خطبة عن «النَّصِيحَةُ النَّبَوِيَّةُ لِلنِّسَاءِ وَتَكْرِيمُ المَرْأَةِ فِي الإِسْلاَمِ»
سبتمبر 9, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى «قِصَّةُ أَصْحَابِ الجَنَّةِ وَعِبَرُ شُكْرِ النِّعَمِ وَمَصِيرُ المَانِعِينَ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (17): (33) القلم.
إخوة الإسلام
اعْلَمُوا أَنَّ القَصَصَ المَذْكُورَةَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَمْ تُتْلَ عَلَيْنَا لِتَكُونَ مُجَرَّدَ حَكَايَات، أَوْ حَوَادِثَ تَارِيخِيَّةٍ تُسْرَدُ لِلتَّسْلِيَةِ، بَلْ إِنَّ المقصودَ مِنْ القَصَصِ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ هُوَ: الاِعْتِبَارُ وَالاِدِّكَارُ، وَاسْتِخْرَاجُ السُنَنِ الإِلَهِيَّةِ الثَّابِتَةِ فِي الخَلْقِ، وَتَرْبِيَةُ نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِالصَّالِحِينَ، وَالْحَذَرِ مِنْ مَسَالِكِ الظَّالِمِينَ وَالمُسْتَكْبِرِينَ.
فَالْقُرْآنُ يَسْتَعْرِضُ المَصَارِعَ وَالعِبَرَ، لِيَكُونَ الحَاضِرُ مُعْتَبِراً بِالْمَاضِي، وَلِيَعْلَمَ العِبَادُ أَنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ تَعَالَى لاَ تَتَبَدَّلُ، وأنَّ مَنْ سَلَكَ طَرِيقَ الشُّكْرِ، بَلَغَ مَقَامَ الزِّيَادَةِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقَ الكُفْرَانِ، وَمَنْعِ حُقُوقِ الفُقَرَاءِ، أَحَاطَتْ بِهِ النَّقَمَاتُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ.
فتَأَمَّلُوا هَذِهِ الآيَاتِ القُرْآنِيَّةَ العَظِيمَةَ، الَّتِي تَقُصُّ عَلَيْنَا خَبَرَ أُولَئِكَ الإِخْوَةِ، الَّذِينَ وَرِثُوا عَنْ أَبِيهِمْ الصَّالِحِ بُسْتَاناً عَظِيماً، فَصَارُوا لِلنِّعْمَةِ جَاحِدِينَ، وَلِلْفُقَرَاءِ مَانِعِينَ:
فَفِي هَذِهِ الآيَاتِ يُخْبِرُنَا اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّهُ ابْتَلَى أَهْلَ مَكَّةَ بِالنِّعَمِ وَالرَّخَاءِ، كَمَا ابْتَلَى أَصْحَابَ البُسْتَانِ، الَّذِينَ أَقْسَمُوا وَتَوَاثَقُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، عَلَى أَنْ يَقْطَعُوا ثِمَارَ جَنَّتِهِمْ فِي الصَّبَاحِ الْبَاكِرِ، حَتَّى لاَ يَرَاهُمْ فَقِيرٌ، وَلاَ يَسْتَجْدِيَهُمْ مِسْكِينٌ، وَلَمْ يَسْتَثْنُوا مَشِيئَةَ اللَّهِ فِي أَقْسَامِهِمْ، وَلَمْ يَقُولُوا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ؛ فَبَيْنَمَا هُمْ غَارِقُونَ فِي نَوْمِهِمْ، وَيُمَنُّونَ أَنْفُسَهُمْ بِالاِسْتِئْثَارِ بِالْمَالِ وَالمَكْسَبِ، بَعَثَ اللَّهُ عَلَى جَنَّتِهِمْ صَاعِقَةً، أَوْ نَاراً مُحْرِقَةً، كَاللَّيْلِ الأَسْوَدِ، فَاحْتَرَقَتْ عَنْ آخِرِهَا، وَصَارَتْ جنتهم كَالصَّرِيمِ، أَيْ كَالأَرْضِ المَحْصُودَةِ ، والسوداء المُظلمَةِ، الَّتِي لاَ ثَمَرَ فِيهَا وَلاَ خَضَارَ، ثُمَّ قَامُوا مَعَ الفَجْرِ يَنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضاً لِلذَّهَابِ سِرّاً، وَهُمْ يَتَسَارَرُونَ بِالأَمْرِ، حَتَّى لاَ يَدْخُلَنَّ عَلَيْهِمُ اليَوْمَ مِسْكِينٌ، وَخَرَجُوا وَهُمْ عَلَى مَنْعِ الفُقَرَاءِ حَارِدِينَ، وَقَادِرِينَ فِي ظَنِّهِمْ، فَلَمَّا صَلُوا إِلَى جَنَّتِهِمْ، وَرَأَوْهَا قَاعاً صَفْصَفاً، أَنْكَرُوهَا وَقَالُوا: إِنَّا قَدْ ضَلَلْنَا الطَّرِيقَ، ثُمَّ أَدْرَكُوا الحَقِيقَةَ المُرَّةَ فَقَالُوا: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ مِنْ ثَمَرِهَا، بِسَبَبِ شُؤْمِ نِيَّتِنَا.
