خطبة عن «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ»
سبتمبر 1, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (أَهْلُ الاِصْطِفَاءِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) (32): (35) فاطر.
إخوة الإسلام
لقاؤنا اليوم- إن شاء الله تعالى- مع هذه الآيات من كتاب الله الكريم، فأَعِيرُونِي القُلُوبَ قَبْلَ الآذَانِ، وَهَاتُوا الأَرْوَاحَ قبل الأجساد، لِنُصْغِيَ إِلَى نِدَاءِ العَظَمَةِ، وَنَسْتَمِعَ إِلَى صَفْحَةٍ مِنْ أَعْظَمِ صَفَحَاتِ التَّكْرِيمِ الإِلَهِيِّ، لِهَذِهِ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ، فهَلْ اسْتَشْعَرْتُمْ يَوْمًا عِظَمَ الأَمَانَةِ الَّتِي تُحْمَلُ عَلَى أَعْنَاقِكُمْ؟، وهَلْ تَأَمَّلْتُمْ هَذَا الكِتَابَ المَجِيدَ، الَّذِي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ، وكَيْفَ وَصَلَ إِلَيْكُمْ، وَمَنْ الَّذِي اخْتَارَكُمْ لِتَكُونُوا أَهْلَهُ، وَحَمَلَتَهُ فِي هَذِهِ الأَرْضِ؟.
فافْتَحُوا مَصَاحِفَ الأَرْوَاحِ عَلَى سُورَةِ فَاطِرٍ، وَاسْمَعُوا قَوْلَ البَارِئِ جَلَّ جَلَالُهُ، وَهُوَ يَكْشِفُ عَنْ هَذَا النَّسَبِ الإِيمَانِيِّ الشَّرِيفِ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾، فتَأَمَّلُوا- رَحِمَكُمُ اللهُ- فِي أَنَّ اللهَ جَلَّ جَلَالُهُ، سَمَّى إِنْزَالَ القُرْآنِ عَلَيْنَا ﴿إِيرَاثًا﴾، وَالمِيرَاثُ لاَ يُعْطَى إِلاَّ لِلْأَقْرَبِينَ، وَلاَ يَنْتَقِلُ إِلاَّ لِلْوَرَثَةِ المَخْصُوصِينَ، فَقَدْ جَعَلَكُمُ اللهُ وَرَثَةَ كُتُبِ الأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ،
وَسَمَّاكُمْ: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾، نَعَمْ، أَنْتُمْ أُمَّةُ الاِصْطِفَاءِ؛ اخْتَارَكُمُ اللهُ عَلَى عِلْمٍ، فَلَمْ يَجْعَلْكُمْ مِنْ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ، وَلاَ مِنَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، وَلاَ الضَّالِّينَ، بَلْ هَدَاكُمْ لِلْقُرْآنِ، قال الله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) آل عمران:110،
وأمة الاسلام هي الأمة الشاهدة على الأمم قبلها، ففي صحيح البخاري: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ يَا رَبِّ. فَيَقُولُ هَلْ بَلَّغْتَ فَيَقُولُ نَعَمْ. فَيُقَالُ لأُمَّتِهِ هَلْ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولُونَ مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ. فَيَقُولُ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ. فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ». (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) البقرة:143. وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ،
وفي الصحيحين: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «نَحْنُ الآخِرُونَ وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وفي سنن أبي داود: (عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «أُمَّتِى هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الآخِرَةِ عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ وَالزَّلاَزِلُ وَالْقَتْلُ».
وفي سنن ابن ماجه: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّ هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ عَذَابُهَا بِأَيْدِيهَا فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دُفِعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَيُقَالُ هَذَا فِدَاؤُكَ مِنَ النَّارِ».
