خطبة عن (الحَيَاءُ شُعْبَةُ الإِيمَانِ)
سبتمبر 23, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (أُعْبُد اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الشعراء:218-220]. وَفي الحديث: (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ الطَّوِيلِ ،أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ؟، قَالَ: “أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) [رواه مسلم].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ مَقَامَ الإِحْسَانِ هُوَ أَعْلَى مَرَاتِبِ الدِّينِ، وَهُوَ لُبُّ العِبَادَةِ، وَرُوحُ التَّوْحِيدِ،
والإِحْسَان: “أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ“؛ أَيْ أَنْ تَقُومَ بَيْنَ يَدَيْ خَالِقِكَ بِمَشَاعِرِ المُشَاهَدَةِ وَالقُرْبِ ، فَيَمْتَلِئُ قَلْبُكَ هَيْبَةً، وَتَنْضَبِطُ جَوَارِحُكَ تَعْظِيماً، فمَنْ عَبَدَ اللهَ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، ولَمْ يَلْتَفِتْ قَلْبُهُ إِلَى سِوَاهُ، وَلَمْ يُبَالِ بِمَدْحِ الخَلْقِ أَوْ ذَمِّهِمْ،
(أُعبُد اللهَ كَأَنَّك تَرَاهُ): فهَذَا المَقَامُ يَجْعَلُ الصَّلَاةَ قُرَّةَ عَيْنٍ، وَالصِّيَامَ جُنَّةً، وَالذِّكْرَ طُمَأْنِينَةً، فإِنَّ اسْتِحْضَارَ رُؤْيَةِ اللهِ لَكَ فِي كُلِّ حَالٍ، هُوَ العَاصِمُ مِنَ الزَّلَلِ، وَالدَّافِعُ إِلَى الإِتْقَانِ، فالإِحْسَانُ لَيْسَ نَافِلَةً، بَلْ هُوَ جَوْهَرُ العَمَلِ، الذِي يُبَاهِي اللهُ بِهِ مَلَائِكَتَهُ.
وتَأَمَّلُوا فِي الشَّطْرِ الثَّانِي مِنَ الحَدِيثِ: “فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ“، فهَذَا مَقَامُ “المُرَاقَبَةِ“؛ وَهُوَ أَنْ تَعْلَمَ يَقِيناً، أَنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عَلَى سِرِّكَ وَعَلَانِيَتِكَ، يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ،فحِينَ يَغِيبُ عَنْكَ الرَّقِيبُ البَشَرِيُّ، وَتَخْلُو بِنَفْسِكَ مَعَ المُغْرِيَاتِ، تَذَكَّرْ أَنَّ عَيْنَ اللهِ لَا تَنَامُ،
(أُعبُد اللهَ كَأَنَّك تَرَاهُ): فالإِحْسَانُ فِي العِبَادَةِ يَعْنِي: أَنْ تُؤَدِّيَهَا كَأَنَّكَ تُوَدِّعُ الدُّنْيَا، مُقْبِلاً عَلَى الله، فمَنْ اسْتَشْعَرَ أَنَّ اللهَ يَرَاهُ، اسْتَحَى أَنْ يَرَاهُ حَيْثُ نَهَاهُ، أَوْ يَفْتَقِدَهُ حَيْثُ أَمَرَهُ، وهَذَا الحَيَاءُ هُوَ ثَمَرَةُ الإِيمَانِ الحَقِّ، وَهُوَ الحِصْنُ الحَصِينُ مِنْ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ وَكَبَائِرِ الآثَامِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
(أُعبُد اللهَ كَأَنَّك تَرَاهُ): فإِنَّ أَثَرَ الإِحْسَانِ يَتَجَاوَزُ المِحْرَابَ، لِيَشْمَلَ كُلَّ مَيَادِينِ الحَيَاةِ، “فاعْبُدِ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فِي بَيْعِكَ وَشِرَائِكَ، وفِي وَظِيفَتِكَ وَمِهْنَتِكَ، والمُحْسِنُ لَا يَغِشُّ، لِأَنَّ اللهَ يَرَاهُ، وَلَا يَخُونُ الأَمَانَةَ، لِأَنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ، والإِحْسَانُ هُوَ الذِي يَبْنِي المُجْتَمَعَاتِ عَلَى الصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ؛ فَلَا نَحْتَاجُ إِلَى كَامِيرَاتٍ، أَوْ حُرَّاسٍ، إِذَا كَانَتْ “رَقَابَةُ اللهِ” حَاضِرَةً فِي القُلُوبِ. وحِينَ نُعَامِلُ الخَلْقَ بِالإِحْسَانِ، فَنَحْنُ نَفْعَلُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ رِضَا المَلِكِ، الذِي يَرَى إِحْسَانَنَا، فمَنْ كَانَ اللهُ هَمَّهُ، كَفَاهُ اللهُ مَا أَهَمَّهُ، وَأَوْصَلَهُ إِلَى مَنَازِلِ المُقَرَّبِينَ.
