خطبة عن (فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ)
سبتمبر 19, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى «بِالاِخْتِبَارِ يَتَمَايَزُ النَّاسُ وَتَظْهَرُ حَقَائِقُ الإِيمَانِ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (2)، (3) العنكبوت،
وقال تعالى 🙁أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (214) البقرة،
وقال تعالى 🙁أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (142) آل عمران،
وفي سنن الترمذي: (عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاَءً قَالَ «الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاَؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلاَءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ».
إخوة الإسلام
إِنَّ هَذِهِ الدَّارَ الَّتِي نَعِيشُ فِيهَا لَيْسَتْ دَارَ إِقَامَةٍ سَرْمَدِيَّةٍ، وَلاَ مَقَرَّ نَعِيمٍ مُطْلَقٍ، وَإِنَّمَا هِيَ مَيْدَانُ امْتِحَانٍ فَسِيحٌ، وَسَاحَةُ تَمْحِيصٍ وَابْتِلاَءٍ لِلْعِبَادِ؛ لِيَسْتَبِينَ فِي المَحَكِّ الصَّادِقُ مِنْ الكَاذِبِ ،وَيَتَمَيَّزَ الثَّابِتُ عَلَى الحَقِّ، مِمَّنْ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ، عِنْدَ أَّوَّلِ عِاصِفَةٍ أَوْ فِتْنَةٍ.
فإِنَّ دَعْوَى الإِيمَانِ سَهْلَةٌ عَقْدُهَا عَلَى الأَلْسُنِ، فِي أَوْقَاتِ الرَّخَاءِ وَالسَّلاَمَةِ، ولَكِنَّ الصَّدْقَ الحَقِيقِيَّ إِنَّمَا تُمَحِّصُهُ الشَّدَائِدُ، وَتُظْهِرُ مَعْدِنَهُ المَحَكَّاتُ، من الابتلاءات والفتن.
ومن المعلوم أنَّ الِابْتِلاَءَ سُنَّةٌ إِلهِيَّةٌ، قَاهِرَةٌ وَمَاضِيَةٌ فِي الخَلْقِ، ولاَ تَتَخَلَّفُ وَلاَ تَتَبَدَّلُ؛ فَقَدْ قَضَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ أَنْ لاَ يَدْخُلَ أَحَدٌ الجَنَّةَ بِمُجَرَّدِ الأَمَانِيِّ المَجَرَّدَةِ، أَوْ بِمُجَرَّدِ الدَّعَاوَى العَرِيضَةِ، دُونَ أَنْ يَمُرَّ فِي مَيْدَانِ الِاخْتِبَارِ الصَّعْبِ؛
قَالَ تَعَالَى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (2)، (3) العنكبوت،
وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران:142).
فَالدُّخُولُ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ لَهُ مَهْرٌ غَالٍ، وَطَرِيقُهُ مَحْفُوفٌ بِالْمَكَارِهِ وَالْمِحَنِ؛ لِتَسْتَوِيَ الصُّفُوفُ وَتَسْقُطَ الأَقْنِعَةُ،
وَتَأَمَّلُوا كَيْفَ قَرَّرَ القُرْآنُ العَظِيمُ هَذِهِ السُّنَّةَ مَعَ الأُمَمِ السَّابِقَةِ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: 214).
فَالزَّلْزَلَةُ وَالْمَشَقَّةُ قَدَرٌ مَقْدُورٌ عَلَى الصَّالِحِينَ، تُصْقَلُ بِهِ النُّفُوسُ وَتُعْلَى بِهِ المَرَاتِبُ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
واعْلَمُوا أَنَّ الِابْتِلاَءَ الإِلَهِيَّ لَيْسَ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ ضَيِّقَةٍ، بَلْ هُوَ يَتَنَوَّعُ، وَيَتَخَلَّلُ حَيَاةَ الإِنْسَانِ كُلَّهَا، فِي صُوَرٍ مُتَعَدِّدَةٍ:
فَمِنْهُ الِابْتِلاَءُ بِالشَّرِّ وَالضَّرَّاءِ: وَهُوَ الظَّاهِرُ لِلْعُيُونِ، كَالْخَوْفِ مِنَ الأَعْدَاءِ، وَالجُوعِ، وَفَقْدِ الأَمْوَالِ، وَالأَنْفُسِ، وَالثَّمَرَاتِ، وَتَفَاقُمِ الأَمْرَاضِ وَالأَوْجَاعِ، وَتَسَلُّطِ الظَّلَمَةِ.
وَمِنْهُ الِابْتِلاَءُ بِالْخَيْرِ وَالسَّرَّاءِ: وَهُوَ الِابْتِلاَءُ الأَشَدُّ خَطَراً، وَالأَخْفَى مَكْراً، كَفَتْحِ أَبْوَابِ الرِّزْقِ، وَالمَالِ الوَفِيرِ، وَالصِّحَّةِ، وَالمَنْصِبِ، وَالأَوْلاَدِ، وَالأَمْنِ؛ لِيُنْظَرَ أَيَشْكُرُ العَبْدُ أَمْ يَطْغَى وَيَكْفُرُ النِّعْمَةَ؟، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (الأنبياء:35).
