خطبة عن (من فضائل ذكر الله)
أغسطس 12, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (أَسبابُ هَلَاكِ الأُمَمِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) (16)، (17) الاسراء.
إخوة الإسلام
موعدنا اليوم- إن شاء الله تعالى- مع آيات من كتاب الله تعالى: نتلوها، ونتدبر معانيها، ونتفهم مراميها، ونرتوي من نبعها الصافي، ونرتشف من رحيقها المختوم.
فأَعِيرُونِي القُلُوبَ قَبْلَ الآذَانِ، وَهَاتُوا الأَرْوَاحَ، لِنُصْغِيَ إِلَى صَدَى سُنَّةٍ إِلَهِيَّةٍ ثَابِتَةٍ لَا تَتَخَلَّفُ، وَقَانُونٍ رَبَّانِيٍّ جَسِيمٍ، يَدُكُّ عُرُوشَ الطُّغَاةِ، وَيَقْضِي عَلَى أَوْهَامِ المَغْرُورِينَ، سُنَّةٌ تُبَيِّنُ كَيْفَ تَسْقُطُ الحَضَارَاتُ، وَكَيْفَ تَتَهَاوَى الأُمَمُ العَاتِيَةُ، حِينَ تَسْتَشْرِي فِيهَا الذُّنُوبُ، وَيَنْتَشِرُ فِيهَا الفَسَادُ.
فتَأَمَّلُوا فِي تَارِيخِ الأُمَمِ المَاضِيَةِ، وَالمُعَاصِرَةِ؛ كَمْ مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ عَامِرَةً بِالأَمْوَالِ، زَاهِرَةً بِالعِمَارَةِ، المُمَكَّنَةِ فِي الأَرْضِ، ثُمَّ أَمْسَتْ فِي لَحْظَةٍ عَيْنٍ كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ؟، هَلْ كَانَ هَلَاكُهُمْ حَيْفًا مِنَ اللهِ (حَاشَاهُ سُبْحَانَهُ)؟، أَمْ أَنَّهُمْ سَلَكُوا طَرِيقَ الهَلَاكِ بِأَيْدِيهِمْ، وَاسْتَجْلَبُوا غَضَبَ الجَبَّارِ بِمَعَاصِيهِمْ، وَطُغْيَانِهِمْ؟.
فافْتَحُوا مَصَاحِفَ القُلُوبِ، وَاسْمَعُوا قَوْلَه تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا * وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ (16)، (17) الاسراء.
فتَأَمَّلُوا فِي التَّرْتِيبِ الإِلَهِيِّ الدَّقِيقِ: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾: فمَنْ هُمُ ﴿مُتْرَفِيهَا﴾؟: هُمُ الَّذِينَ أَغْدَقَ اللهُ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ، وَوَسَّعَ عَلَيْهِمُ الأَرْزَاقَ، وَمَكَّنَ لَهُمْ فِي الجَاهِ، وَالسُّلْطَانِ، فَبَدَلًا مِنْ أَنْ يَشْكُرُوا المُنْعِمَ سُبْحَانَهُ، سَخَّرُوا هَذِهِ النِّعَمَ فِي العِصْيَانِ، وَالكِبْرِ، وَالإِفْسَادِ. وَتَأَمَّلُوا فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾: أَيْ أَمَرْنَاهُمْ بِالطَّاعَةِ، وَالتَّوْحِيدِ، وَالعَدْلِ، وَإِقَامَةِ شَرِيعَةِ اللهِ، ﴿فَفَسَقُوا فِيهَا﴾؛ فَتَمَرَّدُوا عَلَى أَمْرِ اللهِ، وَتَمَادَوْا فِي الفِسْقِ وَالمَجُونِ، وَأَشَاعُوا الفَاحِشَةَ، وَسَكَتَ السَّوَادُ الأَعْظَمُ عَنْ طُغْيَانِهِمْ. وهناك قراءة ﴿أَمَّرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾: أي جعلناهم (أمراء وملوكا وحكاما)، ففسقوا، وظلموا.