“اعْبُدِ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ“: فلَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ وَالسَّلَفُ الصالح يَعِيشُونَ هَذَا المَقَامَ وَاقِعاً مَلْمُوساً ،فَهَذَا ابْنُ عُمَرَ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) يَخْتَبِرُ رَاعِيَ الغَنَمِ، فَيَقُولُ لَهُ: بِعْنِي شَاةً، فَيَقُولُ الرَّاعِي: إِنَّهَا لَيْسَتْ لِي، فَيَقُولُ ابْنُ عُمَرَ: قُلْ لِصَاحِبِهَا أَكَلَهَا الذِّئْبُ، فَيَرُدُّ الرَّاعِي بِصَرْخَةٍ تَهْتَزُّ لَهَا الجِبَالُ: “فَأَيْنَ اللهُ؟”، فهَذِهِ الكَلِمَةُ هِيَ مَنْطِقُ الإِحْسَانِ، لَقَدْ تَرَبَّتْ تِلْكَ النُّفُوسُ عَلَى أَنَّ اللهَ مَعَهُمْ حَيْثُمَا كَانُوا.
فَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ هَذَا المَقَامِ؟، وهَلْ نَسْتَشْعِرُ عَظَمَةَ اللهِ حِينَ نَقْرَأُ القُرْآنَ؟، وَهَلْ نُحِسُّ بِنَظَرِهِ إِلَيْنَا حِينَ نَتَعَامَلُ مَعَ الأَمْوَالِ وَالأَعْرَاضِ؟، إِنَّ الطَّرِيقَ إِلَى الجَنَّةِ يَبْدَأُ بِإِحْسَانِ العِبَادَةِ لِرَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ويقول اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل:128]. وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: “إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ” [رواه مسلم].
“اعْبُدِ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ“: فإِنَّ مَقَامَ الإِحْسَانِ يُورِثُ فِي القَلْبِ طُمَأْنِينَةً لَا تَعْدِلُهَا لَذَّةٌ؛ لِأَنَّ المُحْسِنَ يَعِيشُ فِي مَعِيَّةِ اللهِ الخَاصَّةِ، فاللهُ مَعَكَ بِتَأْيِيدِهِ، وَنَصْرِهِ، وَتَوْفِيقِهِ مَا دُمْتَ مُرَاقِباً لَهُ.
“اعْبُدِ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ“: فالإِحْسَانُ يُجَمِّلُ الظَّاهِرَ وَالبَاطِنَ؛ فَيَصِيرُ وَجْهُكَ مُشْرِقاً بِالطَّاعَةِ، وَقَلْبُكَ سَلِيماً مِنَ الغِلِّ، فلَا تَجْعَلُوا نَصِيبَكُمْ مِنَ الدِّينِ مُجَرَّدَ رُسُومٍ وَأَشْكَالٍ، بَلْ ابْحَثُوا عَنْ رُوحِ العِبَادَةِ فِي مَقَامِ الإِحْسَانِ، فمَنْ صَدَقَ مَعَ اللهِ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، رَفَعَهُ اللهُ، وَجَعَلَ لَهُ لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ، فتَعَاهَدُوا نِيَّاتِكُمْ، وَرَاقِبُوا خَطَرَاتِكُمْ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ويقول اللَّهُ تَعَالَى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة:235]. وَفي الحديث: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ” [رواه الترمذي وحسنه].