فاعلموا أن أمتكم أمة مفضلة على كل الأمم، وقد اختصها الله تبارك وتعالى بالعطايا، والمنح ،والجوائز، ما لم يعط لغيرها من الأمم، وفي صحيح البخاري: (أن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ «إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلاَةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِىَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا إِلَى صَلاَةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ أَيْ رَبَّنَا أَعْطَيْتَ هَؤُلاَءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلاً، قَالَ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لاَ، قَالَ فَهْوَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ونعود إلى الآيات: فانْظُرُوا كَيْفَ قَسَّمَ اللهُ هَذِهِ الأُمَّةَ المُصْطَفَاةَ إِلَى ثَلاَثِ مَرَاتِبَ، لِيَضَعَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا أَمَامَ مِرْآةِ نَفْسِهِ: المَرْتَبَةُ الأُولَى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾: وَهُوَ المسلم المَقُصِرُ فِي حَقِّ رَبِّهِ، الَّذِي خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، فيَرْتَكِبُ بَعْضَ المَعَاصِي، وَيَتَوَانَى عَنْ بَعْضِ الوَاجِبَاتِ، ولَكِنَّهُ لاَ يَزَالُ فِي دَائِرَةِ الإِيمَانِ، يَحْمِلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، فلَمْ يُخْرِجْهُ اللهُ مِنَ الأُمَّةِ، وَلَمْ يَحْرِمْهُ مِنْ أُخُوَّةِ الاِصْطِفَاءِ، بَلْ بَدَأَ بِهِ القُرْآنُ، لِئَلاَّ يَيْأَسَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَلِيَعْلَمَ أَنَّ بَابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ أَمَامَهُ.
المَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: ﴿وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ﴾: وَهُوَ القَائِمُ بِالوَاجِبَاتِ، التَّارِكُ لِلمُحَرَّمَاتِ، ولكنه اقْتَصَرَ عَلَى الأَصْلِ؛ فأَدَّى فَرَائِضَهُ، وَوَقَفَ عِنْدَ حُدُودِ رَبِّهِ، إِلاَّ أَنَّهُ قَدْ يُفَرِّطُ فِي النَّوَافِلِ، أَوْ يَنَغَمِسُ فِي بَعْضِ المُبَاحَاتِ، وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ النَّجَاةِ وَالسَّلاَمَةِ.
المَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: فهَؤُلاَءِ هُمْ صَفْوَةُ الصَّفْوَةِ، وَفُرْسَانُ المَيَادِينِ، الَّذِينَ أَدَّوُا الفَرَائِضَ، وَتَسَابَقُوا فِي النَّوَافِلِ، وَسَارَعُوا فِي القُرُبَاتِ، وَتَوَرَّعُوا عَنِ الشُّبُهَاتِ، فلَمْ يَرْتَضُوا بِالقَلِيلِ، بَلْ كَانَتْ هِمَمُهُمْ تَنَاطَحُ السَّحَابَ؛ يُحْيُونَ اللَّيَالِي، وَيَعْمُرُونَ الأَوْقَاتِ، وَيَجُودُونَ بِالأَمْوَالِ، وَتَلَهَجُ أَلْسِنَتُهُمْ بِالذِّكْرِ، آَنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ.
وتَأَمَّلُوا خِتَامَ الآيَةِ: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾: نَعَمْ؛ فالقُرْآنُ هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ، وَالإِيمَانُ هُوَ التِّجَارَةُ الَّتِي لاَ تَبُورُ، وأي فضل أكبر من أن تكون مسلماً، موحِّدا لله عز وجل، تنطق بلا إله إلا الله، وتشهد أن محمدا عبده ورسوله، وفي الليل وفي النهار تذكر الله عز وجل، فأنت المؤمن، فإن وقعت منك بعض التقصيرات، يغفرها الله إن شاء، ومن تاب؛ فيتوب الله عليه. فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَانْظُرُوا فِي أَيِّ المَرَاتِبِ أَنْتُمْ اليَوْمَ، فَالمَجَالُ مَفْتُوحٌ، وَالسِّبَاقُ قَائِمٌ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (أَهْلُ الاِصْطِفَاءِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فيَا مَنْ تَشْتَاقُ أَرْوَاحُهُمْ إِلَى الجَنَّةِ: ارْحَلُوا بِمَخَيَّلَتِكُمْ الآنَ مَعِي بَعِيدًا عَنْ الدُّنْيَا وَكَدَرِهَا، وَسَافِرُوا بِأَفْئِدَتِكُمْ إِلَى المَشْهَدِ الَّذِي يَهَزُّ الوُجْدَانَ، وَيَطِيرُ بِالأَرْوَاحِ شَوْقًا إِلَى دَارِ الرَّحْمَنِ، اسْمَعُوا إِلَى القُرْآنِ العَظِيمِ وَهُوَ يَرْسُمُ لَنَا الجَزَاءَ الإِلَهِيَّ، الَّذِي أُعِدَّ لِهَؤُلاَءِ الوَرَثَةِ المُصْطَفَيْنَ فِي ثَلَاثِ آيَاتٍ كَامِلَاتٍ، تَفِيضُ جَمَالًا وَبَهَاءً وَتَشْوِيقًا.
