خطبة عن (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ الهُمَزَةِ)
سبتمبر 7, 2026الخطبة الأولى (خُلُقُ الوَفَاءِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) (37) النجم، وقال تعالى: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ) (20) الرعد، وقال تعالى: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا) (7) الانسان، وقال تعالى: «وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا» [الإسراء:34] وقال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» [المائدة:1] وفي الحديث: قال صلى الله عليه وسلم: «اضْمَنُوا لي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمُ الجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ…» [رواه أحمد]
إخوة الإسلام
يا أَرْبَابَ القُلُوبِ الحَيَّةِ، وَالأَسْمَاعِ الوَاعِيَةِ: مَا هِيَ قِيمَةُ الإِنْسَانِ إِذَا تَعَرَّى عَنْ شَرَفِ كَلِمَتِهِ؟ ، وَمَاذَا يَبْقَى مِنَ المَرْءِ إِذَا بَاعَ مَوَاثِيقَهُ فِي سُوقِ المَصَالِحِ الرَّخِيصَةِ؟،
إِنَّنَا اليَوْمَ نَقِفُ أَمَامَ سُورٍ مَنِيعٍ مِنْ أَسْوَارِ الإِيمَانِ، وَخُصْلَةٍ شَرِيفَةٍ مِنْ خِلَالِ المُرُوءَةِ، وخُلُقٌ إِذَا فُقِدَ مِنَ النَّفْسِ، وبَكَتْ عَلَيْهَا الإِنْسَانِيَّةُ، وَإِذَا غَابَ عَنِ المُجْتَمَعِ، تَحَوَّلَتْ حَيَاةُ النَّاسِ إِلَى غَابَةٍ، يَنْهَشُ فِيهَا الذِّئْبُ ظِلَّ صَاحِبِهِ؛ إِنَّهُ خُلُقُ “الوَفَاءِ“.
فالوَفَاءُ- يَا عِبَادَ اللهِ- لَيْسَ كَلِمَةً تَلُوكُهَا الأَلْسُنُ فِي رَخَاءِ المَجَالِسِ، بَلْ هُوَ نَبْضُ النُّفُوسِ الشَّرِيفَةِ، وَشِيْمَةُ القُلُوبِ الأَبِيَّةِ، الَّتِي لَا تَتَبَدَّلُ بِتَبَدُّلِ الأَحْوَالِ، وَلَا تَبِيعُ عُهُودَهَا، بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا زَائِلٍ.
الوَفَاءُ: إِنَّهُ الحِصْنُ الَّذِي يَتَمَثَّلُ فِي حِفْظِ العُهُودِ، وَإِتْمَامِ الوُعُودِ، وَرَدِّ الجَمِيلِ، وَمَنْ عُدِمَ فِيهِ الوَفَاءُ، فَقَدِ انْسَلَخَ مِنْ إِنْسَانِيَّتِهِ، وَإِنْ تَمَشَّى فِي نِعَافِ النَّاسِ، لَابِسًا بُرُودَ الآدَمِيِّينَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
أَلَا فَاعْلَمُوا: أَنَّ اللهَ جَلَّ جَلَالُهُ عَظَّمَ أَمْرَ العَهْدِ، تَعْظِيمًا تَقْشَعِرُّ مِنْهُ الجُلُودُ، فَلَمْ يَجْعَلْهُ أَمْرًا هَامِشِيًّا، بَلْ سَيَقِفُ كُلُّ عَبْدٍ مَسْؤُولًا عَنْهُ يَوْمَ العَرْضِ الأَكْبَرِ؛ واسْمَعُوا إِلَى نِدَاءِ الحَقِّ سُبْحَانَهُ فِي سُورَةِ الإِسْرَاءِ وَهُوَ يَقُولُ: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء: 34]. أَيُّهَا المُنْصِتُ اللَّبِيبُ، كَلِمَةُ {مَسْئُولًا} تَهُزُّ أَرْكَانَ الوِجْدَانِ، فكُلُّ مَوْثِقٍ قَطَعْتَهُ، وَكُلُّ كَلِمَةٍ بَذَلْتَهَا، سَتُسْأَلُ عَنْهَا بَيْنَ يَدَيْ حَكَمٍ عَدْلٍ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ سِرٌّ وَلَا عَلَانِيَةٌ.
