23, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (56): (58) الذاريات.
إخوة الإسلام
موعدنا اليوم- إن شاء الله تعالى- مع آية من كتاب الله تعالى: نتلوها، ونتدبر معانيها، ونتفهم مراميها، ونرتوي من نبعها الصافي، ونرتشف من رحيقها المختوم.
فأَعِيرُونِي القُلُوبَ قَبْلَ الآذَانِ، وَهَاتُوا الأَرْوَاحَ قبل الأبدان، لِنُصْغِيَ إِلَى صَدَى حَقِيقَةٍ كُبْرَى، إلى قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).
فمَا أَعْظَمَهَا مِنْ آيَةٍ، وَمَا أَجْسَمَهَا مِنْ حَقِيقَةٍ، تَقْصِمُ ظُهُورَ الْغَافِلِينَ، وَتُوقِظُ قُلُوبَ السَّاهِينَ، إنها حَقِيقَةٌ تُجِيبُ عَنِ السُّؤَالِ الأَكْبَرِ الَّذِي حَارَتْ فِيهِ الْعُقُولُ، وَتَاهَتْ فِي طَيَّاتِهِ الأَفْكَارُ: لِمَاذَا خُلِقْنَا؟، وَإِلَى أَيْنَ مسيرُنَا؟،
فلَقَدْ حَسَمَهَا الْعَلِيُّ الْحَكِيمُ، فِي كَلِمَاتٍ مَعْدُودَاتٍ، فَأَعْلَنَ لِلْثَّقَلَيْنِ -الإِنْسِ وَالْجِنِّ- أَنَّ الْغَايَةَ الْكُبْرَى مِنْ وُجُودِهِمْ، وَالْمَقْصِدَ الأَسْمَى مِنْ خَلْقِهِمْ، هُوَ عِبَادَتُهُ وَحْدَهُ، لاَ شَرِيكَ لَهُ، فقال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)،
فَيَا لَهَا مِنْ غَايَةٍ شَرِيفَةٍ، مَنْ حَقَّقَهَا فَقَدْ فَازَ بِسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ، وَمَنْ ضَيَّعَهَا، فَقَدْ خَسِرَ نَفْسَهُ، وَعُمُرَهُ، وَكَانَ مِنَ الْهَالِكِينَ، فقد قال تعالى: (وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) (61) يس، وفي الصحيحين: (عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ قَالَ فَقَالَ «يَا مُعَاذُ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ». قَالَ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ «فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لاَ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا». قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ أُبَشِّرُ النَّاسَ قَالَ «لاَ تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا».
وفي صحيح مسلم: (قَالَ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الأَشْجَعِيُّ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً فَقَالَ «أَلاَ تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ» وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ فَقُلْنَا قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ «أَلاَ تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ». فَقُلْنَا قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ «أَلاَ تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ». قَالَ فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا وَقُلْنَا قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَعَلاَمَ نُبَايِعُكَ قَالَ «عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَتُطِيعُوا – وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً – وَلاَ تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا». فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ).
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ الْعُبُودِيَّةَ لِلَّهِ تَعَالَى لَيْسَتْ مُجَرَّدَ طَقُوسٍ مُجَرَّدَةٍ، أَوْ حَرَكَاتٍ ظَاهِرَةٍ يُؤَدِّيهَا الْمَرْءُ بِلاَ رُوحٍ، بَلْ هِيَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ: مِنَ الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ،
فالْعُبُودِيَّةُ فِي الْقَلْبِ: كَمَالُ الْحُبِّ لِلَّهِ، وَكَمَالُ الْخَوْفِ مِنْهُ، وَكَمَالُ الرَّجَاءِ فِي فِضْلِهِ، وَالتَّوَكُّلُ التَّامُّ عَلَيْهِ.
والْعُبُودِيَّةُ فِي اللِّسَانِ: صِدْقُ الْحَدِيثِ، وَذِكْرُ اللَّهِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ.
والْعُبُودِيَّةُ فِي الْجَوَارِحِ: إِقَامَةُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَالْعَدْلُ بَيْنَ النَّاسِ، وَإِتْقَانُ الْعَمَلِ، وَنَشْرُ الْخَيْرِ فِي كُلِّ بَقْعَةٍ.
فَكُلُّ حَرَكَةٍ فِي حَيَاتِكَ -أَيُّهَا الْمُسْلِمُ- يُمْكِنُ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى عِبَادَةٍ خَالِصَةٍ إِذَا صَحَّتْ فِيهَا النِّيَّةُ وَوَافَقَتْ شَرَعَ اللَّهِ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (الأنعام:162-163).
وفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ» (رواه البخاري).
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وفي قوله تَعَالَى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (56): (58) الذاريات.