فمُرَاقَبَة الله تعالى: هِيَ دَوَامُ عِلْمِ العَبْدِ وَتَيَقُّنِهِ، بِاطِّلَاعِ الحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، عَلَى ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ، وهِيَ حَالٌ إِيمَانِيَّةٌ، تَجْعَلُ القَلْبَ حَيًّا، ومَوْصُولًا بِمَلِكِ المُلُوكِ، فلَا يَغْفَلُ عَنْ نَظَرِهِ لَحْظَةً،
والمُراقَبَةُ لَيْسَتْ خَوْفاً مُجَرَّداً، بَلْ هِيَ تَعْظِيمٌ لِلْخَالِقِ، أَنْ يُرَى العَبْدُ حَيْثُ نَهَاهُ، فمَنِ اسْتَشْعَرَ أَنَّ اللهَ مَعَهُ فِي خَلْوَتِهِ، صَارَ سِرُّهُ خَيْراً مِنْ عَلَانِيَتِهِ.
ومن الملاحظ أنَّ العَالَمَ اليَوْمَ يَبْحَثُ عَنْ أَنْظِمَةِ الرَّقَابَةِ وَالكِامِيرَاتِ، لِضَبْطِ السُّلوكِ، وَلَكِنَّ الإِسْلَامَ جَاءَ بِـ “الرَّقِابة الذَّاتِيّة” التي تنْبُعُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} النساء: (1)،
فَمَنْ مَلَكَ قَلْبَهُ بِالمُرَاقَبَةِ، اسْتَقَامَتْ جَوَارِحُهُ بِلَا سَائِقٍ، وَانْقَادَتْ نَفْسُهُ لِلْحَقِّ بِلَا زَاجِرٍ.
“اعْبُدِ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ”: فتَأَمَّلُوا فِي ثَمَرَاتِ المُرَاقَبَةِ: فَهِيَ الحِصْنُ مِنَ الشَّهَوَاتِ الخَفِيَّةِ، وَالدَّافِعُ لِلإِخْلَاصِ فِي الطَّاعَاتِ المَنْسِيَّةِ، والمُراقِبُ لِرَبِّهِ لَا يَكْذِبُ، وَلَوْ كَانَ مَازِحاً، وَلَا يَخُونُ وَلَوْ كَانَ آمِناً؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ يَرَى تَقَلُّبَ عَيْنِهِ، وَيَسْمَعُ هَمْسَ نَفْسِهِ.
“اعْبُدِ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ“: ومَنْ رَاقَبَ اللهَ فِي خَطَرَاتِهِ، حَفِظَهُ اللهُ فِي تَصَرُّفَاتِهِ، والمُرَاقَبَة تُورِثُ الحَيَاءَ، وَالحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ، فكَيْفَ تَمُدُّ يَدَكَ إِلَى مَالٍ حَرَامٍ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الرَّزَّاقَ يَنْظُرُ إِلَيْكَ؟، وَكَيْفَ تَنْظُرُ إِلَى مَا حَرَّمَ اللهُ، وَأَنْتَ تُوقِنُ أَنَّهُ يَسْمَعُ دَقَّاتِ قَلْبِكَ؟،
فالمُرَاقَبَةُ هِيَ مِيزَانُ الصِّدْقِ؛ فَمَنْ عَبَدَ اللهَ فِي الخَلَاءِ، كَمَا يَعْبُدُهُ فِي المَلَأِ، فَقَدْ نَالَ شَرَفَ الوَلَايَةِ، وَذَاقَ بَرْدَ اليَقِينِ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة (أُعْبُد اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} [العلق:14]. وَفي الحديث: (عَنْ ثَوْبَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَنَّهُ قَالَ: “لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا”، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: “إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ… وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا” [رواه ابن ماجه وصححه الألباني].
