خطبة عن (الثَّلَاثُ المَرْضِيَّاتُ وَالثَّلَاثُ المَكْرُوهَاتُ)
أغسطس 10, 2026الخطبة الأولى (هَيَّا إِلَى الْإِيمَانِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) (136) النساء، وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي سُؤَالِ جِبْرِيلَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)…قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ».
إخوة الإسلام
حديثنا اليَوْمَ عَنْ نِدَاءٍ رَبَّانِيٍّ، زَلْزَلَ صُدُورَ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ، حِينَ خَاطَبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَىٰ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾، فتَدَبَّرُوا هَٰذَا النِّدَاءَ؛ فاللَّهُ يُنَادِي مَنْ تَحَقَّقُوا بِالإِيمَانِ أَصْلًا، لِيَأْمُرَهُمْ بِالإِيمَانِ، اسْتِمْرَارًا، وَتَجْدِيدًا؛ لِيُعْلِنَ لِلْبَشَرِيَّةِ، أَنَّ الإِيمَانَ لَيْسَ صِفَةً جَامِدَةً نَرِثُهَا، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ حَيَّةٌ، تَزِيدُ وَتَنْقُصُ، وَتَحْتَاجُ إِلَىٰ هِجْرَةٍ دَائِمَةٍ، مِنَ الغَفْلَةِ إِلَىٰ مَحَارِيبِ اليَقِينِ.
(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا): إِنَّهُ صَيْحَةٌ لِمراجعة الإِيمَانِ التَّقْلِيدِيِّ المَوْرُوثِ، الَّذِي يَعِيشُهُ الكَثِيرُ مِنَّا اليَوْمَ، حَرَكَاتٍ بِلَا رُوحٍ، وَانْتِمَاءً بِلَا ثَمَرَةٍ؛ فَهَيَّا بِنَا إِلَىٰ رِحَابِ الإِيمَانِ الحَقِيقِيِّ، الَّذِي يُبَدِّلُ ظُلُمَاتِ النُّفُوسِ إِلَىٰ فَلَقِ النُّورِ.
وَأَوَّل عَلَامَاتِ هَٰذَا الإِيمَانِ الحَقِيقِيِّ: أَنْ يَنْعَكِسَ أَمْنًا وَسَلَامًا فِي مُعَامَلَاتِ النَّاسِ؛ فَمَا كَانَ الإِيمَانُ عَقِيدَةً فِي الغَيْبِ، مَعْزُولَةً عَنِ الأَسْوَاقِ؛ فَفِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَىٰ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ»، فَمَنْ آذَىٰ النَّاسَ فِي أَعْرَاضِهِمْ، أَوْ أَكَلَ حُقُوقَهُمْ فِي تِجَارَتِهِ، فَقَدْ هَدَمَ أَوَّلَ جُدْرَانِ عَقِيدَتِهِ.
واِنْظُرُوا كَيْفَ جَعَلَ المُصْطَفَىٰ عِلَامَةَ الإِيمَانِ فِي بَاطِنِ القَلْبِ، أَنْ يَأْمَنَكَ النَّاسُ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَتِجَارَاتِهِمْ، فَمَنْ غَشَّ المُسْلِمِينَ، أَوْ سَعَىٰ فِى هَتْكِ دِمَائِهِمْ، أَوْ أَكَلَ أَمْوَالَهُمْ بِالبَاطِلِ، عَبْرَ المَطْلِ وَالخِدَاعِ، فَقَدْ ثَلَمَ جِدَارَ إِيمَانِهِ، وَأَعْلَنَ أَنَّ عَقِيدَتَهُ لَمْ تَتَجَاوَزْ حَنْجَرَتَهُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا كَيْفَ رَسَمَ اللَّهُ تَعَالَىٰ دُسْتُورَ المُؤْمِنِينَ المُحِقِّينَ فِي سُورَةِ الأَنْفَالِ؛ فَهُمْ أَهْلُ القُرْآنِ وَالذِّكْرِ، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ۚ لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:2-4].
فهَٰؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ جَعَلُوا الإِيمَانَ عَمَلًا يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ؛ فَأَقَامُوا الصَّلَاةَ، لِتَنْهَاهُمْ عَنِ الفَحْشَاءِ، وَأَنْفَقُوا الأَمْوَالَ، نُصْرَةً لِلْفُقَرَاءِ، وَذَابَتْ أَنَانِيَّتُهُمْ فِي مِيقَاتِ الأُخُوَّةِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:10]. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَىٰ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا»، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ﷺ)
وإِنَّ النِّصْفَ الآخَرَ مِنْ هَذِهِ الدَّعْوَةِ المُجَلْجِلَةِ: ﴿هَيَّا إِلَى الإِيمَانِ﴾، يَقْتَضِي أَنْ نَفْهَمَ أَنَّ العَقِيدَةَ لَيْسَتْ عِلَاقَةً فَرْدِيَّةً، مَعْزُولَةً بَيْنَ العَبْدِ وَرَبِّهِ فَقَطْ، بَلْ هِيَ الرِّبَاطُ الِاجْتِمَاعِيُّ الأَعْظَمُ، الَّذِي يَصْهَرُ النُّفُوسَ، وَيَقْتَلِعُ أَمْرَاضَ الأَنَانِيَّةِ وَالجَفَاءِ؛ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ “أَصْدِقَاءَ” وَلَا “شُرَكَاءَ”، بَلْ جَعَلَهُمْ ﴿إِخْوَةٌ﴾، أُخُوَّةٌ تَلْتَقِي فِيهَا الأَرْوَاحُ تَحْتَ رَايَةِ “لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ”، فَيَصِيرُ جَسَدُ الأُمَّةِ كَالبُنْيَانِ المَرْصُوصِ الَّذِي لَا تَتَسَلَّلُ إِلَيْهِ الفُرْقَةُ، وَلَا تَكْسِرُهُ نَوَائِبُ الدُّنْيَا.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
فكَيْفَ نُطَبِّقُ هَذِهِ الأُخُوَّةَ اليَوْمَ فِي زَمَنِ المَادَّيَّاتِ؟، فنقول: نُطَبِّقُهَا بِتَركِ قَوَانِينِ الشَّحْنَاءِ؛ فنُسَارِع إِلَى الإِصْلَاحِ بَيْنَ المُتَخَاصِمِينَ: مِنَ الجِيرَانِ وَالأَقَارِبِ، وَأَنْ يَتَفَقَّدَ القَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، وَيَمُدَّ المُوسِرُ يَدَ العَوْنِ لِلْمُعْسِرِ، فالمُؤْمِنُ الحَقِيقِيُّ هُوَ الَّذِي يَفْرَحُ لِفَرَحِ أَخِيهِ، وَيَحْزَنُ لِأَلَمِهِ، وَيَكُونُ ظَهِيرًا لَهُ فِي غَيْبَتِهِ، كَالأَصَابِعِ المُتَشَابِكَةِ الَّتِي لَا تَنْفَصِلُ.