وَهُنَا ذَكَّرَهُمْ أَخُوهُمْ الأَوْسَطُ -وَهُوَ أَعْقَلُهُمْ وَأَعْدَلُهُمْ- بِرَفْضِهِ لِصَنِيعِهِمْ، وَعَدَمِ حَمْدِهِمْ لِلَّهِ، وَمَنْعِهِمْ لِلْفُقَرَاءِ، فَلَجَأُوا إِلَى التَّسْبِيحِ وَالاِعْتِرَافِ بِالظُّلْمِ، وَالتَّلاَوُمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ ولكن بَعْدَ فَوَاتِ الأَوَانِ، وَنَادَوْا بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، وَتَمَنَّوْا أَنْ يُبْدِلَهُمُ اللَّهُ خَيْراً مِنْهَا، بَعْدَ أَنْ تَابُوا، ثُمَّ حَكَمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالسُّنَّةِ القَاطِعَةِ: ﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، لِيُبَيِّنَ أَنَّ مَكْرَ اللَّهِ تَعَالَى أَسْرَعُ مِنْ مَكْرِ المَانِعِينَ، وَأَنَّ النَّدَمَ يَوْمَ يُصِيبُ العَذَابُ لاَ يَرُدُّ الفَائِتَ، وَأَنَّ حِرْمَانَ المَسَاكِينِ أَعْظَمُ سَبَبٍ لِزَوَالِ النِّعْمَةِ فِي الدُّنْيَا، وَتَعْجِيلِ العُقُوبَةِ فِي الآخِرَةِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي جَامِعِ البَيَانِ: «قَوْلُهُ: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الجَنَّةِ) يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّا اخْتَبَرْنَا أَهْلَ مَكَّةَ بِالْقَحْطِ وَالْجُوعِ وَالإِنْعَامِ كَمَا اخْتَبَرْنَا أَصْحَابَ البُسْتَانِ، (إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ) أَيْ لَيَجُذُّنَّ ثَمَرَهَا إِذَا أَصْبَحُوا كَيْلاَ يَعْلَمَ بِهِمْ المَسَاكِينُ فَلاَ يُعْطُوهُمْ مِنْهَا شَيْئاً، فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَحْرَقَهَا، وَفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ المَعْصِيَةَ تَمْنَعُ الرِّزْقَ وَتُمْحِقُ البَرَكَةَ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي تَفْسِيرِ القُرْآنِ العَظِيمِ: «هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ فِيمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ الرَّحْمَةِ العَظَمَى وَإِرْسَالِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِمْ، فَقَابَلُوهُ بِالتَّكْذِيبِ وَالرَّدِّ، فَأَهْلَكَهُمْ اللَّهُ وَاحْتَجَبَ عَنْهُمْ، وَفِي القِصَّةِ زَجْرٌ لِمَانِعِي الزَّكَاةِ وَعَدَمِ الرَّأْفَةِ بِالْمَسَاكِينِ، إِذْ أَقْسَمَ أُولَئِكِ القَوْمُ عَلَى مَنْعِ الحَقِّ، فَجَازَاهُمْ اللَّهُ بِتَعْجِيلِ العُقُوبَةِ وَسَلْبِ النِّعْمَةِ، فَإِنَّ الشُّكْرَ قَيْدُ النِّعَمِ وَالبُخْلَ سَبَبُ هَلاَكِهَا».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ هَذِهِ الآيَاتِ القُرْآنِيَّةَ المَبَارَكَةَ تَرْشُدُ الأُمَّةَ إِلَى حَقَائِقَ إِيمَانِيَّةٍ وَتَرْبَوِيَّةٍ ثَابِتَةٍ:
أَوَّلاً: أَنَّ قَصَصَ القُرْآنِ الكَرِيمِ مَنَارَةٌ لِلِاعْتِبَارِ، وَتَرْبِيَةِ القُلُوبِ عَلَى مَخَافَةِ اللَّهِ وَمُرَاقَبَتِهِ.