وَأَمَامَ هَذِهِ السُّنَّةِ الإِلَهِيَّةِ الجَارِيَةِ، يَنْقَسِمُ النَّاسُ عِنْدَ نُزُولِ المِحَنِ، أَوْ وُرُودِ النِّعَمِ، إِلَى فَرِيقَيْنِ مُتَبَايِنَيْنِ غَايَةَ التَّبَايُنِ:
فَرِيقٌ ضَعِيفُ الإِيمَانِ مَغْرُورٌ: يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ، كما قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (11) الحج،
فهذا خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ، فهو يَتَسَخَّطُ عَلَى الأَقْدَارِ، وَيَشْكُو الخَالِقَ إِلَى المَخْلُوقِ، وَتَتَسَرَّبُ الشُّكُوكُ إِلَى قَلْبِهِ فَيَسْقُطُ فِي الشُّبُهَاتِ وَالمُنْكَرَاتِ.
وَفَرِيقٌ مُؤْمِنٌ صَادِقٌ ثَابِتٌ: يَرَى فِي البَلاَءِ صَقْلاً لِإِيمَانِهِ، وَتَطْهِيراً لِصَحِيفَتِهِ، فَيَثْبُتُ ثَبَاتَ الرَّوَاسِي الشَّامِخَاتِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ.
وفي صحيح مسلم: (عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ».
وفي الصحيحين: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ خَامَةِ الزَّرْعِ، يَفِيءُ وَرَقُهُ مِنْ حَيْثُ أَتَتْهَا الرِّيحُ تُكَفِّئُهَا، فَإِذَا سَكَنَتِ اعْتَدَلَتْ، وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ يُكَفَّأُ بِالْبَلاَءِ، وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الأَرْزَةِ صَمَّاءَ مُعْتَدِلَةً حَتَّى يَقْصِمَهَا اللَّهُ إِذَا شَاءَ»،
وفي سنن الترمذي وابن ماجه: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ «عِظَمُ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاَءِ وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ».
أيها المسلمون
ويقول الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (الحديد:22).
فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ المَخَاطِرِ، الَّتِي تُفْسِدُ عَلَى المَرْءِ طَعْمَ الإِيمَانِ، وَتُزَعْزِعُ ثِقَتَهُ بِرَبِّهِ، وُجُودَ تَصَوُّرٍ خَاطِئٍ، وَفَهْمٍ سَقِيمٍ، عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ عَنْ حَقِيقَةِ الِابْتِلاَءِ؛
حَيْثُ يَظُنُّ القَاصِرُونَ أَنَّ نُزُولَ البَلاَءِ وَالمِحَنِ، دَلِيلٌ عَلَى هَوَانِ العَبْدِ عَلَى اللَّهِ، أَوْ سَخَطِ الخَالِقِ عَلَيْهِ،
وَيَظُنُّونَ فِي المَقَابِلِ: أَنَّ كَثْرَةَ الأَمْوَالِ وَالنِّعَمِ فِي الدُّنْيَا، عَلَامَةٌ مُطْلَقَةٌ عَلَى رِضَا اللَّهِ عَنِ العَبْدِ،
وَهَذَا مَفْهُومٌ مَغْلُوطٌ، وَجَهْلٌ بالسنن، قال الله تعالى: (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) (15)، (20) الفجر،
وهذا التصور الخاطئ، يَهْدِمُهُ الهَدْيُ النَّبَوِيُّ الصَّرِيحُ؛ فَفي سنن الترمذي: (عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: «الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ؛ يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلَابَةٌ زِيدَ فِي بَلَائِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفِّفَ عَنْهُ، فَمَا يَبْرَحُ البَلَاءُ بِالعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» (رواه الترمذي)
وفي سنن ابن ماجه: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ يُوعَكُ فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَيْهِ فَوَجَدْتُ حَرَّهُ بَيْنَ يَدَيَّ فَوْقَ اللِّحَافِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَشَدَّهَا عَلَيْكَ قَالَ «إِنَّا كَذَلِكَ يُضَعَّفُ لَنَا الْبَلاَءُ وَيُضَعَّفُ لَنَا الأَجْرُ». قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاَءً قَالَ «الأَنْبِيَاءُ». قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ مَنْ قَالَ «ثُمَّ الصَّالِحُونَ إِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيُبْتَلَي بِالْفَقْرِ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُهُمْ إِلاَّ الْعَبَاءَةَ يُحَوِّيهَا وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيَفْرَحُ بِالْبَلاَءِ كَمَا يَفْرَحُ أَحَدُكُمْ بِالرَّخَاءِ».