وَهَٰذَا الرِّبَاط الإِيمَانِيّ الشَّامِخ، هُوَ طَوْقُ النَّجَاةِ الوَحِيدِ، فِي أَعْظَمِ مَحَاكِمِ الآخِرَةِ وَأَوَّلِهَا؛ وَهُوَ “حُجْرَةُ القَبْرِ المُظْلِمَةِ”؛ حَيْثُ يُفْتَنُ النَّاسُ هُنَاكَ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ: (مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي الْقُبُورِ مِثْلَ – أَوْ قَرِيبَ مِنْ – فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُؤْتَىٰ أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ لَهُ: مَا عِلْمُكَ بِهَٰذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ – أَوْ قَالَ الْمُوقِنُ – فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ، هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ فَآمَنَّا وَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا وَصَدَّقْنَا، فَيُقَالُ لَهُ: نَمْ صَالِحًا، قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ إِنْ كُنْتَ لَتُؤْمِنُ بِهِ»
أَمَّا المـُنَافِقُ المـُرْتَابُ الَّذِي لَمْ يَعِشْ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ، فَيَسْقُطُ فِي الِامْتِحَانِ، وَيَقُولُ خَائِبًا مَذْعُورًا: “لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ”.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَلِأَنَّ الجَنَّةَ عَالِيَةٌ غَالِيَةٌ، فَقَدْ (أَقْسَمَ اللَّهُ تعالى) أَلَّا يَدْخُلَهَا إِلَّا أَهْلُ هَٰذِهِ العَقِيدَةِ؛ فَفِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ الكُبْرَىٰ: (عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَىٰ مَكَّةَ، كَانَ يُنَادِي فِي المـَحَافِلِ: «إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ»،
فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَصْلُ التَّوْحِيدِ، نَجَا مِنَ الخُلُودِ فِي اللَّهَبِ؛ فعَظَمَة هَذَا الإِيمَانِ أنه يَكُونُ هُوَ المُنْقِذَ الوَحِيدَ لِلْعَبْدِ مِنْ الخُلُودِ فِي النَّارِ يَوْمَ الحِسَابِ؛ فَحَتَّىٰ لَوْ قَصَّرَ العَبْدُ، وَغَلَبَتْهُ ذُنُوبُهُ، فَإِنَّ جَوْهَرَ التَّوْحِيدِ فِي قَلْبِهِ يَفْتَحُ لَهُ أَبْوَابَ الرَّحْمَةِ الإِلَهِيَّةِ لِلْخُرُوجِ مِنَ اللَّهَبِ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ: (عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ بُرَّةً، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ، وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مَا يَزِنُ مِنَ الْخَيْرِ ذَرَّةً».
فانْظُرُوا رَحْمَةَ رَبِّكُمْ، حَتَّىٰ مَنْ مَلَكَ “ذَرَّةً” مِنْ يَقِينٍ، لَنْ يُبْقِيَهُ اللَّهُ فِي سِجْنِ جَهَنَّمَ، فَمَا بَالُنَا لَا نُحَافِظُ عَلَىٰ هَذِهِ الذَّرَّةِ، وَنُنَمِّيهَا بِالطَّاعَاتِ؟،
وَلَيْسَ الأَمْرُ نَجَاةً مِنَ النَّارِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ النَّعِيمُ الأَبَدِيُّ فِي فِرْدَوْسِ رَبِّ العَالَمِينَ، حَيْثُ يَنَالُ المُؤْمِنُونَ أَعْلَىٰ مَقَامَاتِ الجَلَالِ وَهُوَ “الرِّضْوَانُ المـُطْلَقُ”؛
ألا فَالْزَمُوا مَحَجَّةَ الإِيمَانِ، وَهَلُمُّوا لِنَتَعَلَّمَ، كَيْفَ نَحْمِي هَٰذِهِ الذَّرَّةَ الغَالِيَةَ، وَنَزْدَادُ بِهَا رِفْعَةً عِنْدَ مَوْلَانَا.
أَقُولُ قَوْلِي هَٰذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ (هَيَّا إِلَى الْإِيمَانِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
يقول اللَّهُ تَعَالَىٰ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:4]. وَفِي مُسْتَدْرَكِ الحَاكِمِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وصححه الألباني: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَخْلَقُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ كَمَا يَخْلَقُ الثَّوْبُ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ تَعَالَىٰ أَنْ يُجَدِّدَ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ»،
فإِذَا كَانَ الإِيمَانُ يَبْلَىٰ فِي الجَوْفِ، كَمَا يَبْلَىٰ الثَّوْبُ، فكَيْفَ نُحَافِظُ عَلَىٰ إِيمَانِنَا؟، وَنَزْدَادُ إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِنَا؟، وَنَحْنُ نَعِيشُ فِي زَمَنٍ كَثُرَتْ فِيهِ المُلْهِيَاتُ، وَأَحَاطَتْ بِنَا الفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ
إِنَّ عَقِيدَةَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ تَقْضِي: أَنَّ الإِيمَانَ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ، وَيَنْقُصُ بِالمَعْصِيَةِ؛ فَمَا هِيَ خُطَّةُ الزِّيَادَةِ، وَأَسْبَابُ الثَّبَاتِ العَمَلِيَّةِ؟.