وَلِمَاذَا كَانَ الوَفَاءُ بِالعُقُودِ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الإِيمَانِ؟، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى صَدَّرَ بِهِ الأَمْرَ لِأَهْلِ التَّصْدِيقِ، فَقَالَ فِي مَفْتَتَحِ سُورَةِ المَائِدَةِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة:1]. فَمَا طَعْمُ إِيمَانٍ لَا يَحْمِي عَقْدًا؟، وَمَا قِيمَةُ صَلَاةٍ أَوْ صِيَامٍ، إِذَا كَانَ صَاحِبُهَا يَنْقُضُ غَزْلَهُ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا؟،
وَحَذَّرَكُمُ اللهُ تَعَالَى فِتْنَةَ النَّقْضِ بَعْدَ الإِيثَاقِ، فَقَالَ فِي سُورَةِ النَّحْلِ: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا} [النحل:91]. إِنَّهَا دَعْوَةٌ لِأَنْ تَكُونَ كَلِمَةُ المُسْلِمِ كَالنَّقْشِ فِي الحَجَرِ، لَا تَمْحُوهَا عَوَاصِفُ الأَهْوَاءِ.
عِبَادَ اللهِ، إِنَّ النُّفُوسَ تَتُوقُ إِلَى المَقَامَاتِ العُلْيَا، وَمَنْ مِنَّا لَا يَشْتَاقُ إِلَى الجَنَّةِ؟، وَلَكِنَّ الجَنَّةَ لَهَا مَهْرٌ، وَمِنْ أَعْظَمِ مُهُورِهَا الوَفَاءُ.
وتَأَمَّلُوا هَذَا الضَّمَانَ النَّبَوِيَّ العَظِيمَ، الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ: (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «اضْمَنُوا لي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمُ الجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ…» [رواه أحمد].
فيَا لَهُ مِنْ ثَمَنٍ غَالٍ لِعَمَلٍ جَلِيلٍ، فالوَفَاءُ بِالوَعْدِ بَابٌ مَفْتُوحٌ إِلَى رِضْوَانِ اللهِ، وَصِفَةٌ تَرْفَعُ صَاحِبَهَا إِلَى مَرَاتِبِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ لِلْوَفَاءِ شَجَرَةً بَاسِقَةً، تَمْتَدُّ عُرُوقُهَا فِي كُلِّ اتِّجَاهَاتِ الحَيَاةِ، وَأَوَّلُ أَنْوَاعِهِ وَأَعْلَاهَا: الوَفَاءُ للهِ جَلَّ وَعَلَا بِتَوْحِيدِهِ، وَعِبَادَتِهِ الشَّامِلَةِ، ثُمَّ الوَفَاءُ لِرَسُولِهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِالتِزَامِ غَرْزِهِ، وَنَصْرِ سُنَّتِهِ، ثُمَّ الوَفَاءُ لِلنَّاسِ أَجْمَعِينَ؛ بِالوَفَاءِ بِالوَعْدِ، وَالوَفَاءُ بِالعَهْدِ، وَالوَفَاءُ بِالعَقْدِ.