فَلَوْ كَانَ الِابْتِلاَءُ هَوَاناً عَلَى اللَّهِ، لَمَا كَانَ الأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ -وَهُمْ صَفْوَةُ الخَلْقِ وَأَحَبُّهُمْ إِلَى اللَّهِ- أَشَدَّ النَّاسِ بَلاَءً وَمِحْنَةً وَصَبْراً،
بَلْ إِنَّ الِابْتِلاَءَ لِلْمُؤْمِنِ الصَّادِقِ المَخْلُصِ مَا هُوَ إِلاَّ كَفَّارَةٌ لِلذُّنُوبِ، وَرَفْعٌ لِلدَّرَجَاتِ، وَتَطْهِيرٌ لِلصُّحُفِ، وَسَوْقٌ لِلْعَبْدِ لِيَبْلُغَ المَنَازِلَ العَالِيَةَ فِي الجَنَّةِ الَّتِي لاَ يَبْلُغُهَا بِعَمَلِهِ،
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية «بِالاِخْتِبَارِ يَتَمَايَزُ النَّاسُ وَتَظْهَرُ حَقَائِقُ الإِيمَانِ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
واعلموا أن للابتلاء حكما عديدة، جاء ذكرها وفهمها من الآيات القرآنية، والأحاديث الشريفة؛ ومنها: تحقيق العبودية لله رب العالمين: قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [الحج:11].
ومنها: أن الابتلاء إعداد للمؤمنين للتمكين في الأرض: فقد قيل للإمام الشافعي رحمه الله: أيهما أفضل: الصبر، أو المحنة، أو التمكين؟ ، فقال: التمكين درجة الأنبياء، ولا يكون التمكين إلا بعد المحنة، فإذا امتُحن صبر، وإذا صبر مُكِّن.
ومنها: أن الابتلاء كفارة للذنوب: ففي سنن الترمذي وغيره: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَا يَزَالُ الْبَلاَءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ».
ومنها: حصول الأجر ورفعة الدرجات: ففي صحيح مسلم: (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ شَوْكَةٍ فَمَا فَوْقَهَا إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً ».
ومنها: أن الابتلاء فرصة للتفكير في العيوب: (عيوب النفس وأخطاء المرحلة الماضية). ومنها: أن البلاء درس من دروس التوحيد والإيمان والتوكل: لتعلم أنك عبد ضعيف، لا حول لك ولا قوة إلا بربك، فتتوكل عليه حق التوكل، وتلجأ إليه حق اللجوء.
ومنها: أن الابتلاء يخرج العجب من النفوس ويجعلها أقرب إلى الله. وفيه إظهار حقائق الناس ومعادنهم، وأن الابتلاء يربي الرجال ويعدهم لتحمل المسؤولية ومعاناة الشدائد.
ومنها: أن الابتلاء يميز للفرد الأصدقاء الحقيقيين وأصدقاء المصلحة. ومنها: أن الابتلاء يذكرك بذنوبك لتتوب منها: قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:30]،
ومنها: أن الابتلاء يذكرك بفضل نعمة الله عليك، والشوق إلى الجنة: فلن تشتاق إلى الجنة إلا إذا ذقت مرارة الدنيا.
أيها المسلمون
والسؤال: فَمَا هُوَ إِذَنْ مَوْقِفُ المُسْلِمِ الحَقِّ عِنْدَ مَوَاضِعِ الِابْتِلاَءِ؟،
والجواب: الصَّبْرُ وَالرِّضَا بِالقَضَاءِ: بأَنْ يَعْلَمَ العَبْدُ أَنَّ أَقْدَارَ اللَّهِ كُلَّهَا حِكْمَةٌ وَعَدْلٌ، فَيَسْتَسْلِمَ لِحُكْمِ رَبِّهِ فَلَا يَسْخَطُ وَلَا يَعْتَرِضُ، بَلْ يَقُولُ: رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبّاً.
وأيضا: حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ وَانْتِظَارُ الفَرَجِ: بأَنْ يَمْلَأَ قَلْبَهُ يَقِيناً بِأَنَّ خَلْفَ كُلِّ قَضَاءٍ حِكْمَةً بَالِغَةً لَا تَهْتَدِي إِلَيْهَا العُقُولُ، وَأَنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً، وَأَنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ.
ومنها: المُحَاسَبَةُ وَالتَّوْبَةُ الصَّادِقَةُ: بأَنْ يَرْجِعَ إِلَى نَفْسِهِ فَيُجَدِّدَ العَهْدَ مَعَ اللَّهِ بِالاسْتِغْفَارِ وَالإِنَابَةِ؛ فَمَا نَزَلَ بَلاَءٌ إِلاَّ بِذَنْبٍ وَلاَ رُفِعَ إِلاَّ بِتَوْبَةٍ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاثْبُتُوا عِنْدَ المَحَكَّاتِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، وَأَنَّ العَاقِبَةَ الحَمِيدَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلْمُتَّقِينَ الصَّابِرِينَ.
الدعاء