فنقول: إِنَّ أَعْظَمَ مَفَاتِيحِ الزِّيَادَةِ هِيَ: “مَعْرِفَةُ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا بِأَسْمَائِهِ الحُسْنَىٰ وَصِفَاتِهِ العُلَىٰ”؛ فَمَنْ عَرَفَ اللَّهَ بِالجَلَالِ خَافَهُ، وَمَنْ عَرَفَهُ بِالجَمَالِ رَجَاهُ وَأَحَبَّهُ، وَمَنْ عَرَفَهُ بِالعِلْمِ وَالمـُرَاقَبَةِ اسْتَحْيَا أَنْ يَرَاهُ حَيْثُ نَهَاهُ.
وَهَذِهِ المَعْرِفَةُ لَا تَأْتِي إِلَّا بـِ “طَلَبِ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ“؛ الَّذِي يَعْصِمُ العَبْدَ مِنَ الشُّبُهَاتِ، وَيُضِيءُ لَهُ دَرْبَ البَصِيرَةِ. وَيُقَابِلُ هَذَا العِلْمَ المَسْطُورَ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ هُوَ “التَّأَمُّلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ الكَوْنِيَّةِ وَمَخْلُوقَاتِهِ”؛ حَيْثُ يَرَىٰ العَبْدُ صَنْعَةَ المـُبْدِعِ فِي جَلَالِ السَّمَاوَاتِ وَبَسْطِ الأَرْضِ، فَيَنْطِقُ لِسَانُهُ بِالتَّسْبِيحِ، وَيَسْجُدُ قَلْبُهُ تَعْظِيمًا لِلْخَالِقِ.
وَلِأَنَّ القُرْآنَ هُوَ مَائِدَةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، فَإِنَّ “قِرَاءَتَهُ وَتَدَبُّرَهُ” هِيَ السَّيْلُ العَرِمُ الَّذِي يَغْسِلُ رَانَ القُلُوبِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ الأنفال:2.
مَعَ “الإِكْثَارِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَىٰ” فِي كُلِّ حِينٍ؛ فَإِنَّ الذِّكْرَ لِلْقَلْبِ كَالمـَاءِ لِلسَّمَكِ، وَبِهِ تُطْرَدُ الشَّيَاطِينُ وَتَطْمَئِنُّ النُّفُوسُ.
وَلِكَيْ تَحْمِيَ نَفْسَكَ مِنْ عَدْوَى الغَفْلَةِ، عَلَيْكَ بِـ “حُضُورِ مَجَالِسِ الذِّكْرِ وَالحِرْصِ عَلَيْهَا”؛ تِلْكَ المَجَالِسِ الَّتِي تَحُفُّهَا المـَلَائِكَةُ، وَتَغْشَاهَا الرَّحْمَةُ، وَتَتَنَزَّلُ فِيهَا السَّكِينَةُ، وَيَقُولُ الصَّحَابَةُ فِيهَا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: “اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً”.
وَهَذِهِ المـَجَالِسُ تُوجِبُ عَمَلِيًّا “البُعْدَ عَنِ المـَعَاصِي“؛ فَإِنَّ الذَّنْبَ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي سُوَيْدَاءِ القَلْبِ، إِذَا كَثُرَتْ أَعْمَتِ البَصِيرَةَ وَنَقَصَتِ اليَقِينَ.