أَوَّلًا: الدُّخُولُ المُطْلَقُ وَالزِّينَةُ المَلَكِيَّةُ: فيَقُولُ جَلَّ جَلَالُهُ: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾، فتَأَمَّلُوا قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ: ﴿عَدْنٍ﴾؛ أَيْ جَنَّاتُ إِقَامَةٍ، وَخُلُودٍ لاَ زَوَالَ لَهَا وَلاَ انْقِطَاعَ، وَتَأَمَّلُوا كَيْفَ صُوِّرَتْ زِينَةُ أَهْلِهَا: أَجْسَادٌ أُجْهِدَتْ فِي الدُّنْيَا بِالصِّيَامِ وَالقِيَامِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، فَيُكْرِمُهَا اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ بِأَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ، مُرَصَّعَةٍ بِاللُؤْلُؤِ البَرَّاقِ، وَتُكْسَى نَاعِمَ الحَرِيرِ، الَّذِي بَهَرَ العُيُونَ، فيَا لَهُ مِنْ مَشْهَدٍ مَلَكِيٍّ، يُمَجِّدُ أَهْلَ الطَّاعَةِ، وَيُعَوِّضُهُمْ عَنْ كُلِّ حِرْمَانٍ وَتَعَبٍ كَبَدُوهُ فِي الـدُّنْيَا.
ثَانِيًا: انْقِضَاءُ الهُمُومِ، وَالحَمْدُ الأَبَدِيُّ: ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى مَشَاعِرِهِمُ البَاطِنَةِ حِينَ يَسْتَقِرُّونَ فِي تِلْكَ الجِنَانِ، فأَيَّ شَيْءٍ يَقُولُونَ؟، يَقُولُ القُرْآنُ: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾، اللهُ أَكْبَرُ ﴿أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ أَيُّ حَزَنٍ هَذَا الَّذِي انْقَضَى؟، نعم انْقَضَى حَزَنُ الخَوْفِ مِنَ الخَاتِمَةِ، وَانْقَضَى حَزَنُ الذُّنُوبِ وَالتَّقْصِيرِ، وَانْقَضَى حَزَنُ المَرَضِ، وَالفَقْرِ، وَفِرَاقِ الأَحِبَّةِ، وَنَكَبَاتِ الدُّنْيَا الَّتِي أَنَهَكَتْ الأَرْوَاحَ.
فهُنَاكَ فِي الجَنَّةِ يَنْسَى المُؤْمِنُ كُلَّ جُرْحٍ نَزَفَهُ فِي الدُّنْيَا، وَكُلَّ دَمْعَةٍ سَكَبَهَا فِي الظَّلَمَاتِ، فَيَصْرُخُ فَرَحًا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾، ثُمَّ يُثْنُونَ عَلَى رَبِّهِمْ: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ﴾؛ غَفَرَ الزّلَّاتِ وَالتَّقْصِيرَ، ﴿شَكُورٌ﴾؛ شَكَرَ القَلِيلَ مِنَ العَمَلِ، وَأَجْزَلَ عَلَيْهِ العَطَاءَ الكَبِيرَ.
ثَالِثًا: الخُلُودُ الشَّامِلُ، وَالرَّاحَةُ التَّامَّةُ: ثُمَّ يَسْتَرْسِلُونَ فِي شُكْرِ نِعَمِ رَبِّهِمْ فَيَقُولُونَ: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾، فتَأَمَّلُوا أَيُّهَا المُشْتَاقُونَ: ﴿دَارَ الْمُقَامَةِ﴾: دَارُ الإِقَامَةِ الَّتِي لاَ يُنْقَلُونَ عَنْهَا، وَلاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلً، فلاَ مَوْتَ، وَلاَ هَرَمَ، وَلاَ طَرْدَ، وَلاَ خُرُوجَ.
﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾: النَّصَبُ: هُوَ التَّعَبُ وَالمَشَقَّةُ، الَّتِي تُصِيبُ الأَبْدَانَ، فَلَا تَعَبَ فِي عِبَادَةٍ، وَلاَ عَنَاءَ فِي كَسْبِ عَيْشٍ، وَلاَ أَلَمَ فِي جَسَدٍ.
﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾: اللُّغُوبُ: هُوَ الإِعْيَاءُ وَالإِرْهَاقُ النَّفْسِيُّ وَالذِّهْنِيُّ، الَّذِي يَعْقُبُ التَّعَبَ، أَيْ أَنَّ الأَرْوَاحَ فِي رَاحَةٍ سَرْمَدِيَّةٍ، وَسَكِينَةٍ أَبَدِيَّةٍ، وَمَسَرَّةٍ لاَ يَعْتَرِيهَا كَدَرٌ.