خُلُقُ “الوَفَاءِ“: فَمَنْ نَسْتَلْهِمُ مِنْهُ هَذَا الخُلُقَ؟، إِلَّا بَدْرُ التَّمَامِ، وَمُصْطَفَى الرَّحْمَنِ، (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)؟، فلَقَدْ تَخَلَّقَ الرَّسُولُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِهَذَا الخُلُقِ الكَرِيمِ، تَخَلُّقًا ظَاهِرًا بَيِّنًا يَبْهَرُ العُقُولَ:
فَفِي تَعَامُلِهِ مَعَ رَبِّهِ: كَانَ قَائِمًا بِالعَهْدِ، حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ شُكْرًا،
وَفِي تَعَامُلِهِ مَعَ أَزْوَاجِهِ: لَمْ يَنْسَ وَفَاءَ خَدِيجَةَ (رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) بَعْدَ رَحِيلِهَا بِسَنَوَاتٍ، فَكَانَ يَذْبَحُ الشَّاةَ وَيَقُولُ: “أَرْسِلُوهَا إِلَى أَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ”،
وَفِي تَعَامُلِهِ مَعَ أَصْحَابِهِ: كَانَ(صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الأَبَ الرَّحِيمَ، الَّذِي لَا يَخْذُلُ مَنْ نَصَرَهُ، بَلْ حَتَّى مَعَ أَعْدَائِهِ وَخُصُومِهِ، فَمَا غَدَرَ بِمِيثَاقٍ، وَلَا نَقَضَ صُلْحًا، بَلْ كَانَ القِمَّةَ الشَّامِخَةَ، الَّتِي يَتَعَلَّمُ مِنْهَا البَشَرُ، كَيْفَ تَكُونُ طَهَارَةُ المَوَاثِيقِ، فِي زَمَنِ الحُرُوبِ وَالصِّرَاعَاتِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ
الخطبة الثانية (خُلُقُ الوَفَاءِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وتَعَالَوْا بِنَا لِنَنْزِلَ بِهَذَا الخُلُقِ العَظِيمِ، مِنْ فَلَكِ التَّنْظِيرِ، إِلَى وَاقِعِ الحَيَاةِ، إِلَى أَعْمَاقِ البُيُوتِ وَالأَسْوَاقِ، وَالمُعَامَلَاتِ، لِنَرَى كَيْفَ يَتَجَسَّدُ الوَفَاءُ صُوَرًا حَيَّةً، تُعِيدُ لِلأُمَّةِ بَهَاءَهَا.
فإِنَّ أَوَّلَ صُوَرِ الوَفَاءِ وَأَقْدَسَهَا: الوَفَاءُ بِالعَهْدِ الَّذِي بَيْنَ العَبْدِ وَرَبِّهِ؛ فَلَا يَكُونُ العَبْدُ مُتَذَبْذِبًا، يَذْكُرُ اللهَ فِي الشِّدَّةِ، وَيَنْسَاهُ فِي الرَّخَاءِ، بَلْ يَفِي بِعَهْدِ العُبُودِيَّةِ كَامِلًا، مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ حَنِيفًا.
وَمِنْ صُوَرِ الوَفَاءِ، الَّتِي تُحْفَظُ بِهَا أَمْوَالُ النَّاسِ، وَتَبْقَى بِهَا المُرُوءَاتُ: الوَفَاءُ فِي سَدَادِ الدَّيْنِ؛ فَمَا أَقْبَحَ أَنْ يَمُدَّ لَكَ أَخُوكَ يَدَ المَعُونَةِ فِي كُرْبَتِكَ، فَإِذَا انْفَرَجَتْ كُرْبَتُكَ، قَابَلْتَهُ بِالمَطْلِ، وَالتَّسْوِيفِ وَالتَّهَرُّبِ، فإِنَّ الوَفَاءَ يَقْتَضِي أَنْ تَرُدَّ الحَقَّ إِلَى صَاحِبِهِ، بِشَرَفٍ وَشُكْرٍ.
ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى المِيثَاقِ الغَلِيظِ، الوَفَاءُ بِشُرُوطِ عَقْدِ النِّكَاحِ، هَذِهِ الشُّرُوطُ الَّتِي اسْتَحْلَلْتُمْ بِهَا الفُرُوجَ بِكَلِمَةِ اللهِ، فالوَفَاءُ بِهَا أَوْجَبُ الوَاجِبَاتِ.
