خطبة عن (التَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ الفِيلِ)
أغسطس 31, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى «التَّحَصُّنُ مِنَ الفِتَنِ فِي ضَوْءِ الهَدْيِ النَّبَوِيِّ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
رُوي في الصحيحين (البخاري ومسلم): (أن حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي. فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ «نَعَمْ». قُلْتُ وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ قَالَ «نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ». قُلْتُ وَمَا دَخَنُهُ قَالَ «قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ». قُلْتُ فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ «نَعَمْ دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا». قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا فَقَالَ «هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا» قُلْتُ فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ قَالَ «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ». قُلْتُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ قَالَ «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ».
إخوة الإسلام
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران:102). فَإِنَّ طَرِيقَ السَّلاَمَةِ فِي الدُّنْيَا، وَالنَّجَاةِ فِي الآخِرَةِ، مَرْهُونٌ بِكَمَالِ الوَعْيِ، وَعُمِقِ البَصِيرَةِ، وَالْفَهْمِ الدَّقِيقِ لِمَنَاهِجِ الهِدَايَةِ، وَمَوَاطِنِ الغَوَايَةِ،
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ التَّرْبِيَةِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي تَلَقَّاهَا الصَّحَابَةُ الكِرَامُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- أَنْ يَبْنُوا إِيمَانَهُمْ عَلَى اليَقَظَةِ وَالتَّحَصُّنِ، فَلاَ يَكْتَفُونَ بِمَعْرِفَةِ الخَيْرِ لِيَأْتُوهُ، بَلْ يَجْهَدُونَ فِي مَعْرِفَةِ الشَّرِّ لِيَتَّقُوهُ وَيَجْتَنِبُوهُ.
وتَأَمَّلُوا كَيْفَ صَوَّرَ لَنَا أَمِينُ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، (حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمَانِ) -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- هَذَا المَنَهَجَ العَظِيمَ، حِينَ قَالَ فِي الحَدِيثِ المتقدم تلاوته:
«كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي».
فهَكَذَا فَهِمَ الصَّحَابَةُ أَنَّ دَرْءَ المَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ المَصَالِحِ، وَأَنَّ المَرْءَ إِذَا جَهِلَ مَوَاطِنَ الهَلاَكِ، أَوْ غَفَلَ عَنْ مَكَايدِ الشَّيْطَانِ وَشُبُهَاتِهِ، كَانَ عُرْضَةً لِلسُّقُوطِ فِي حباله، مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُ، وَكَمَا قِيلَ: عَرَفْتُ الشَّرَّ لاَ لِلشَّرِّ … وَلَكِنْ لِتَوَقِّيهِ
وَمَنْ لاَ يَعْرِفِ الشَّرَّ … مِنَ الخَيْرِ يَقَعْ فِيهِ
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ هَذَا السُّؤَالَ العَمِيقَ مِنْ اصحابي حُذَيْفَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- بَثَّ لَنَا حَقِيقَةَ سُنَّةِ اللَّهِ فِي التَّدَاوُلِ، وَتَقَلُّبِ الأَحْوَالِ عبر الزَّمَانِ؛ فَقَدْ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَائِلاً: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ».
فَالدُّنْيَا لَيْسَتْ أَيَّاماً مُتَشَابِهَةً، وَالحَضَارَاتُ وَالأُمَمُ تُبْتَلَى بِالإِقْبَالِ وَالإِدْبَارِ، وَتَتَنَاوَبُ عَلَيْهَا عُهُودُ القُوَّةِ وَالصَّفَاءِ ثُمَّ أَوْقَاتُ الشَّدَائِدِ والألواء.
وَلَمْ يَكْتَفِ حُذَيْفَةُ بِهَذَا القَدْرِ، إِذْ كَانَتْ نَفْسُهُ تَتَطَلَّعُ إِلَى اسْتِشْرَافِ المَسْتَقْبَلِ ، وَإِعْدَادِ العُدَّةِ لَهُ، فعَادَ لِيَسْأَلَ: «فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟، قَالَ: نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ».