أَلَا تَسْتَحِقُّ هَذِهِ الجَنَّةُ أَنْ نَبْذُلَ لَهَا الغَالِيَ وَالنَّفِيسَ؟، أَلَا يَسْتَحِقُّ هَذَا النَّعِيمُ الأَبَدِيُّ أَنْ نَطْرُدَ عَنْ أَنْفُسِنَا الكَسَلَ، وَنَنْفُضَ عَنْ كَاهِلِنَا غُبَارَ الغَفْلَةِ؟، ففي سنن ابن ماجه: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ يَوْمٍ لأَصْحَابِهِ «أَلاَ مُشَمِّرٌ لِلْجَنَّةِ فَإِنَّ الْجَنَّةَ لاَ خَطَرَ لَهَا هِيَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلأْلأُ وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ وَقَصْرٌ مَشِيدٌ وَنَهَرٌ مُطَّرِدٌ وَفَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ نَضِيجَةٌ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ فِي مَقَامٍ أَبَدًا فِي حَبْرَةٍ وَنَضْرَةٍ فِي دَارٍ عَالِيَةٍ سَلِيمَةٍ بَهِيَّةٍ». قَالُوا نَحْنُ الْمُشَمِّرُونَ لَهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «قُولُوا إِنْ شَاءَ اللَّهُ».
وإِنَّ الطَّرِيقَ إِلَى هَذِهِ الجِنَانِ بَيِّنٌ فِي الآيَةِ الأولى: فإِنْ كُنْتَ ظَالِمًا لِنَفْسِكَ: فَتُبْ إِلَى اللهِ الآنَ، وَتَدَارَكْ عُمْرَكَ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَّانِ، وَإِنْ كُنْتَ مُقْتَصِدًا: فَلاَ تَرْضَى بِالدُّونِ، وَارْتَقِ بِهِمَّتِكَ، وَسَارِعْ لِتَكُونَ مِنَ السَّابِقِينَ بِالخَيْرَاتِ؛ بِصَلاَةٍ فِي خُشُوعٍ، وَصَدَقَةٍ فِي خَفَاءٍ، وَبِرٍّ بِالوَالِدَيْنِ، وَتِلاَوَةٍ لِلْقُرْآنِ بِتَدَبُّرٍ وَعَمَلٍ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ
تِلْكَ هِيَ الأَحْكَامُ وَالعِبَرُ الَّتِي تَحْمِلُهَا الآيَاتُ: وُجُوبُ شُكْرِ نِعْمَةِ القُرْآنِ: بِتِلاَوَتِهِ، وَتَدَبُّرِهِ، وَالعَمَلِ بِأَحْكَامِهِ. وعَدَمُ الإِجْحَافِ أَوْ التَّأْلِي عَلَى اللهِ: فَالعَاصِي المُوَحِّدُ يُرْجَى لَهُ العَفْوُ، وَلاَ يُقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ. وعَدَمُ الاِتِّكَالِ وَالرِّضَا بِالدُّونِ: بَلِ التَّطَلُّعُ الدَّائِمُ لِأَنْ نَكُونَ مِنْ ﴿سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾.
فَيَا مَنْ حَمَلْتُمْ كِتَابَ اللهِ فِي صُدُورِكُمْ، أَوْ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ: انْفُضُوا عَنْ كَاهِلِكُمْ غُبَارَ التَّقْصِيرِ، وَتَقَرَّبُوا إِلَى مَوْلاَكُمْ، وَارْتَقُوا مِنْ مَرْتَبَةِ الظُّلْمِ لِلنَّفْسِ إِلَى الاِقْتِصَادِ، وَمِنَ الاِقْتِصَادِ إِلَى السِّبَاقِ فِي الخَيْرَاتِ، واشْكُرُوا اللهَ الَّذِي اصْطَفَاكُمْ، وَعَظِّمُوا القُرْآنَ الَّذِي أَوْرَثَكُمْ، لِتَكُونُوا غَدًا مِمَّنْ يَقُولُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾، واجْعَلُوا هَذِهِ الآيَاتِ الجَلِيلَةَ نَصْبَ أَعْيُنِكُمْ، وَامْشُوا فِي هَذِهِ الحَيَاةِ بِأَمَلٍ عَرِيضٍ فِي رَحْمَةِ اللهِ، لِتَكُونُوا غَدًا مِمَّنْ يُنَادَوْنَ عَلَى رُؤُوسِ الأَشْهَادِ: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ ق:34.
الدعاء
