خطبة عن (حَقِيقَةُ المَحَبَّةِ النَّبَوِيَّةِ)
أغسطس 25, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (مِيلَادُ الرَّسُولِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:151).
إخوة الإسلام
إِنَّ النَّظَرَ فِي مِيلَادِ الرَّسُولِ محمد- ﷺ- لَيْسَ جَلاَءً لِحَدَثٍ زَمَنِيٍّ عَابِرٍ مَضَى وَانْقَضَى فِي غَيَاهِبِ التَّارِيخِ، بَلْ هُوَ وِلاَدَةٌ لِلأُمَّةِ الإِنْسَانِيَّةِ بِأَكْمَلِهَا، وَانْبِثَاقٌ لِنُورِ الحَقِّ، الَّذِي بَدَّدَ ظُلُمَاتِ الجَاهِلِيَّةِ وَالضَّلاَلِ،
فلَقَدْ كَانَ العَالَمُ قَبْلَ مَقْدَمِهِ ﷺ يَمُوجُ فِي رَكَّامٍ مِنَ الشِرْكِ، وَالعَصَبِيَّةِ، وَظُلْمِ الإِنْسَانِ لأَخِيهِ الإِنْسَانِ؛ وكَانَتِ العُقُولُ مُسْتَبَدّاً بِهَا لِلأَوْثَانِ وَالأَهْوَاءِ، وَكَانَتِ القُلُوبُ قَاسِيَةً، تَطَأُ الضَّعِيفَ وَتَهْضِمُ حَقَّ المَرْأَةِ، وَتَفْتَخِرُ بِسَفْكِ الدِّمَاءِ،
فَأَذِنَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلأَرْضِ أَنْ تُشْرِقَ بِنُورِ رَبِّهَا، وَأَنْ يَخْرُجَ هَذَا النَّبِيُّ الأُمِّيُّ مِنْ قَلْبِ الصَّحْرَاءِ، لِيَعُودَ لِلإِنْسَانِيَّةِ رُشْدُهَا، وَلِلتَّوْحِيدِ صَفَاؤُهُ، وَلِلأَخْلاَقِ جَلاَلُهَا،
فكَيْفَ لاَ تُسْتَجَاشُ القُلُوبُ ذِكْراً وَشُكْراً لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ العُظْمَى؟، وَكَيْفَ لاَ يَقِفُ المَرْءُ مُتَأَمِّلاً فِي حِكْمَةِ اللَّهِ الَّتِي اصْطَفَتْ نبيه مُحَمَّداً ﷺ لِيَكُونَ خَاتَمَ الأَنْبِيَاءِ، وَسَيِّدَ المُرْسَلِينَ؟، ففي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ المَغَانِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَهُوراً وَمَسْجِداً، وَأُرْسِلْتُ إِلَى الخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ»،
وفيه أيضا: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ ».وفي رواية للترمذي: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ فَخْرَ وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ وَلاَ فَخْرَ وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ إِلاَّ تَحْتَ لِوَائِي وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ وَلاَ فَخْرَ»
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإذا نظرنا إلى واقعنا المعاصر، وحللنا السُّلُوك البَشَرِي فِي تَعَامُلِهِ مَعَ حَدَثِ المِيلَادِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ، فإنه يَكْشِفُ عَنْ الفَارِقِ الشَّاسِعِ بَيْنَ مَنْ يَسْتَوْعِبُ غَايَةَ البِعْثَةِ، وَبَيْنَ مَنْ يَفْهَمُهَا فَهْماً سَطْحِيّاً مُجَرَّداً، فالإِنْسَانُ فِي طَبِيعَتِهِ المَيَّالَةِ لِلرَّكُونِ إِلَى المَظَاهِرِ، قَدْ يَسْتَفْرِغُ طَاقَتَهُ فِي العَواطِفِ المَوسِمِيَّةِ، بَيْنَمَا يَغْفَلُ عَنِ المَغْزَى الأَعْظَمِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ وُلِدَ النَّبِيُّ ﷺ وَبُعِثَ، وَهُوَ تَحْقِيقُ العُبُودِيَّةِ الكَامِلَةِ لِلَّهِ، وَاخْتِرَاقُ حُجُبِ الهَوَى، وَالتَّشَرُّعُ بِشَرِيعَتِهِ،
فإِنَّ المِيلَادَ الحَقِيقِيَّ فِي حَيَاةِ المُسْلِمِ، هُوَ يَوْمَ يَتَجَدَّدُ فِي قَلْبِهِ الاِتِّبَاعُ لِهَذَا الرَّسُولِ الكَرِيمِ، وَيَوْمَ يَتَخَلَّصُ مِنْ جَاهِلِيَّةِ السُّلُوكِ، وَكِبْرِ النَّفْسِ، وَشَحِّ المَالِ، وَظُلْمِ العِبَادِ،
وانْظُرُوا كَيْفَ غَيَّرَ هَذَا المِيلَادُ مُجْرَيَاتِ التَّارِيخِ في الرعيل الأول؛ فَبَعْدَ أَنْ كَانَتِ العَرَبُ أُمَّةً مُتَشَاحِنَةً ضَائِعَةً فِي جَاهِلِيَّتِهَا، صَارَتْ بِفَضْلِ الرَّسُولِ ﷺ أُمَّةً هَادِيَةً مَهْدِيَّةً تَحْمِلُ النُّورَ وَالعَدْلَ لِلْعَالَمِينَ،
وصدق الله العظيم إذ يقول في محكم آياته: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (آل عمران:164).
