خطبة عن (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ قُرَيْشٍ)
أغسطس 9, 2026الخطبة الأولى (إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
روى الامام البخاري في صحيحه: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – أَيُّ الإِسْلاَمِ خَيْرٌ قَالَ «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ».
إخوة الإسلام
نَقِفَ اليوم أَمَامَ حَدِيثٍ جَامِعٍ مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِ النُّبُوَّةِ، يَضَعُ الدَّسْتُورَ الأَخْلَاقِيَّ وَالِاجْتِمَاعِيَّ، لِبِنَاءِ الـمُجْتَمَعِ الـمُتَمَاسِكِ الـمُتَحَابِّ.
فتَأَمَّلُوا كَيْفَ لَخَّصَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) “خَيْرِيَّةَ الإِسْلَامِ” فِي خَصْلَتَيْنِ ظَاهِرَتَيْنِ، تُمَسَّانِ جَوْهَرَ العَلَاقَاتِ البَشَرِيَّةِ، فحينما سَأَلَهُ السَّائِلُ عَنْ “أَيِّ خِصَالِ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ وَأَكْثَرُ نَفْعًا لِلْعِبَادِ؟”، فَلَمْ يُجِبْهُ بِأَعْمَالٍ مُتَعَدِّيَةٍ صَعْبَةٍ، بَلْ أَرْشَدَهُ إِلَى عَمَلَيْنِ يَسِيرَيْنِ فِي الظَّاهِرِ، عَظِيمَيْنِ فِي المِيزَانِ والأَثَرِ: (إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ).
فتَعَالَوْا بِنَا نَتَفَكَّرُ فِي المَعَانِي السَّامِيَةِ الَّتِي أَرَسَاهَا هَذَا التَّوْجِيهُ النَّبَوِيُّ الكَرِيمُ:
أَوَّلًا: إِطْعَامُ الطَّعَامِ (عِمَادُ التَّكَاُفُلِ وَالتَّرَاحُمِ): فقد جَعَلَ الإِسْلَامُ إِطْعَامَ الطَّعَامِ مِنْ أَعْظَمِ القُرُبَاتِ إِلَى اللهِ جَلَّ وَعَلَا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ سَدِّ جُوعِ المُحْتَاجِينَ، وَإِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى المَسَاكِينِ، وَتَأْلِيفِ القُلُوبِ بَيْنَ النَّاسِ.
وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ يَشْمَلُ الصَدَقَةَ عَلَى الفُقَرَاءِ، وَالإِكْرَامَ لِلضُّيُوفِ، وَالأُضْحِيَّةَ، وَالوَلَائِمَ المَشْرُوعَةَ، وَحَتَّى التَّوْسِعَةَ عَلَى الأَهْلِ وَالعِيَالِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي وَصْفِ أَهْلِ الجَنَّةِ: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان:8].
وفي سنن الترمذي: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «أَفْشُوا السَّلاَمَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَاضْرِبُوا الْهَامَ (أي اضربوا رءوس الكفار) تُورَثُوا الْجِنَانَ»،
وفي مسند أحمد: (عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الْجَنَّةَ». قَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا الْحَجُّ الْمَبْرُورُ قَالَ «إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَإِفْشَاءُ السَّلاَمِ».
وفيه أيضا: في حديث الرؤيا: (قَالَ وَمَا الدَّرَجَاتُ؟ قُلْتُ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَلِينُ الْكَلاَمِ، وَالصَّلاَةُ وَالنَّاسُ نِيَامٌ).
ثَانِيًا: إِفْشَاءُ السَّلَامِ (سِيَاجُ الأَمْنِ وَالمَحَبَّةِ): فقَوْلُهُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «وَتَقْرَأُ السَّلاَمَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ»، هُوَ إِعْلَانٌ لِلأَمَانِ وَالسَّلَامَةِ، وَتَجَرُّدٌ مِنَ الكِبْرِ وَالأَثَرَةِ. فَالسَّلَامُ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَحِيَّةٍ تَقْلِيدِيَّةٍ، بَلْ هُوَ دُعَاءٌ بِالسَّلَامَةِ، وَالرَّحْمَةِ، وَالبَرَكَةِ.
وَشَرْطُ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَنْ يَكُونَ السَّلَامُ لِلْجَمِيعِ “مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ” فيَقْضِي عَلَى التَّصَنُّعِ وَالمَصَالِحِ الشَّخْصِيَّةِ، وَيَجْعَلُ المَرْءَ يَنْشُرُ الخَيْرَ لِكُلِّ مَنْ يَلْقَاهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ.
وفي صحيح البخاري: (عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ – رضي الله عنهما – قَالَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – بِسَبْعٍ بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَنَصْرِ الضَّعِيفِ، وَعَوْنِ الْمَظْلُومِ، وَإِفْشَاءِ السَّلاَمِ، وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ)،
وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « لاَ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلاَ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا. أَوَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ».
