خطبة عن (أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ)
سبتمبر 16, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (الْمَوْتُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) (185) آل عمران، وقال تعالى: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) (78) النساء، وقال تعالى: (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) (60) الواقعة، وقال تعالى: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ) (8) الجمعة، وقال تعالى: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (10)، (11) المنافقون، وفي سنن الترمذي: (عَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مُصَلاَّهُ فَرَأَى نَاسًا كَأَنَّهُمْ يَكْتَشِرُونَ قَالَ «أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ أَكْثَرْتُمْ ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ لَشَغَلَكُمْ عَمَّا أَرَى فَأَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ الْمَوْتِ)، (وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ: الْمَوْتِ} رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
إخوة الإسلام
هُنَاكَ حَقِيقَة كُبْرَى تَسْتَوِي أَمَامَهَا الرُّؤُوسُ، وَيَخْضَعُ لَهَا المُلُوكُ وَالمَمَالِيكُ، وَيَسْتَسْلِمُ لَهَا العُظَمَاءُ وَالصِّغَارُ، حَقِيقَةٌ لَا مَفَرَّ مِنْهَا، وَلَا حِيَادَ عَنْهَا، مَهْمَا تَطَاوَلَتِ الأَعْمَارُ، وَارْتَفَعَتِ الدِّيَارُ، أَلَا وَهِيَ: (حَقِيقَةُ المَوْتِ).
وَالمَوْتُ: لَيْسَ عَدَمًا مَحْضًا، أَوْ انْتِهَاءً مُطْلَقًا لِلْوُجُودِ الإِنْسَانِيِّ، كَمَا يَظُنُّ الغَافِلُونَ، بَلْ هُوَ انْتِقَالٌ مِنْ دَارٍ إِلَى دَارٍ، وَمَفَارَقَةُ الرُّوحِ لِلْجَسَدِ التُّرَابِيِّ، وَتَحَوُّلٌ مِنْ دَارِ الِابْتِلَاءِ وَالعَمَلِ، إِلَى دَارِ الجَزَاءِ وَالأَمَلِ.
وَالمَوْتُ: هُوَ القَاطِعُ لِلَّذَّاتِ، وَالمُفَرِّقُ لِلْجَمَاعَاتِ، وَالمُوتِمُ لِلْبَنِينَ وَالبَنَاتِ، وَالمُصِرُّ لِلْعُظَمَاءِ عَلَى مَهَانَةِ التُّرَابِ.
وَلَقَدْ جَاءَ الِاهْتِمَامُ البَالِغُ فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِذِكْرِ (المَوْتِ)، وَالتَّعْرِيفِ بِحَقِيقَتِهِ، وَالحَثِّ عَلَى صَدْقِ الِاسْتِعْدَادِ لَهُ، فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ؛ لِتَظَلَّ القُلُوبُ حَيَّةً مُسْتَيْقِظَةً، فَلَا تَغْتَرَّ بِزُخْرُفِ الدَّنِيَّةِ، وَلَا تُخْدَعَ بِزِينَةِ الأَجَالِ.
قَالَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا مُذَكِّرًا الشَّبَابَ وَالشَّيْخَ وَالغَنِيَّ وَالفَقِيرَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:185].
وَقَالَ سُبْحَانَهُ مُبَيِّنًا أَنَّ المَوْتَ حَتْمٌ يَقِينٌ، لَا يَدْفَعُهُ حِصْنٌ حَصِينٌ، وَلَا حَذَرٌ شَدِيدٌ، وَلَا طِبٌّ نَافِعٌ: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:78].
وَقَالَ جَلَّ فِي عُلَاهُ مُخَاطِبًا أَشْرَفَ الخَلْقِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:30].
وقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:18]، وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْكِبِي فَقَالَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَإِنَّ (المَوْتَ) لَهُوَ أَعْظَمُ وَاعِظٍ لِلْقُلُوبِ القَاسِيَةِ، وَأَبْلَغُ زَاجِرٍ لِلنُّفُوسِ الجَامِحَةِ؛ كَانَ سَلَفُ الأُمَّةِ الصَّالِحُ يَعْرِفُونَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ، فَيَجْعَلُونَ (المَوْتَ) نَصْبَ أَعْيُنِهِمْ، حَتَّى كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ (رَحِمَهُ اللهُ) يَجْمَعُ العُلَمَاءَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، فَيَتَذَاكَرُونَ المَوْتَ وَالقِيَامَةَ وَالآَخِرَةَ، فَيَبْكُونَ حَتَّى كَأَنَّ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ جَنَازَةً.