فتَأَمَّلُوا كَيْفَ قَطَعَ اللَّهُ الأَوْهَامَ، وَأَزَالَ الشُّبُهَاتِ فِي خِتَامِ هَذِهِ الآيَاتِ، فَاللَّهُ جَلَّ جَلاَلُهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ، لاَ يَحْتَاجُ إِلَى طَاعَةِ الطَّائِعِينَ، وَلاَ تَنُقُصُهُ مَعْصِيَةُ الْعَاصِينَ، بَلْ الْعِبَادُ هُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَيْهِ، فلَمْ يَخْلُقْنَا لِيَسْتَكْثِرَ بِنَا مِنْ قِلَّةٍ، وَلاَ لِيَسْتَعِزَّ بِنَا مِنْ ذِلَّةٍ، وَلاَ لِيَطْلُبَ مِنَّا رِزْقاً أَوْ طَعَاماً، بَلْ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ.
وفي الحديث: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئاً، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً» (رواه مسلم).
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ) النحل: (36)، وفي الحديث: (عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإِلَّا تَفْعَلْ مَلَأْتُ يَدَيْكَ شُغْلًا وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ» أخرجه الترمذي في “جامعه”،
واعلموا أن العبادة نوعان: الأول: عبادة قلبية: ومنها التوكل، والإخلاص، والمحبة، والإنابة، والرجاء، والخوف، والخشية، والرضى، والصبر.. وغيرها.
والثاني: عبادة الجوارح: وهي قسمين، عبادة فعلية مثل الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وعبادة قولية مثل الذكر، وقراءة القرآن، والاستغفار، والصلاة على النبي (صلى الله عليه وسلم)،
وكل ما تقدم من أنواع العبادة يجب صرفه لله تعالى، ومن صرف شيئًا منها لغير الله فقد أشرك، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162-163].وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [الزمر:65]
وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ».
وقد بين الله تعالى أن الناس في سلوك الصراط المستقيم على ثلاثة أقسام: فمن عبد الله على جهل، فقد ضل وغوى، وشرع في الدين ما لم يأذن به الله، وقدوته في ذلك النصارى من أهل الكتاب.
ومن علم ولم يعمل، وحرَّف وبدَّل، فقد وقع في غضب الله ولعنته، وقدوته في ذلك اليهود. ومن نجا مما وقعت فيه الطائفتان فتفقه في دين الله، وعلم وعمل، فقد سار على الصراط المستقيم الذي دعا إليه عباده، وعلمهم أن يدعوه به، قال تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:6-7].
وفي الصحيحين: (عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لاَ تُمْسِكُ مَاءً، وَلاَ تُنْبِتُ كَلأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فإِذَا عَلِمْتُمْ أَنَّ عِلَّةَ وُجُودِكُمْ هِيَ الْعُبُودِيَّةُ، فَمَا بَالُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ يَنْقَلِبُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ؟، يَسْعَوْنَ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّهُمْ خُلِدُوا فِيهَا، وَيَتَغَافَلُونَ عَنِ الْغَايَةِ الَّتِي أُنْشِئُوا مِنْ أَجْلِهَا،
وإِنَّ التَّوَازُنَ الْمَطْلُوبَ فِي حَيَاةِ الْمُؤْمِنِ: هُوَ أَنْ يَجْعَلَ الدُّنْيَا فِي يَدِهِ لاَ فِي قَلْبِهِ، وأَنْ يَعْمُرَ الأَرْضَ، وَيَسْعَى فِي طَلَبِ الرِّزْقِ الْحَلاَلِ، وَلَكِنْ دُونَ أَنْ يَشْغَلَهُ الرِّزْقُ عَنِ الرَّزَّاقِ، أَوْ تُنْسِيَهُ الأَسْبَابُ مُسَبِّبَ الأَسْبَابِ،
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَحَقِّقُوا الْغَايَةَ مِنْ خَلْقِكُمْ: إِصْلاَحُ الْعَقِيدَةِ: بِإِفْرَادِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْعِبَادَةِ، وَالنَّجَاةِ مِنْ كُلِّ صُوَرِ الشِّرْكِ وَالرِّيَاءِ. والْمُحَافَظَةُ عَلَى الْفَرَائِضِ: وَفِي مُقَدِّمَتِهَا الصَّلاَةُ فِي أَوْقَاتِهَا، فَهِيَ عِمَادُ الدِّينِ وَحَبْلُ الْوَصْلِ مَعَ اللَّهِ. وتَسْخِيرُ الْجَوَارِحِ: فِلاَ تَمْشِي إِلاَّ إِلَى خَيْرٍ، وَلاَ تَنْظُرْ إِلاَّ إِلَى حَلاَلٍ، وَلاَ تَقُلْ إِلاَّ حَقّاً. وعِمَارَةُ الأَرْضِ بِالنِّيَّةِ الصَّالِحَةِ: لِتَكُونَ صِنَاعَتُكَ، وَزِرَاعَتُكَ، وَوَظِيفَتُكَ، وَتَرْبِيَتُكَ لِأَهْلِكَ لَبِنَاتٍ فِي مِيزَانِ عِبَادَتِكَ.
فاللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ حَقَّقَ الْغَايَةَ مِنْ خَلْقِهِ فَفَازَ بِرِضْوَانِكَ وَجَنَّتِكَ.
الدعاء