فَعَوِّضُوا نُقْصَانَ الخَطَايَا بِـ “الإِكْثَارِ مِنَ النَّوَافِلِ وَالطَّاعَاتِ“؛ مِنَ الصِّيَامِ، وَصَلَاةِ اللَّيْلِ، وَصَدَقَةِ السِّرِّ، مَعَ لُزُومِ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَىٰ دِينِكَ» [سنن الترمذي].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَلِتَأْدِيبِ النَّفْسِ الجَامِحَةِ، اِهْتَمُّوا بـِ “أَعْمَالِ القُلُوبِ”؛ كَالخَوْفِ، وَالرَّجَاءِ، وَالمَحَبَّةِ، وَالتَّوَكُّلِ، مَعَ تَعْظِيمِ حُرُمَاتِ اللَّهِ، وَتَحْقِيقِ عَقِيدَةِ الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ. وَزُورُوا القُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ، وَتَدَبَّرُوا سِيرَةَ النَّبِيِّ ﷺ، وَسِيَرَ السَّلَفِ الصَّالِحِ. وَخُذُوا مِنْ دُنْيَاكُمْ بِالتَّقَلُّلِ مِنَ المُبَاحَاتِ، وَفُضُولِ الطَّعَامِ وَالكَلَامِ وَالنَّظَرِ؛ فَإِنَّ الصَّمْتَ حِصْنٌ، وَالتَّنْوِيعَ فِي العِبَادَةِ طَرْدٌ لِلْمَلَلِ. وَاخْتِمُوا يَوْمَكُمْ بِمُنَاجَاةِ اللَّهِ تَعَالَىٰ، وَالِانْكِسَارِ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ.
واُنْظُرُوا جَزَاءَ مَنْ عَاشَ عَلَىٰ هَٰذَا المـُنْهَجِ الشَّامِخِ؛ إِنَّهُ الرِّضْوَانُ الأَعْظَمُ فِي الفِرْدَوْسِ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ! فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَىٰ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَٰلِكَ، قَالُوا: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَٰلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا».
وَتَكْتَمِلُ مَلْحَمَةُ النَّعِيمِ الرُّوحِيِّ الَّتِي تَتَلَاشَىٰ أَمَامَهَا كُلُّ لَذَّاتِ الجَنَّةِ المَادِّيَّةِ مِنْ قُصُورٍ وَأَنْهَارٍ، حِينَمَا يُكْشَفُ الحِجَابُ لِيَنْظُرَ أَهْلُ الإِيمَانِ إِلَىٰ وَجْهِ الخَالِقِ البَارِئِ جَلَّ جَلَالُهُ؛ فَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: (عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، نَادَىٰ مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ، فَيَقُولُونَ: وَمَا هُوَ؟، أَلَمْ يُثَقِّلِ اللَّهُ مَوَازِينَنَا، وَيُبَيِّضْ وُجُوهَنَا، وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَيُنْجِنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ وَلَا أَقَرَّ لِأَعْيُنِهِمْ»
فَهَلُمُّوا – يَا بَنِي الإِسْلَامِ – إِلَىٰ هَذَا المَوْعِدِ العَظِيمِ؛ جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ، وَعَظِّمُوا أُخُوَّتَكُمْ، وَطَهِّرُوا بُيُوتَكُمْ وَمُعَامَلَاتِكُمْ، لِتَكُونُوا مِنْ أَهْلِ التَّثْبِيتِ فِي القُبُورِ، وَمِنْ سُكَّانِ الفِرْدَوْسِ الَّذِينَ يَتَنَعَّمُونَ بِرُؤْيَةِ وَجْهِ رَبِّ العَالَمِينَ، ألا فَاعْمَرُوا أَوْقَاتَكُمْ بِالطَّاعَاتِ، فَإن الخَاتِمَةُ لِلْمُتَّقِينَ.
الدُّعَاءُ