وَقَالَ السُّدِّيُّ رَحِمَهُ اللهُ: “كَفَى بِالمَوْتِ وَاعِظًا، وَكَفَى بِاليَقِينِ غِنًى، وَكَفَى بِالعِبَادَةِ شُغْلًا”.
فإِذَا ذَكَرَ العَبْدُ المَوْتَ فِي سَاعَةِ شَهْوَةٍ كَسَرَهَا، وَإِذَا ذَكَرَهُ فِي سَاعَةِ غَضَبٍ كَبَحَهَا، وَإِذَا ذَكَرَهُ فِي سَاعَةِ كِبْرٍ وَتَعَاظُمٍ أَهَانَ هَذِهِ النَّفْسَ الضَّعِيفَةَ، وَأَطْفَأَ نَارَ الكِبْرِ فِي صَدْرِهِ، وَعَلِمَ أَنَّ صَاحِبَ العَظَمَةِ وَالجَاهِ وَالمَالِ سَيُوسَّدُ التُّرَابَ وَحْدَهُ، بِلَا جَاهٍ وَلَا مَالٍ وَلَا أَنِيسٍ، يَتْرُكُ دُنْيَاهُ التِي شَيَّدَهَا، وَيَفُودُ إِلَى أَعْمَالِهِ التِي قَدَّمَهَا.
وَلِقُصُورِ بَصِيرَةِ الإِنْسَانِ، وَشِدَّةِ تَعَلُّقِهِ بِهَذِهِ الدَّارِ، كَانَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يُرَبِّي أَصْحَابَهُ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ)، وَيُدَاوِي قُلُوبَهُمْ بِقَطْعِ طُولِ الأَمَلِ فِي الدُّنْيَا؛ فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) يَقُولُ صَائِحًا فِي نُفُوسِ الغَافِلِينَ، بَعْدَ أَنْ أَخَذَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِمَنْكِبَيْهِ: “إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ”.
فَطُولُ الأَمَلِ دَاءٌ عُضَالٌ، يُورِثُ الكَسَلَ عَنِ الطَّاعَةِ، وَالتَّسْوِيفَ فِي التَّوْبَةِ، وَالرُّكُونَ إِلَى الشَّهَوَاتِ، ثُمَّ يَهْجُمُ المَوْتُ بَغْتَةً، فَيَقُولُ المفرطُ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾، فَيَأْتِي الرَّدُّ الحَاسِمُ: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:99-100].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فحَقِيقَة (الموت) يَرَى الإِنْسَانُ شَوَاهِدَهَا كُلَّ يَوْمٍ؛ فنُشَيِّعُ الجَنَائِزَ، وَنَدْفِنُ الآَبَاءَ وَالأُمَّهَاتِ، وَالإِخْوَانَ وَالأَصْدِقَاءَ، وَنَنْقُلُهُمْ مِنْ القُصُورِ المُشَيَّدَةِ، وَالدُّورِ المُزَخْرَفَةِ، إِلَى ظُلْمَةِ اللَّحْدِ، وَضِيقِ القَبْرِ، يَتْرُكُونَ أَمْوَالَهُمْ التِي جَمَعُوهَا، وَسَاعَاتِهِمْ التِي كَبَدُوهَا، فَتُقَسَّمُ التَّرِكَةُ، وَيَبْقَوْنَ هُمْ فِي مُرْتَهَنِ أَعْمَالِهِمْ.
فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟!، وَهَلْ مِنْ مُتفَكِّرٍ فِي يَوْمِ الرَّحِيلِ؟!، يَقُولُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: “عَجِبْتُ لِقَوْمٍ أُمِرُوا بِالزَّادِ، وَنُودِيَ فِيهِمْ بِالرَّحِيلِ، وَهُمْ يَلْعَبُونَ!”.
فَالمَوْتُ لَيْسَ قِصَّةً نَسْمَعُهَا عَنْ الغَيْرِ، بَلْ هُوَ مَوْعِدٌ مُحَدَّدٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا، لَا يَسْتَأْخِرُ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُ.
قَالَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 26-27]، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ: المَوْتِ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ لِلإِكْثَارِ مِنْ ذِكْرِ المَوْتِ ثَمَرَاتٍ جَلِيلَةً، وَآثَارًا إِيمَانِيَّةً عَظِيمَةً؛ فَهُوَ يُحْيِي القُلُوبَ المَيِّتَةَ، وَيَبْعَثُ فِي النَّفْسِ القَنَاعَةَ، وَيُزَهِّدُ فِي الفَانِيَةِ، وَيُرَغِّبُ فِي البَاقِيَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ ذَكَرَ المَوْتَ فِي ضِيقٍ مِنَ العَيْشِ، وَسَّعَهُ عَلَيْهِ بِالـرِّضَا، وَمَنْ ذَكَرَهُ فِي سَعَةٍ ضَيَّقَهَا عَلَيْهِ فَلَا يَطْغَى وَلَا يَبْغَى.