وفي سنن أبي داود: (عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ. فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- « عَشْرٌ». ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ فَقَالَ «عِشْرُونَ». ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ فَقَالَ «ثَلاَثُونَ».
وفي رواية له: (ثُمَّ أَتَى آخَرُ فَقَالَ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ فَقَالَ «أَرْبَعُونَ ». قَالَ «هَكَذَا تَكُونُ الْفَضَائِلُ».
ثَالِثًا: اقْتِرَانُ المَالِ بِالكَلَامِ الطَّيِّبِ: فتَأَمَّلُوا المِعْمَارَ الأَخْلَاقِيَّ فِي الحَدِيثِ، فقد جَمَعَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بَيْنَ النَّفْعِ المَالِيِّ المَادِّيِّ (إِطْعَامُ الطَّعَامِ)، وَبَيْنَ النَّفْعِ المَعْنَوِيِّ اللَّفْظِيِّ (إِفْشَاءُ السَّلَامِ).
فَالمُسْلِمُ الخَالِصُ يُحْسِنُ إِلَى النَّاسِ: بِبَذْلِ مَالِهِ وَطَعَامِهِ، وَيُحْسِنُ إِلَيْهِمْ بِطِيبِ لِسَانِهِ، وَبَشَاشَةِ وَجْهِهِ؛ لِيَكْتَمِلَ الإِحْسَانُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ هَذَا التَّوْجِيهَ النَّبَوِيَّ الشَّرِيفَ، يُمَثِّلُ بَلْسَمًا شَافِيًا لِكَثِيرٍ مِنَ الآفَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، الَّتِي نُعَانِي مِنْهَا فِي عَصْرِنَا المُعَاصِرِ؛ حَيْثُ طَغَتِ المَادِيَّاتُ، وَطَغَتِ الفَرْدِيَّةُ، وَقَلَّ التَّزَاوُرُ، وَأَصْبَحَ السَّلَامُ مَقْصُورًا عَلَى المَعَارِفِ أَوْ أصحاب المَصَالِحِ.
فَكَيْفَ نُحْيِي هَذِهِ الخِصَالَ النَّبَوِيَّةَ فِي حَيَاتِنَا اليَوْمِيَّةِ؟، والجواب:
أولا: المُمَارَسَةُ العَمَلِيَّةُ لِإِطْعَامِ الطَّعَامِ: فلاَ تَنْتَظِرْ حَتَّى تَكُونَ ثَرِيًّا لِتُطْعِمَ الطَّعَامَ، بل تَفَقَّدْ جِيرَانَكَ المُحْتَاجِينَ، وَشَارِكْ فِي صَنَادِيقِ الإِطْعَامِ، وَالمَوَائِدِ الخَيْرِيَّةِ، وَعَوِّدْ أَهْلَ بَيْتِكَ عَلَى إِهْدَاءِ الطَّعَامِ لِلْجِيرَانِ؛ فَفي صحيح مسلم: (قَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِأَبِي ذَرٍّ: «إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ».
ثانيا: إِحْيَاءُ سُنَّةِ إِفْشَاءِ السَّلَامِ: فالْتَزِمُوا بِإِلْقَاءِ السَّلَامِ، بِصَوْتٍ وَاضِحٍ، وَبَشَاشَةِ وَجْهٍ، فِي أَمَاكِنِ عَمَلِكُمْ، وَفِي الطُّرُقَاتِ، وَفِي المَسَاجِدِ، عَلَى مَنْ عَرَفْتُمْ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفُوا.
وَحَذَارِ مِنْ “تَحِيَّةِ الخَاصَّةِ” الَّتِي حَذَّرَ مِنْهَا النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) حِينَ عَدَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: «أَنْ يُسَلِّمَ الرَّجُلُ عَلَى الرَّجُلِ لاَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلاَّ لِلْمَعْرِفَةِ».
ثالثا: إِزَالَةُ الشَّحْنَاءِ وَتَأْلِيفُ القُلُوبِ: فقد جَعَلَ اللهُ السَّلَامَ وَالإِطْعَامَ، سَبَبًا مُبَاشِرًا لِدُخُولِ الجَنَّةِ، وَمَحَبَّةِ اللهِ؛ كَمَا قَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» رواه مسلم.
فَاجْعَلُوا السَّلَامَ جِسْرًا لِرَدمِ الخِلَافَاتِ، وَبِدَايَةً لِلصُّلْحِ، مَعَ مَنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ شَحْنَاءُ.
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَأَفْشُوا السَّلَامَ، وَصِلُوا الأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ بِسَلَامٍ.
[الدُّعَاءُ]