فَمَاذَا كَانَتِ النَّتِيجَةُ الحَتْمِيَّةُ؟، ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾: فيُصْبِحُ العَذَابُ حَقًّا وَاجِبًا وَاقِعًا، فَيَأْتِيهِمْ بَأْسُ اللهِ بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ، فَيُدَمِّرُ اللهُ القَرْيَةَ بِكَمَالِهَا، وَيَجْعَلُهَا أَحَادِيثَ وَعِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ.
أيها المسلمون
وهكذا يتبين لنا أن من أسباب هلاك الأمم: الكفر بالملك الوهاب، وتكذيب الرسل الكرام، فقد أهلك الله عز وجل الأمم السابقة بسبب كفرهم بالله عز وجل، وتكذبيهم لرسله. قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (35) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (36) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (37) وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (38) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (39) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا ) [الفرقان:35-40].
ومن السنن: إن عصى الله بعضهم وبغى وطغى، ولم ينههم الآخرون، فإن الهلاك يعم الجميع، قال تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الأنفال:25]. وفي الصحيحين البخاري ومسلم (عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا فَزِعًا يَقُولُ «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ». وَحَلَّقَ بِإِصْبَعَيْهِ الإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا. قَالَتْ زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ قَالَ «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الْخُبْثُ»
وفي مسند أحمد (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «إِذَا ظَهَرَتِ الْمَعَاصِي فِي أُمَّتِي عَمَّهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ». فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَا فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ أُنَاسٌ صَالِحُونَ قَالَ «بَلَى». قَالَتْ فَكَيْفَ يَصْنَعُ أُولَئِكَ قَالَ «يُصِيبُهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ ثُمَّ يَصِيرُونَ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ»
ومن أسباب هلاك الأمم : ظهور النقص والتطفيف في الكيل والميزان، ومنع حق الله، وحق عباده، ونقض العهود والمواثيق، والإعراض عن أحكام الله تعالى. فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ « يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلاَّ فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلاَفِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا. وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلاَّ أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَؤُنَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ. وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلاَّ مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ وَلَوْلاَ الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ. وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ » رواه ابن ماجة.
وفي الصحيحين (أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ وَهْوَ حَلِيفٌ لِبَنِى عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم – هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمِ الْعَلاَءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بِقُدُومِ أَبِى عُبَيْدَةَ، فَوَافَوْا صَلاَةَ الْفَجْرِ مَعَ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم -، فَلَمَّا انْصَرَفَ تَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – حِينَ رَآهُمْ ثُمَّ قَالَ «أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ». قَالُوا أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَ اللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّى أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا ، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ»
أيها المسلمون
ومن أسباب هلاك الأمم : كثرة التعامل بالربا، وانتشار الزنا – والعياذ بالله – فإن هذا مما يخرب البلاد، ويهلك العباد، ويوجب سخط الرب عز وجل . ففي مسند أحمد (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « لَعَنَ اللَّهُ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَكَاتِبَهُ ». قَالَ وَقَالَ «مَا ظَهَرَ فِي قَوْمٍ الرِّبَا وَالزِّنَا إِلاَّ أَحَلُّوا بِأَنْفُسِهِمْ عِقَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
ومن أسباب هلاك الأمم: تقصير الدعاة في واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، (فعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي هُمْ أَعَزُّ مِنْهُمْ وَأَمْنَعُ لاَ يُغَيِّرُونَ إِلاَّ عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ » رواه ابن ماجة.
ومن أسباب هلاك الأمم: ترك الجهاد والإخلاد إلى الأرض. فعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لاَ يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» رواه أبو داود .
واتباع أذناب البقر، والرضا بالزرع علامة على الإخلاد إلى الأرض، والإخلاد إلى الأرض وترك الجهاد سبب الذل والهوان.
ومن أسباب هلاك الأمم : مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم : قال الله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور:63].