وفي الحديث: (عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنِّي عِنْدَ اللَّهِ فِي أُمِّ الكِتَابِ لَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَسَأُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ: دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى، وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ حِينَ وَلَدَتْنِي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ» (رواه أحمد وصححه ابن حبان).
إِنَّ هَذَا النُّورَ الَّذِي خَرَجَ بِمِيلَادِهِ -ﷺ-، هُوَ النُّورُ الَّذِي بَدَّدَ ظُلُمَاتِ الجَهْلِ وَالكَفْرِ، وَهُوَ الهَدْيُ الَّذِي بَقِيَ مَحْفُوظاً لاَ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ التَّبْدِيلُ أَوْ التَّحْرِيفُ،
فتَأَمَّلُوا فِي شَخْصِيَّتِهِ ﷺ حِينَ خَرَجَ لِلنَّاسِ؛ كَانَ أَعْظَمَ النَّاسِ حِلْماً، وَأَصْدَقَهُمْ لَهْجَةً، وَأَعْظَمَهُمْ أَمَانَةً، حَتَّى لَقَّبَهُ قَوْمُهُ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ بِـ “الأَمِينِ”،
فمِيلادُهُ -ﷺ-، لَمْ يَكُنْ فَقَطْ مِيلادَ جَسَدٍ شَرِيفٍ، بَلْ كَانَ مِيلَادَ أُمَّةٍ، وَمِيلَادَ عَقْلٍ بَشَرِيٍّ حُرٍّ، يَعْبُدُ خَالِقَهُ، وَلاَ يَرْكَعُ لِلْمَخْلُوقِينَ،
وقد شكر الرسول صلى الله عليه وسلم ربه على نعمة ميلاده، ونعمة بعثته، ففي الحديث: (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الاِثْنَيْنِ فَقَالَ: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ – أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ -» (رواه مسلم).
فإِنَّ التَّعْبِيرَ النَّبَوِيَّ عَنْ شُكْرِ نِعْمَةِ المِيلَادِ والبعثة جَاءَ صَرِيحاً فِي هَذَا الحَدِيثِ الشَّرِيفِ الشَّاهِدِ؛ إِذْ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ شُكْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ بِالعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ وَصِيَامِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وَلَمْ يَكُنْ بِالأَهْوَاءِ أَوْ الاِبْتِدَاعِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ الصِّلَةَ الحَقِيقِيَّةَ بِمِيلَادِ المُنَوَّرِ ﷺ، تَسْتَوْجِبُ مِنَّا أَنْ نَقِفَ مَعَ أَنْفُسِنَا وَقْفَةَ حَاسِمَةً، ونقول: كَيْفَ هِيَ سُنَّتُهُ فِي بُيُوتِنَا؟، وكَيْفَ هِيَ طَاعَتُهُ فِي مُعَامَلاَتِنَا؟، وهَلْ نَحْنُ نَفْرَحُ بِهِ اتِّبَاعاً وَاقْتِفَاءً، أَمْ نَكْتَفِي بِالأَلْسِنَةِ دُونَ العَمَلِ؟، فقد قال تعالى: (وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (158) الأعراف،
فأمر الله تعالى باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته، وجعل ذلك سبيلًا وطريقًا إلى محبته، فقال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) (آل عمران:31)، وقال تعالى: (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (النور:56)، وقال تعالى: (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) (النور:54).
وجعل الله طاعة الرسول من طاعته، فقال تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) (النساء:80)، وأمر الله تعالى بقبول كل ما جاء به الرسول – صلى الله عليه وسلم-، قَبول الأخبار بالتصديق، وقَبول الأحكام بالإذعان والانقياد، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ الحشر: (7)،
ولذلك حقٌّ على كل مؤمن يؤمن بالله ورسوله أن يلزم ما جاء به – صلى الله عليه وسلم -، وألَّا يخرج عن هديه، لا في السرّ ولا في العلن، ولا في عقيدة ولا في عمل، بل هو على طريقه – صلى الله عليه وسلم-؛ فإنَّ طريقه هو المُوصِل إلى كل سعادةٍ في الدنيا، وفوزٍ في الآخرة.