وَإِنَّ مِمَّا يُعِينُ العَبْدَ عَلَى تَذَكُّرِ المَوْتِ وَالعَمَلِ لَهُ: زِيَارَةَ القُبُورِ، الَّتِي أَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حِينَ قَالَ كما فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمُ الآَخِرَةَ».
وَكَذَلِكَ شُهُودُ الجَنَائِزِ، وَتَشْيِيعُ المَوْتَى، وَتَأَمُّلُ المُحْتَضَرِينَ، وَقِرَاءَةُ الآَيَاتِ الوَارِدَةِ فِي القِيَامَةِ، وَمُجَالَسَةُ الصَّالِحِينَ، الَّذِينَ يُذَكِّرُونَ بِاللهِ، وَالدَّارِ الآَخِرَةِ.
وَإِنَّ العَاقِلَ اللَبِيبَ: هُوَ مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يُحَاسَبَ، وَتَزَوَّدَ مِنْ دُنْيَاهُ لِآخِرَتِهِ؛ فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ: (عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللهِ الأَمَانِيَّ».
فَالْكَيِّسُ: هُوَ الحَازِمُ، الَّذِي يُحَاسِبُ نَفْسَهُ عَلَى الأَنْفَاسِ وَالدَّقَائِقِ، وَلَا يَسْمَحُ لِعُمُرِهِ أَنْ يَمْضِيَ هَدَرًا فِي القِيلِ وَالقَالِ وَاللَّغْوِ، بَلْ يَعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الدَّقَائِقَ هِيَ رَأْسُ مَالِهِ الحَقِيقِيِّ، الَّذِي يَشْتَرِي بِهِ نَعِيمَ الأَبَدِ.
وفي إشارة من النبي صلى الله عليه وسلم إلى تذكُّر الموت، أمر بكتابة الوصية؛ كما في الصحيحين: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ». قال ابن عمر رضي الله عنهما: فوالله ما مرَّت عليَّ ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك، إلا ووصيتي عندي).
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (الْمَوْتُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وقد ذكر الله جل وعلا الموت في القرآن بلفظة (الحق)؛ لأنه حق لا مراء فيه، وصدق لا كذب فيه، ولا باطل معه، يقول الله تعالى: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق:١٩]،
فالحق أنك سوف تموت، والله حي لا يموت.
والحق أن ترى عند موتك ملائكة الرحمة، أو ملائكة العذاب.
والحق أن يكون قبرك روضةً من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران.
(ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ)، (تحيد) أي: تهرب وتفر وتجري،
فكل باك سيُبكى، وكل موجود سيفنى، وكل مذكور سيُنسى، ليس غير الله يبقى، من علا فالله أعلى.
وذكرى الموت يعني أننا نستعد دوماً وأبداً لهذا اللقاء، ففي معجم الطبراني: (عن بن عمر قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم عاشر عشرة فجاء رجل من الأنصار فقال يا نبي الله من أكيس الناس وأحزم الناس قال أكثرهم ذكرا للموت وأشدهم استعدادا للموت قبل نزول الموت أولئك هم الأكياس ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة).
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَاعْلَمُوا أَنَّ المَوْتَ لَيْسَ النِّهَايَةَ المُطْلَقَةَ لِلْوُجُودِ الإِنْسَانِيِّ، بَلْ هُوَ مَرْحَلَةٌ بَرْزَخِيَّةٌ، تَعْقُبُهَا الحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. وَمِنْ أَعْظَمِ البِشَارَاتِ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيَامَةِ، مَا رَوَاهُ الـبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «يُؤْتَى بِالمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ».
فَيَا لَهَا مِنْ بِشَارَةٍ لِأَهْلِ الإِيمَانِ بِالخُلُودِ الدَّائِمِ فِي نَعِيمٍ لَا يَزُولُ، وَيَا لَهَا مِنْ حَسْرَةٍ عَلَى الكُفَّارِ وَالعُصَاةِ بِالخُلُودِ فِي العَذَابِ المهين.
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاغْتَنِمُوا دَقَائِقَ أَعْمَارِكُمْ فِـي طَاعَةِ مَوْلَاكُمْ، وَاجْعَلُوا المَوْتَ نَصْبَ أَعْيُنِكُمْ، وَتَزَوَّدُوا لِيَوْمِ المَعَادِ، فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى.
الدعاء
