خطبة عن «صَّبْرُ النبي عَلَى الأَذَى وَحُسْنُ العَاقِبَةِ»
سبتمبر 3, 2026الخطبة الأولى (المَوَازِينُ الإِلَهِيَّةُ بَيْنَ الفَضْلِ وَالعَدْلِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
روى الامام البخاري في صحيحه: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلاَمَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا»،
وفي رواية له: (أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلاَمُهُ يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا ،وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلاَّ أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا».
إخوة الإسلام
حديثنا اليَوْمَ بِحَوْلِ اللهِ وَتَوْفِيقِهِ عن: حَدِيثٍ نَبَوِيٍّ جَلِيلٍ، يَكْشِفُ لَنَا عَنْ كَرَمِ اللهِ الوَاسِعِ، وَيُؤَسِّسُ لِمِيزَانِ الحِسَابِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيُبَيِّنُ الشَّرْطَ الأَعْظَمَ لِمَحْوِ المَاضِي، وَمَضَاعَفَةِ الحَسَنَاتِ.
يَقُولُ رَسُول اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَسْلَمَ العَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ يُكَفِّرُ اللهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ القِصَاصُ: الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلاَّ أَنْ يَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهَا».
فتَأَمَّلُوا هَذِهِ البُشْرَى النَّبَوِيَّةَ العَظِيمَةَ، الَّتِي تَفْتَحُ أَبْوَابَ الأَمَلِ، لِكُلِّ مَنْ أَسْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ، وَتُرْسِي قَوَاعِدَ التَّعَامُلِ مَعَ الـمَوْلَى جَلَّ وَعَلَا.
فالنَّبِيَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَرْبُطُ المَغْفِرَةَ الشَّامِلَةَ لِمَا سَبَقَ، بِشَرْطٍ بَالِغِ الأَهَمِّيَّةِ، أَلَا وَهُوَ: «فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ». فَلاَ يَكْفِي مُجَرَّدُ الِانْتِسَابِ الظَّاهِرِ، بَلْ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ الإِسْلَامُ صَادِقًا، مُسْتَقِرًّا فِي القَلْبِ، مُصَدَّقًا بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، خَالِصًا مِنَ الرِّيَاءِ وَالنِّفَاقِ.
فتَعَالَوْا بِنَا نَسْتَخْرِجُ أَهَمَّ القَوَاعِدِ العَقَدِيَّةِ وَالتَّرْبَوِيَّةِ الَّتِي أَرَسَاهَا هَذَا الحَدِيثُ الشَّرِيفُ: أَوَّلًا: حُسْنُ الإِسْلَامِ يَمْحُو المَاضِيَ بِكَلِّ مَا فِيهِ: فمَعْنَى قَوْلِهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «يُكَفِّرُ اللهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَفَهَا»؛ أَيْ كُلَّ جَرِيمَةٍ، أَوْ ذَنْبٍ، أَوْ خَطِيئَةٍ، قَدَّمَهَا وَأَسْلَفَهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، أَوْ قَبْلَ تَوْبَتِهِ وَإِحْسَانِهِ، فإِنَّ حُسْنَ الإِسْلَامِ، وَالتَّوْبَةَ النَّصُوحَ، يَهْدِمَانِ مَا قَبْلَهُمَا مِنَ الآثَامِ،
كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال:38].
وفي صحيح مسلم : (أن عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَالَ: …فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الإِسْلاَمَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقُلْتُ ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلأُبَايِعْكَ. فَبَسَطَ يَمِينَهُ – قَالَ – فَقَبَضْتُ يَدِي. قَالَ «مَا لَكَ يَا عَمْرُو». قَالَ قُلْتُ أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ. قَالَ «تَشْتَرِطُ بِمَاذَا». قُلْتُ أَنْ يُغْفَرَ لِي. قَالَ «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلاَمَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ».
بَلْ مِنْ عِظَمِ كَرَمِ اللهِ، أَنْ يُحَوِّلَ تِلْكَ السَّيِّئَاتِ المَاضِيَةَ إِلَى حَسَنَاتٍ، إِذَا صَدَقَتِ التَّوْبَةُ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70) وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا} (70)، (71) الفرقان.
ثَانِيًا: المِيزَانُ الإِلَهِيُّ بَيْنَ العَدْلِ وَالفَضْلِ: فيُبَيِّنُ الحَدِيثُ كَيْفَ يُعَامِلُ اللهُ عِبَادَهُ بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَتَوْبَتِهِمْ؛ حَيْثُ يُجْرِي عَلَيْهِمُ “القِصَاصَ” وَالحِسَابَ العَادِلَ الكَرِيمَ:
فمَقَامُ الفَضْلِ وَالمَضَاعَفَةِ: «الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ»، بَلْ وَإِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ اللهُ؛ وَهَذَا لُطْفٌ إِ لَهِيٌّ يَعْكِسُ اتِّسَاعَ رَحْمَةِ اللهِ الَّتِي سَبَقَتْ غَضَبَهُ.
وأما مَقَامُ العَدْلِ وَالرَّحْمَةِ: «وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا»؛ فَاللهُ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، فَلاَ يُضَاعِفُ السَّيِّئَةَ أَبَدًا، بَلْ يُجَازِي عَلَيْهَا بِمِثْلِهَا عَدْلًا.