فَلَمَّا اسْتَفْسَرَ عَنْ المَقْصُودِ بِالدَّخَنِ -وَهُوَ (الكَدَرُ وَالشَوْبُ الَّذِي يُخَالِطُ الصَّفَاءَ-)، أِجَابَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي، وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ»،
وَفي هَذَا تَنْبِيهٌ خَطِيرٌ جِدّاً، فَالْخَطَرُ الأَشَدُّ عَلَى الأُمَّةِ، لاَ يَأْتِي دَائِماً مِنَ الشَّرِّ الصَّرِيحِ، الَّذِي يَعْرِفُهُ كُلُّ أَحَدٍ، بَلْ يَأْتِي إِذَا (التَبَسَ الحَقُّ بِالبَاطِلِ)، وَتَلَبَّسَتْ البِدَعُ وَالمُحْدَثَاتُ بِثَوْبِ الدِّينِ، وَظَهَرَتْ الشُّبُهَاتُ القَاتِلَةُ، مَغْلُولَةً بِطَابَعِ الإِصْلاَحِ، حِينَهَا يَنْخَدِعُ القَاصِرُونَ بِالظَّوَاهِرِ، وَلاَ يُمَيِّزُونَ بَيْنَ السُّنَّةِ المَأْثُورَةِ، وَالبِدْعَةِ المستحدثة.
أيها المسلمون
وقوله صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ»، أي خير (مخلوط) بالشر، فلابد للمسلم أن يتعلم الحق وأدلته، ويتعلم أيضا الباطل وشبهاته، من أجل أن يسلم من الباطل، ومن أجل أن يُحذر الناسَ منه، فالذي لا يعرف الباطل كيف يتجنبه؟، وكيف يحذر الناس منه؟،
وفي صحيح البخاري: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَاللَّهُ الْمُعْطِي وَأَنَا الْقَاسِمُ، وَلاَ تَزَالُ هَذِهِ الأُمَّةُ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ»، وفي رواية: (أن رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «لاَ تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ»
إِنَّ خُطُورَةَ هَذَا “الدَّخَنِ” (أي الخير المخلوط بالشر)، تَكْمُنُ فِي أَنَّهُ يَجْعَلُ المُنْكَرَ مَقْبُولاً بِاسْمِ المَعْرُوفِ، وَيَجْعَلُ البَاطِلَ مُسْتَسَاغاً لِوُجُودِ جَانِبٍ مِنَ الحَقِّ فِيهِ،
وَمِنْ صُوَرِ هَذَا الخَيْرِ المَشُوبِ (والمخلوط) فِي وَاقِعِنَا: الِاجْتِمَاعَاتُ العَائِلِيَّةُ، وَصِلَةُ الأَرْحَامِ: فهِيَ خَيْرٌ عَظِيمٌ، ولَكِنْ حِينَ يَخْتَلِطُ بِهَا الغِيبَةُ، أَوِ الِاسْتِهْزَاءُ، أَوِ التَّفَاخُرُ المَذْمُومُ، فَهَذَا هُوَ “الدَّخَنُ” الذِي يُفْسِدُ طَعْمَ الصِّلَةِ.
وَمِنْ صُوَرِ هَذَا الخَيْرِ المَشُوبِ (والمخلوط) فِي وَاقِعِنَا: أَعْمَالُ البِرِّ وَالصَّدَقَةِ: فهي خَيْرٌ، يُحِبُّهُ اللهُ، ولَكِنْ حِينَ يُخَالِطُهَا “الرِّيَاءُ” أَوْ “المَنُّ وَالأَذَى”، أَوْ تُجْمَعُ أَمْوَالُهَا مِنْ مَصَادِرَ مُحَرَّمَةٍ، فَهَذَا خَيْرٌ فِيهِ دَخَنٌ، (خير مخلط بالشر).
وَمِنْ صُوَرِ هَذَا الخَيْرِ المَشُوبِ (والمخلوط) فِي وَاقِعِنَا: العِلْمُ وَالثَّقَافَةُ: فالانْفِتَاحُ عَلَى العُلُومِ خَيْرٌ، ولَكِنْ حِينَ يُمزَجُ بِأَفْكَارٍ تُزَعْزِعُ العَقِيدَةَ، أَوْ تُشَكِّكُ فِي الثَّوَابِتِ، فَقَدْ كَدَّرَ الدَّخَنُ صَفَاءَ المَعْرِفَةِ.