وإذا كان الله تبارك وتعالى قد أمر بطاعته صلى الله عليه وسلم، فقد حذَّر الله تعالى من مخالفة ما جاء به النبي محمد- صلى الله عليه وسلم – في العقائد والأعمال، فقال سبحانه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ النور 63،
وجعل الله تعالى الخروج عن سبيله صلى الله عليه وسلم ومُشاقة منهجه سببًا من أسباب العقوبة بالنار، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ النساء 115.
فالفوز والنجاة في لزوم ما كان عليه النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه الكرام؛ فالزموا هديه، وليكن إمامًا لكم في الدقيق والجليل، فصلوا كما رأيتموه يصلي، وصوموا كما صام، وزكوا كما زكَّى، وخذوا عنه – صلى الله عليه وسلم – أعمال عباداتكم كلها؛ فإنه –صلى الله عليه وسلم – لم يترك خيرًا إلا دلَّكم عليه، ولا شرًّا إلا حذَّركم منه.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية (مِيلَادُ الرَّسُولِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ويقول اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (يونس:58). فَإِنَّ أَعْظَمَ رَحْمَةٍ أَهْدَاهَا اللَّهُ لِلْبَشَرِيَّةِ هِيَ هَذَا النَّبِيُّ الكَرِيمُ ﷺ، وَإِنَّ الفَرَحَ الحَقِيقِيَّ بِهِ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِنُصْرَةِ دِينِهِ، وَإِحْيَاءِ سُنَّتِهِ، وَالدَّعْوَةِ إِلَى شَرِيعَتِهِ، وَالتَّخَلُّقِ بِأَخْلاَقِهِ الشَّرِيفَةِ.
فإِنَّ المِيلَادَ النَّبَوِيَّ يَسْتَوقد فِي القُلُوبِ الهِمَمَ، لِتَكُونَ هَذِهِ الأُمَّةُ كَمَا أَرَادَهَا اللَّهُ: أُمَّةً شَاهِدَةً عَلَى العَالَمِينَ، تُقِيمُ العَدْلَ، وَتَنْشُرُ الرَّحْمَةَ، وَتَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ، وَتَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ.
وفي الحديث: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (رواه البخاري ومسلم).
فَحُبُّ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ ادِّعَاءً خَالِياً مِنَ البُرْهَانِ، بَلْ هُوَ انْقِيَادٌ كَامِلٌ، وَتَقْدِيمٌ لِأَمْرِهِ عَلَى أَهْوَاءِ النُّفُوسِ وَآَرَاءِ الرِّجَالِ، فَمَنْ أَحَبَّهُ صَدَقاً حَكَّمَ شَرِيعَتَهُ فِي نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ، وَتَشَبَّهَ بِأَخْلاَقِهِ فِي الرِّضَا وَالَغَضَبِ، وَحَرَصَ عَلَى تَعْلِيمِ أَبْنَائِهِ سِيرَتَهُ، لِيَكُونُوا أَمْتِدَاداً لِهَذَا النُّورِ الَّذِي أَشْرَقَ بِمِيلَادِهِ. ففي الحديث: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» (رواه البخاري ومسلم).
ويقول ابن القيم (رحمه الله): (الحياة الحقيقية الطيبة، هي حياة من استجاب لله ولرسوله ظاهراً وباطناً، فهؤلاء هم الأحياء وإن ماتوا، وغيرهم أموات وإن كانوا أحياء الأبدان)،
ولهذا كان أكمل الناس حياة أكملهم استجابة لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن كل ما دعا إليه بقية الحياة، فمن فاته جزء منه فاته جزء من الحياة، وفيه من الحياة بحسب ما استجاب للرسول،
ففي صحيح مسلم: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لاَ يُؤْمَرُونَ فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ».
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَعَظِّمُوا حَقَّ نَبِيِّكُمْ ﷺ، وَاتَّبِعُوا نُورَهُ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ، وَاجْعَلُوا مِنْ ذِكْرَى مِيلَادِهِ المَجِيدِ مُنْطَلَقاً لِلتَّوْبَةِ الصَّادِقَةِ، وَالعَوْدَةِ الحَمِيدَةِ إِلَى صِرَاطِ اللَّهِ المُسْتَقِيمِ، لِتَفُوزُوا بِمُصَاحَبَتِهِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَتَشْرَبُوا مِنْ حَوْضِهِ الشَّرِيفِ شَرْبَةً لاَ تَظْمَئُونَ بَعْدَهَا أَبَداً.
الدعاء