ومَقَامُ العَفْوِ وَالتَّجَاوُزِ: «إِلاَّ أَنْ يَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهَا»؛ فَمَعَ أَنَّهَا سَيِّئَةٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنَّ العَبْدَ تَهَبُهُ رَحْمَةُ اللهِ فَيَعْفُو عَنْهَا وَيَسْتُرُهَا بِمَشِيئَتِهِ وَمَغْفِرَتِهِ.
ثَالِثًا: خَطَرُ الهَلَاكِ لِمَنْ غَلَبَتْ آحَادُهُ عَشَرَاتِهِ: فإِذَا كَانَتِ الحَسَنَةُ تُضَاعَفُ عَشْرًا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ تُكْتَبُ وَاحِدَةً ثُمَّ قَدْ يُعْفَى عَنْهَا، فَيَا لَخَسَارَةِ وَهَلَاكِ مَنْ تَكُونُ سَيِّئَاتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَكْثَرَ مِنْ حَسَنَاتِهِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: “يَا وَيْلَ مَنْ غَلَبَتْ آحَادُهُ عَشَرَاتِهِ!”.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (المَوَازِينُ الإِلَهِيَّةُ بَيْنَ الفَضْلِ وَالعَدْلِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ هَذَا التَّوْجِيهَ النَّبَوِيَّ العَظِيمَ، يُمَثِّلُ دَاعِيًا لِلأَمَلِ، وَمُحَرِّكًا لِلْهِمَمِ، لِإِصْلَاحِ البَوَاطِنِ وَالظَّوَاهِرِ، وَعَدَمِ اليَأْسِ مِنْ رَوْحِ اللهِ، مَهْمَا عَظُمَتِ الذُّنُوبُ السَّابِقَةُ.
فَكَيْفَ نُحَقِّقُ “حُسْنَ الإِسْلَامِ” الَّذِي ذَكَرَهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي حَيَاتِنَا اليَوْمِيَّةِ؟،
والجواب: أولا: إِخْلَاصُ التَّوْحِيدِ وَالِابْتِعَادُ عَنِ المُنْكَرَاتِ: فحُسْنُ الإِسْلَامِ يَبْدَأُ مِنْ إِصْلَاحِ السَّرِيرَةِ، وَتَطْهِيرِ القَلْبِ مِنَ الشِّرْكِ وَالرِّيَاءِ، وَكَمَالِ الِاتِّبَاعِ لِلنَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ). كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ الآخَرِ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الـمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ» [رواه الترمذي]؛
فَالمُسْلِمُ الحَسَنُ الإِسْلَامِ يَشْتَغِلُ بِمَا يُصْلِحُ دِينَهُ وَدُنْيَاهُ، وَيَكُفُّ لِسَانَهُ وَجَوَارِحَهُ عَنْ أَعْرَاضِ النَّاسِ وَالحَرَامِ.
ثانيا: الِاسْتِكْثَارُ مِنَ الحَسَنَاتِ لِتَعْظِيمِ المَضَاعَفَةِ: فاسْتَغِلُّوا هَذَا المَوْسِمَ الإِلَهِيَّ لِلْمَضَاعَفَةِ، فكَرِّرُوا الطَّاعَاتِ، وَأَكْثِرُوا مِنْ صَدَقَاتِ السِّرِّ، وَذِكْرِ اللهِ، وَصِلَةِ الأَرْحَامِ، وَإِغَاثَةِ المَلْهُوفِينَ. فَإِنَّ الدَّرَجَةَ فِي الجَنَّةِ تَعْلُو بِمِقْدَارِ إِخْلَاصِ العَبْدِ، الَّذِي يُضَاعِفُ اللهُ بِهِ الحَسَنَاتِ، مِنْ عَشْرٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ.
ثالثا: المُبَادَرَةُ بِالتَّوْبَةِ وَعَدَمُ الِاسْتِهَانَةِ بِالصَّغَائِرِ: فلاَ تَقُلْ: “ذَنْبِي كَبِيرٌ لاَ يُغْفَرُ”، فَبَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ، وَحُسْنُ الإِسْلَامِ يَمْحُو كُلَّ مَا كَانَ زَلَفَهُ العَبْدُ.
وَفِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، احْذَرُوا الِاسْتِهَانَةَ بِالسَّيِّئَاتِ، وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً؛ فَإِنَّ المُصِرَّ عَلَيْهَا قَدْ تَتَجَمَّعُ عَلَيْهِ حَتَّى تُهْلِكَهُ، ففي مسند أحمد وغيره: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ». وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلاً كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلاَةٍ فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ حَتَّى جَمَعُوا سَوَاداً فَأَجَّجُوا نَاراً وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا). فَاسْأَلُوا اللهَ دَائِمًا العَفْوَ وَالتَّجَاوُزَ.
وَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَأَحْسِنُوا إِسْلَامَكُمْ، وَجَدِّدُوا تَوْبَتَكُمْ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ رَبِّكُمْ؛ فَإِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، الجَوَادُ الكَرِيمُ.
[الدُّعَاءُ]