ومن أسباب هلاك الأمم : الغلو في الدين، والغلو هو التنطع ومجاوزة الحد، ففي صحيح مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ». قَالَهَا ثَلاَثًا. وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- غَدَاةَ الْعَقَبَةِ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ « هَاتِ الْقُطْ لِي ». فَلَقَطْتُ لَهُ حَصَيَاتٍ هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ فَلَمَّا وَضَعْتُهُنَّ فِي يَدِهِ قَالَ بِأَمْثَالِ هَؤُلاَءِ «وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» رواه النسائي
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (أَسبابُ هَلَاكِ الأُمَمِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
اسْمَعُوا إِلَى القُرْآنِ وَهُوَ يَنْتَقِلُ بِكُمْ إِلَى شَوَاهِدِ التَّارِيخِ الَّتِي لَا تُكَنَّى وَلَا تُدَالَسُ، لِيُؤَكِّدَ أَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ جَارِيَةٌ لَا تَتَخَلَّفُ عَنْ قَوْمٍ طَغَوْا، يَقُولُ جَلَّ فِي عُلَاهُ: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾، ﴿وَكَمْ﴾؛ كَلِمَةٌ تُفِيدُ الكَثْرَةَ وَالاسْتِغْرَاقَ، فكَمْ كَانَتْ فِي الأَرْضِ أُمَمٌ أَقْوَى مِنَّا أَجْسَادًا، وَأَكْثَرُ أَمْوَالًا، وَأَعْظَمُ آثَارًا؟، أَيْنَ قَوْمُ نُوحٍ حِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ؟، أُغْرِقُوا بِالطُّوفَانِ، فأَيْنَ عَادٌ الَّذِينَ قَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً؟، أُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ، وأَيْنَ ثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ؟، جَاءَهُمْ بَأْسُ اللهِ زَحْفًا حِينَ كَذَّبُوا وَفَسَقُوا، فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَالُهُمْ وَلَا مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ،
ثُمَّ خَتَمَ اللهُ الآيَةَ بِحَقِيقَةٍ تَزْلَزِلُ القُلُوبَ العَارِفَةَ: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾، فيَا اللهُ، ﴿خَبِيرًا بَصِيرًا﴾، خَبِيرًا بِمَا تُخْفِيهِ الصُّدُورُ مِنَ النِّيَّاتِ وَالمَكْرِ، بَصِيرًا بِمَا تَعْمَلُهُ الجَوَارِحُ فِي الظُّلُمَاتِ وَالخَلَوَاتِ، فلاَ تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ، لاَ يُحْتَاجُ إِلَى شُهُودٍ يُقِيمُونَ الحُجَّةَ؛ فَعِلْمُهُ المَحِيطُ وَبَصَرُهُ النَّافِذُ كَافِيَانِ فِي إِحْصَاءِ الذُّنُوبِ وَمُجَازَاةِ العِبَادِ!
أَيُّهَا الـمُؤْمِنُونَ
إِنَّ مَشَاهِدَ الهَلَاكِ فِي القُرْآنِ لَمْ تُتْلَ عَلَيْنَا لِلتَّسْلِيَةِ أَوْ لِمَجَرَّدِ القِرَاءَةِ التَّارِيخِيَّةِ، بَلْ جَاءَتْ لِتَكُونَ نَذِيرًا حَيًّا يَقْرَعُ آذَانَنَا: حِفْظُ النِّعَمِ بِالشُّكْرِ: اعْلَمُوا أَنَّ النِّعْمَةَ إِذَا شُكِرَتْ قَرَّتْ، وَإِذَا كُفِرَتْ فَرَّتْ. ومُوَاجَهَةُ الفَسَادِ بِالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ: فلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ سَكَتُوا عَنْ مُتْرَفِيهِمْ حِينَ فَسَقُوا، فَأَخَذَهُمُ العَذابُ جَمِيعًا، وعليكم بالتَّوْبَةُ الـصَّادِقَةُ: فاعْرُضُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى اللهِ، وَتَطَهَّرُوا مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي تَسْتَجْلِبُ النَّقَمَ وَتَطْرُدُ النِّعَمَ، وارْجِعُوا إِلَى اللهِ، وَاشْكُرُوا آلَاءَهُ، وَحَذِّرُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ مِنْ طَرِيقِ المُتْرَفِينَ الفَاسِقِينَ؛ لِتَكُونُوا فِي كَنَفِ اللهِ وَأَمَانِهِ الَّذِي لَا يَضُورُ صَاحِبَهُ شَيْءٌ.
الدعاء