ومن صور الدخن في “الأفراح والمناسبات“: فالزواج خير، وإظهار الفرح سُنّة، وإطعام الطعام قربة.. فهذا هو “الخير”، ولكن “الدخن” هو ما يصاحبه من إسراف مهلك للأموال، ومباهاة تكسر قلوب الفقراء، واختلاط محرم، وموسيقى صاخبة تؤذي الجيران، فصارت ليلة “القربة” ليلة “معصية“، واختلط “شكر النعمة” بـ “كفران المنعم“.
ومن صور الدخن في “وسائل التواصل الاجتماعي“: فنشر العلم خير، والدعوة إلى الله عبر الشاشات خير.. ولكن “الدخن” هو البحث عن “الشهرة” واللهاث خلف “الإعجابات” فترى الداعية أو المصلح يداهن في الحق، ليرضي الجمهور، أو يتصنع الخشوع أمام الكاميرا، فصار “الخير” الظاهر وسيلة لفتنة “الرياء” الباطنة.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فَإِذَا ارْتَقَتْ المِحْنَةُ أَعْلَى دَرَجَاتِهَا، ظَهَرَ النَّوْعُ الأَخْطَرُ مِنْ الفِتَنِ؛ لذا فَقَدْ سَأَلَ حُذَيْفَةُ: «فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: نَعَمْ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا؟ قَالَ: هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا»،
إِنَّهَا المَصِيبَةُ الرَّاتِعَةُ، وَالحَرْبُ الفِكْرِيَّةُ وَالإِعْلاَمِيَّةُ الكَاسِحَةُ، دُعَاةٌ يَقِفُونَ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، يَدْعُونَ النَّاسَ إِلَى الضَّلاَلِ وَالْمُنْكَرِ، ويُزَيِّنُونَ الفَوَاحِشَ، وَيُشَكِّكُونَ فِي العَقَائِدِ، وَيَهْدِمُونَ الثَّوَابِتَ، ولاَ يَمْتَازُونَ عَنَّا بِزِيٍّ، أَوْ لُغَةٍ غَرِيبَةٍ، بَلْ هُمْ مِنْ بَنِي جِلْدَتِنَا، يَتَكَلَّمُونَ بِلِسَانِنَا، وَيَدَّعُونَ العِلْمَ، وَالعَقْلَ، وَالتَّجْدِيدَ، فَيَا لَهَا مِنْ فِتْنَةٍ، يَمُوتُ فِيهَا صَاحِبُ الهَوَى، وَلاَ يَنْجُو مِنْهَا إِلاَّ مَنْ تَمَسَّكَ بِالْوَحْيِ، وَمن رَزَقَهُ اللَّهُ البَصِيرَةَ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية «التَّحَصُّنُ مِنَ الفِتَنِ فِي ضَوْءِ الهَدْيِ النَّبَوِيِّ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
يقول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران:103)، فَإِنَّ العَبْدَ النَّاصِحَ لِنَفْسِهِ، لاَ يَكْتَفِي بِالتَّشْخِيصِ وَمَعْرِفَةِ الخَطَرِ، بَلْ يَبْحَثُ عَنِ المَخْرَجِ الشَّرْعِيِّ، وَالسَّفِينَةِ الَّتِي تُنْجِيهِ مِنْ طُوفَانِ الفِتَنِ.
وَهَكَذَا كَانَ حُذَيْفَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فحِينَ لمَسَّ صُعُوبَةَ المَوْقِفِ، قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ:
«فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِك؟، قَالَ: تَلْزَمُ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ»
وهكذا يتبين لنا أنَّ المَنْجَاةَ الأُولَى، وَالأَعْظَمَ، في زَمَن المِحَنِ وَالشَّبُهَاتِ، هِيَ، فِي: الِاعْتِصَامِ بِالجَمَاعَةِ، وَنَبْذِ الشُّذُوذِ وَالفُرْقَةِ، وَالتَّفَافِ الأُمَّةِ حَوْلَ عُلَمَائِهَا الرَّاسِخِينَ، وَوُلاَةِ أُمُورِهَا الصالحين المصلحين، وَعَدَمِ الخُرُوجِ عَنِ الصَّفِّ المَعْهُودِ، فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ مَعَ الجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ، وَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ مِنَ الغَنَمِ القَاصِيَةَ.