ثَانِياً: أَنَّ بَذْلَ حُقُوقِ الفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ سَبَبٌ لِبَقَاءِ النِّعْمَةِ، وَأَنَّ البُخْلَ وَكُفْرَانَ النِّعَمِ مُوجِبٌ لِزَوَالِهَا.
ثَالِثاً: أَنَّ كَيْدَ اللَّهِ وَمَكْرَهُ أَسْرَعُ مِنْ كَيْدِ المَانِعِينَ، وَأَنَّ النَّدَمَ يَوْمَ نُزُولِ العَذَابِ لاَ يَنْفَعُ صَاحِبَهُ.
وفي الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِيَّاكُمْ
وَالذُّنُوبَ الَّتِي تُحَقَّرُ، فَإِنَّ الذَّنْبَ يَصْغُرُ عِنْدَ العَبْدِ حَتَّى يُوبِقَهُ، وَإِنَّ المَعْصِيَةَ لَتُمْحِقُ المَالَ وَتَذْهَبُ بِالْبَرَكَةِ» (رواه أحمد).
وفي الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ المُهَاجِرِينَ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ… وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلاَّ مُنِعُوا القَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلاَ البَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا» (رواه ابن ماجه والحاكم).
وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِفَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتاً فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلاَنٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ، فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلاَنٌ -لِلِاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ- فَقَالَ لَهُ: لِمَ تَسْأَلُنِي؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتاً فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلاَنٍ، فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ قَالَ: أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا، فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثاً، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ».
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية «قِصَّةُ أَصْحَابِ الجَنَّةِ وَعِبَرُ شُكْرِ النِّعَمِ وَمَصِيرُ المَانِعِينَ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
يقول الله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (96) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (96)، (97) النحل.
فَاعْلَمُوا أَنَّ لِلْمُؤْمِنِ وَاجِباً شَرْعِيّاً وَإِنْسَانِيّاً نَحْوَ إِخْوَانِهِ مِنَ الفُقَرَاءِ وَالمَحْتَاجِينَ وَالمَسَاكِينِ؛ فَالْمَالُ مَالُ اللَّهِ، وَالمُسْلِمُونَ كَالْجَسَدِ الوَاحِدِ، لاَ يَكْمُلُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يُحِبَّ لِإِخْوَانِهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَيُواسِيَهُمْ فِي شَدَائِدِهِمْ، وَيُؤَدِّيَ زَكَاةَ مَالِهِ، طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ؛ فَإِنَّ التَّضَامُنَ وَالإِنْفَاقَ يَبْنِي المَوَدَّةَ، وَيَكْفُلُ كَرَامَةَ العِبَادِ، وَيَحْمِي المَجْتَمَعَ مِنَ الشَّحْنَاءِ وَالحَسَدِ وَالجَرِيمَةِ.