فهَذَا الحَدِيث يَهزُّ الوِجْدَانَ؛ فَالعِبْرَةُ لَيْسَتْ بِكَثْرَةِ العَمَلِ فِي الظَّاهِرِ، بَلْ بِتَعْظِيمِ اللهِ فِي البَاطِنِ، فالمُرَاقَبَةُ هِيَ مِحَكُّ الإِخْلَاصِ، فمَنْ حَفِظَ حُدُودَ اللهِ فِي سِرِّهِ، حَفِظَهُ اللهُ فِي عَلَانِيَتِهِ، وَثَبَّتَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ولَقَدْ ضَرَبَ السَّلَفُ الصَّالِحُ أَرْوَعَ الأَمْثِلَةِ فِي المُرَاقَبَةِ؛ فَهَذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَسْمَعُ بَائِعَةَ اللَّبَنِ تَقُولُ لِابْنَتِهَا: امْذِقِي اللَّبَنَ بِالمَاءِ (أَيْ اخْلِطِيهِ)، فَتَقُولُ البِنْتُ: إِنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ نَهَى عَنْ ذَلِكَ، فَتَقُولُ الأُمُّ: وَأَيْنَ عُمَرُ؟ إِنَّهُ لَا يَرَانَا الآنَ، فَتَرُدُّ الفَتَاةُ بِمَنْطِقِ الإِيمَانِ :”إِنْ كَانَ عُمَرُ لَا يَرَانَا، فَإِنَّ رَبَّ عُمَرَ يَرَانَا“،
فهَذِهِ هِيَ المُرَاقَبَةُ الَّتِي تَبْنِي الأُمَمَ؛ أَنْ تَكُونَ أَمِيناً لِأَنَّ اللهَ يَرَاكَ، لَا لِأَنَّ النَّاسَ يُرَاقِبُونَكَ،
وإِنَّ غِيَابَ المُرَاقَبَةِ: هُوَ سَبَبُ الرِّشْوَةِ، وَالغِشِّ، وَضَيَاعِ الأَمَانَاتِ،
فَمَا أَحْوَجَنَا أَنْ نُحْيِيَ هَذَا المَقَامَ فِي بُيُوتِنَا، وَمَكَاتِبِنَا، وَأَسْوَاقِنَا.
وإِنَّ طَرِيقَ الوُصُولِ إِلَى دَوَامِ المُرَاقَبَةِ: يَبْدَأُ بِتَعْظِيمِ اللهِ فِي القَلْبِ، وَالتَّفَكُّرِ فِي أَسْمَائِهِ: “السَّمِيعِ، البَصِيرِ، الرَّقِيبِ”، فكُلَّمَا ازْدَادَ عِلْمُكَ بِأَنَّ اللهَ مَعَكَ، ازْدَادَ حَيَاؤُكَ مِنْهُ،
فرَاقِبْ نَفْسَكَ عِنْدَ الغَضَبِ؛ وَرَاقِبْهَا عِنْدَ النِّعْمَةِ؛ فالمُرَاقَبَةُ هِيَ مِفْتَاحُ الهِدَايَةِ، قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [الأعراف:201].
فاِجْعَلُوا نَصْبَ أَعْيُنِكُمْ أَنَّ اللهَ شَاهِدٌ لَا يَغِيبُ، وَقَرِيبٌ لَا يَبْعُدُ، لَعَلَّكُمْ تَنْجُونَ فِي يَوْمٍ تُبْلَى فِيهِ السَّرَائِرُ.
ورَاقِبُوا اللهَ فِي خَلَوَاتِكُمْ، وتذكَّرُوا أَنَّ المَلَكَ يَكْتُبُ، وَأَنَّ اللهَ يَشْهَدُ، وَأَنَّ الأَرْضَ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ،فمَنْ عَاشَ بِالمُرَاقَبَةِ طَابَ عَيْشُهُ، وَمَنْ مَاتَ عَلَيْهَا، فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجِنَانِ.
وتَعَاهَدُوا قُلُوبَكُمْ بِذِكْرِ “الله نَاظِرِي، الله شَاهِدِي، الله مَعِي“، ونَسْأَلُ اللهَ العَظِيمَ أَنْ يَرْزُقَنَا خَشْيَتَهُ فِي السِّرِّ وَالعَلَانِيَةِ، وأن يجْعَل سَرِيرَتَنَا خَيْراً مِنْ عَلَانِيَتِنَا، وأن يرْزُقْنَا مُرَاقَبَتَه فِي كُلِّ حَالٍ.
( الدعاء )