فمن الواجب على المسلم: لزوم جماعة المسلمين، والتعاون معهم في أي مكان، فمتى وجد المسلم جماعة تدعو إلى الحق صار معهم، وأعانهم وشجعهم وثبتهم على الحق،
والسؤال: من هم جماعة المسلمين؟، والجواب: هي التي تهتم بإعلاء كلمة الله، وإعزاز دينه، وإقامة الحجة لله على أهل الأرض، بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود ومواساة الضعفاء، ورفع الظلم.
فجماعة المسلمين لها مواصفات، وشروط شرعية، فمن شروطها، ومواصفاتها:
أن يكون تحاكمها إلى كتاب الله، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يكون أمرها منضبطاً منتظماً، وأن لا تقع فيها الخلافات، والتنازع، وأن تكون مستمسكة بإعلاء كلمة الله، وإعزاز دينه، مقدمة لذلك على مصالحها الخاصة، فهذه هي (جماعة المسلمين).
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ثُمَّ تَبْلُغُ الصَّرَاحَةُ النَّبَوِيَّةُ غَايَتَهَا، حِينَ يَتَوَقَّعُ حُذَيْفَةُ أَقْسَى الظُّرُوفِ، وَأَشَدَّ سَاعَاتِ الغُرْبَةِ، فَيَقُولُ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟، قَالَ: فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ، حَتَّى يُدْرِكَكَ المَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ».
فيَا لَهُ مِنْ مَوْقِفٍ حَاسِمٍ، فِي بَيَانِ فِقْهِ العُزْلَةِ عِنْدَ انْقِطَاعِ الأَسْبَابِ، وَتَفَاقُمِ المَوَاجِعِ، فإِذَا اخْتَلَطَتْ الأُمُورُ، وَانْقَطَعَتْ الجَمَاعَةُ، وَكَثُرَتْ الأَهْوَاءُ، وَالأَحْزَابُ المُتَنَاحِرَةُ، فَإِنَّ الوَاجِبَ الشَّرْعِيَّ يَتَغَيَّرُ إِلَى النَّجَاةِ بِالدِّينِ الفَرْدِيِّ، وَمُفَارَقَةِ جَمِيعِ أَهْلِ الضَّلاَلِ وَالأَهْوَاءِ، وَلَوْ أَنْ يَتَحَمَّلَ المَرْءُ أَقْسَى أَنْوَاعِ العَيْشِ، وَالمَشَقَّةِ – كَمَنْ يَعَضُّ عَلَى أُصُولِ الأَشْجَارِ فِي القِفَارِ- لِيَلْقَى اللَّهَ سَالِماً مِنَ الدِّمَاءِ، بَرِيئاً مِنَ البِدَعِ، خَالِصاً مِنَ الفِتَنِ.
فمَتَى لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ جماعة ولا إِمَام، وَافْتَرَقَ النَّاس أَحْزَابًا، فَلَا يَتَّبِع المسلم أَحَدًا فِي الْفُرْقَة ،وَيَعْتَزِل الْجَمِيع، إِنْ اِسْتَطَاعَ ذَلِكَ، خَشْيَةَ مِنْ الْوُقُوع فِي الشَّرّ.
وعليه أن يلزم الحق وهو الجماعة، ولو كان واحداً، فإذا لم يجد من يدعو إلى الحق، لا دولة، ولا جماعة، لزم الحق وحده، واستقام عليه، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه لعمرو بن ميمون: (الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك)، ففي هذه الحالة:
(أنت الجماعة ولو كنت وحدك).
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ هَذَا المَنَهَجَ الحَكِيمَ يَدْعُونَا جَمِيعاً إِلَى: أَنْ نَكُونَ أَهْلَ سُؤَالٍ نَافِعٍ، وَفَهْمٍ لِلأَزَمَاتِ، فَنَقْصِدَ أَهْلَ العِلْمِ وَالْفِقْهِ، لِنَسْتَبْشِرَ، وَنَسْتَدِلَّ بِهَدْيِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلاَ نَكُونَ كَالْغَثَاءِ، تَعْصِفُ بِهِ الرِّيَاحُ شَرْقاً وَغَرْباً، فاسْأَلُوا الله الثَّبَاتَ عَلَى الدِّينِ حَتَّى المَمَاتِ.
الدعاء