وَاعْلَمُوا أنَّ جَزَاءَ مَنْ أَنْفَقَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَزَاءٌ عَظِيمٌ، فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؛ فَمَنْ جَادَ بِمَالِهِ بَارَكَ اللَّهُ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَخَلَفَ عَلَيْهِ بِالأَضْعَافِ المُضَاعَفَةِ، وَطَهَّرَ نَفْسَهُ مِنَ الشُّحِّ، وَجَعَلَ مَالَهُ حِصْناً مَنِيعاً، ضِدَّ الفَوَاجِعِ وَالْمَصَائِبِ، ثُمَّ كَانَ لَهُ فِي الآخِرَةِ نُوراً، وَأَجْراً جَزِيلاً، وَظِلاًّ ظَلِيلاً يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ.
أَمَّا مَنْ بَخِلَ، وَامْتَنَعَ، وَأَغْلَقَ بَابَهُ دُونَ المحْتَاجِينَ، فَإِنَّهُ يُعَرِّضُ نِعْمَتَهُ لِلزَّوَالِ وَالمَحْقِ، ويبوء بِخَسَارَةِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الآخِرَةِ.
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي التَّمْهِيدِ: «فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الجَنَّةِ أَعْظَمُ حُجَّةٍ عَلَى أَنَّ بَذْلَ حُقُوقِ المَسَاكِينِ حِصْنٌ لِلأَمْوَالِ، وَأَنَّ المَنعَ يَمْحَقُ النِّعَمَ، وَأَنَّ العَاقِلَ مَنْ بَادَرَ إِلَى الصَّدَقَةِ وَالشُّكْرِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ المَقْدُورُ فَيَنْدَمَ حِينَ لاَ يَنْفَعُ النَّدَمُ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي عُدَّةِ الصَّابِرِينَ: «فَإِنَّ الصَّدَقَةَ لَهَا تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي دَفْعِ أَنْوَاعِ البَلاَءِ، وَلَوْ كَانَتْ مِنْ فاجِرٍ أَوْ مِنْ ظَالِمٍ بَلْ مِنْ كَافِرٍ! فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَدْفَعُ بِهَا عَنْهُ أَنْوَاعاً مِنَ البَلاَءِ، وَهَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ عِنْدَ النَّاسِ خَاصَّتِهِمْ وَعَامَّتِهِمْ، وَأَهْلُ الأَرْضِ كُلُّهُمْ مُقِرُّونَ بِهِ لِأَنَّهُمْ جَرَّبُوهُ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فِي هَذِهِ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ الشَّرِيفَةِ دُرُوسٌ بَالِغَةٌ لِلْمُسْلِمِ فِي كُلِّ عَصْرٍ، ومنها: الشُّكْرُ العَمَلِيُّ لِلنِّعَمِ: بِإِخْرَاجِ الزَّكَاةِ المَفْرُوضَةِ، وَالمُبَادَرَةِ إِلَى صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ.
ومنها: الحَذَرُ مِنْ سُوءِ النِّيَّةِ: فَإِنَّ النِّيَّةَ الخَبِيثَةَ فِي مَنْعِ الخَيْرِ، تُوجِبُ العُقُوبَةَ الشَّرْعِيَّةَ وَالقَدَرِيَّةَ.
ومنها: الاِسْتِثْنَاءُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وَتَعْلِيقُ الأُمُورِ المَقْدُورَةِ بِقَوْلِ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَتَجَنُّبُ الجَزْمِ مَعَ الغَفْلَةِ.
ومنها: مُوَاَسَاةُ الفُقَرَاءِ، وَاعْتِبَارُ العَطَاءِ نَمَاءً لِلْمَالِ، وَدَفْعاً لِلْمَصَائِبِ وَالنَّقَمَاتِ.
وفي الصحيحين: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ إِلاَّ مَلَكَانِ يَنْزِلاَنِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً».
وفيهما أيضا: (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ».
وفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ» (رواه البخاري ومسلم).
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَاحْسِنُوا إِلَى الفُقَرَاءِ وَالمَحْتَاجِينَ، وَحَافِظُوا عَلَى نِعَمِ اللَّهِ بِالشُّكْرِ وَالبَذْلِ لِتَكُونُوا مِنَ الفَائِزِينَ المَقْبُولِينَ.
الدعاء