وَيَتَّصِلُ بِهِ لُزُومًا الوَفَاءُ بَيْنَ الزَّوجَينِ؛ فَلَا تَكُونُ العِشْرَةُ أَيَّامًا شَهْدًا، ثُمَّ تَنْقَلِبُ جَفَاءً وَخُصُومَةً، بَلْ هُوَ حِفْظٌ لِلْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ، وَسَتْرٌ لِلْعُيُوبِ، وَوَفَاءٌ لِلْعَهْدِ حَتَّى بَعْدَ أَنْ يُوَارِيَ أَحَدَهُمَا التُّرَابُ.
وفِي مَيَادِينِ العَمَلِ وَالكَسْبِ، يَتَجَلَّى الوَفَاءُ بِإِعْطَاءِ الأَجِيرِ أَجْرَهُ؛ فَلَا يُبْخَسُ العَامِلُ الضَّعِيفُ كَدَّهُ، وَلَا يُؤَخَّرُ قُوتُ عِيَالِهِ، بَلْ يُوفَى حَقَّهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ.
وَفِي المُقَابِلِ، نَرَى وَفَاءَ العَامِلِ بِعَمَلِهِ؛ بِأَنْ يُؤَدِّيَ وَظِيفَتَهُ بِأَمَانَةٍ وَإِتْقَانٍ، دُونَ غِشٍّ أَوْ تَسَيُّبٍ، لِأَنَّ الرَّاتِبَ الَّذِي يَأْخُذُهُ هُوَ مُقَابِلُ وَفَائِهِ بِعَقْدِ العَمَلِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَمِنْ شِيَمِ الصَّالِحِينَ: الوَفَاءُ بِالنَّذْرِ؛ فَإِذَا أَوْجَبْتَ عَلَى نَفْسِكَ طَاعَةً للهِ، فَالْتَزِمْ بِهَا.
كَمَا يَمْتَدُّ الوَفَاءُ لِيَكُونَ سِيَاسَةً رَشِيدَةً، فِي الوَفَاءُ بَيْنَ الدُّوَلِ فِي المُعَاهَدَاتِ وَالمَوَاثِيقِ؛ فَالإِسْلَامُ لَا يَعْرِفُ الغَدْرَ السِّيَاسِيَّ، وَلَا يَقْبَلُ نَقْضَ العُهُودِ الدُّوَلِيَّةِ، تَحْتَ أَيِّ ذَرِيعَةٍ.
وَمَا أَحْوَجَ أَسْوَاقَنَا اليَوْمَ إِلَى الوَفَاءُ فِي الكَيْلِ وَالمِيزَانِ، وأَنْ نَزِنَ بِالقِسْطَاسِ المُسْتَقِيمِ، وَلَا نَكُونَ مِمَّنْ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ. وَيَتَوَّجُ ذَلِكَ كُلُّهُ بِالوَفَاءِ بِأَدَاءِ الأَمَانَاتِ وَرَدِّ الوَدَائِعِ إِلَى أَهْلِهَا؛ لِتَبْقَى الثِّقَةُ بَيْنَ العِبَادِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
فاجْعَلُوا النُّطْقَ مِيثَاقًا عَبْرَ الوَفَاءِ بِالوُعُودِ، فَالخُلْفُ فِيهَا مَنْقَصَةٌ وَبِدَايَةُ النِّفَاقِ.
وَاخْتِمُوا ذَلِكَ بِالوَفَاءِ بِالأَيْمَانِ؛ فَلَا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ، تَقْطَعُونَهَا ثُمَّ تَنْقُضُونَهَا هُزُؤًا وَلَعِبًا.
واعلموا أنَّ الوَفَاءَ هُوَ رُوحُ الحَيَاةِ، فَإِذَا مَاتَ الوَفَاءُ مَاتَتِ الثِّقَةُ، وَإِذَا مَاتَتِ الثِّقَةُ تَمَزَّقَتِ الأُمَّةُ. فَاتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مِنَ الأَوْفِيَاءِ، لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.
[الدُّعَاءُ]
