خطبة عن (خُلُقُ العِفَّةِ وَالتَّعَفُّفِ)
أغسطس 5, 2026الخطبة الأولى (الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ وفَضَائِلِهُا)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (56) الأحزاب. وفي صحيح مسلم: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَىَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لاَ تَنْبَغِي إِلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ».
إخوة الإسلام
إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَصَّ نَبِيَّهُ وَصَفِيَّهُ مُحَمَّدًا (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِمَقَامَاتٍ عَلِيَّة، وَمَرَاتِبَ سَنِيَّةٍ، وَأَمَرَنَا بِأَمْرٍ بَدَأَ فِيهِ بِنَفْسِهِ، وَثَنَّى بِمَلَائِكَتِهِ، وأمر الـمُؤْمِنِينَ به، فَقَالَ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (56) الأحزاب،
والصَّلاَة مِنَ اللهِ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ لَيْسَتْ كَصَلاَةِ الـمَخْلُوقِينَ؛ بَلْ هِيَ كَمَا قَالَ أَبُو العَالِيَةِ وَجَمْعٌ مِنَ الـسَّلَفِ: “ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الـمَلَائِكَةِ الـمُقَرَّبِينَ، وَإِعْلَاءُ ذِكْرِهِ، وَإِظْهَارُ شَرَفِهِ وَفَضْلِهِ”.
وَصَلَاةُ الـمَلَائِكَةِ عَلَيْهِ هِيَ: الـدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُ.
أَمَّا صَلَاتُنَا نَحْنُ المَخْلُوقِينَ عَلَيْهِ، فَهِيَ: طَلَبُنَا مِنَ اللهِ تَعَالَى أَنْ يُثْنِيَ عَلَى نَبِيِّهِ، وَأَنْ يَزِيدَهُ تَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَرَفْعَةً فِي الـدُّنْيَا وَالآخِرَةِ!، فَأَنْتَ حِينَ تَقُولُ: “اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ”، فَأَنْتَ تَبْتَهِلُ إِلَى الـمَلِكِ الـعَظِيمِ، أَنْ يُفِيضَ عَلَى هَذَا الـرَّسُولِ الـكَرِيمِ مِنْ ثَنَائِهِ وَإِكْرَامِهِ مَا هُوَ أَهْلٌ لَهُ!.
وقال ابن القيم – رحمه الله – في ” جلاء الأفهام “: والمعنى: أنه إذا كان الله وملائكته يصلون على رسول الله، فصلوا أنتم أيضـًا عليه، فأنتم أحق بأن تصلوا عليه وتسلموا تسليمـًا؛ لما نالكم ببركة رسالته، ويُمْنِ سفارته، من خير شرف الدنيا والآخرة.
(فالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ) (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): يَا لَهَا مِنْ مَكْرُمَةٍ جَلِيلَةٍ، وَعِبَادَةٍ خَالِدَةٍ، تَسْتَجْلِبُ الـرَّحَمَاتِ، وَتَرْفَعُ الـدَّرَجَاتِ، وَتُغْفرُ بها الـزَّلَّاتِ!،
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
أما عن فَضَائِل الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): فإِنَّ الـفَضَائِلَ الَّتِي حَفَّتْ بِهَذِهِ الـعِبَادَةِ الـجَلِيلَةِ لاَ تُحْصَى، وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِهَا: أن يصلي الله تعالى على من صلى عليه: وشاهد ذلك مَا رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا»!،
فتَأَمَّلُوا هَذِهِ الـمُعَادَلَةَ الإِيمَانِيَّةَ الـعَجِيبَةَ!، فصَلَاةٌ وَاحِدَةٌ مِنْكَ، وَأَنْتَ الـعَبْدُ الـضَّعِيفُ الـفَقِيرُ، يُقَابِلُهَا عَشْرُ صَلَوَاتٍ مِنَ اللهِ الـعَظِيمِ الـقَادِرِ!،
وَمَاذَا تَعْنِي صَلَاةُ اللهِ عَلَيْكَ؟!، تَعْنِي ثَنَاؤهُ عَلَيْكَ فِي الـمَلَأِ الأَعْلَى، وَرَحْمَتهُ الَّتِي تَغْمُرُكَ، وَنُورهُ الَّذِي يَسْعَى بَيْنَ يَدَيْكَ، وَتَوْفِيقهُ الَّذِي يُلاَزِمُكَ فِي كُلِّ شَأْنِكَ!.
وفي مسند أحمد: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَتَوَجَّهَ نَحْوَ صَدَقَتِهِ فَدَخَلَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَخَرَّ سَاجِداً فَأَطَالَ السُّجُودَ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَبَضَ نَفْسَهُ فِيهَا فَدَنَوْتُ مِنْهُ ثُمَّ جَلَسْتُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ «مَنْ هَذَا». قُلْتُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. قَالَ «مَا شَأْنُكَ». قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَجَدْتُ سَجْدَةً خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ قَبَضَ نَفْسَكَ فِيهَا. فَقَالَ «إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَتَانِي فَبَشَّرَنِي فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ وَمَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَسَجَدْتُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ شُكْراً».
ومن فَضَائِل الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): أن المصلي ينال الأجر العظيم: ففي سنن الترمذي: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ ..).
ومن فَضَائِل الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): أَنَّهَا سَبَبٌ لِقَبُولِ الـدُّعَاءِ؛ فَقَدْ سَمِعَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رَجُلًا يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ، لَمْ يُمَجِّدِ اللهَ تَعَالَى، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَقَالَ: «عَجِلَ هَذَا»، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَمْجِيدِ رَبِّهِ جَلَّ وَعَزَّ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ» رواه أحمد.
ومن فَضَائِل الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): أن المصلي عليه ينال شفاعته يوم القيامة: ففي صحيح مسلم: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَىَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لاَ تَنْبَغِي إِلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ».
ومن فَضَائِل الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): أن الملائكة تصلي على من صلى عليه: ففي مسند أحمد: (أن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَخْطُبُ يَقُولُ «مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلاَةً لَمْ تَزَلِ الْمَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا صَلَّى عَلَيَّ فَلْيُقِلَّ عَبْدٌ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لِيُكْثِرَ».
وروى الطبراني بسند حسنه الألباني عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قال رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكْثِرو الصَّلاة عليَّ يوم الجمعة؛ فإنه أتاني جبريلُ آنِفاً عن ربه عز وجل فقال: ما على الأرض من مسلم يُصلِّي عليك مرَّة واحدةً؛ إلا صلَّيْت أنا وملائكتي عليه عشراً».
ومن فَضَائِل الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): أن الصلاة على النبي في يوم الجمعة معروضة عليه: فقد روى أبو داود، وأحمد، بإسناد صحيح: (عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ»، قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ، وَقَدْ أَرِمْتَ، قَالَ: يَقُولُونَ: بَلِيتَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ».
وروى ابن ماجة عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ فَإِنَّهُ مَشْهُودٌ، تَشْهَدُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَإِنَّ أَحَدًا لَنْ يُصَلِّيَ عَلَيَّ، إِلَّا عُرِضَتْ عَلَيَّ صَلَاتُهُ، حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا» قَالَ: قُلْتُ: وَبَعْدَ الْمَوْتِ؟ قَالَ: «وَبَعْدَ الْمَوْتِ، إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ».
وفي مصنف ابن أبي شيبة عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ قَالَ: «إِنَّ مَلَكًا مُؤَكَّلٌ بِمَنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَلِّغَ عَنْهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ فُلَانًا مِنْ أُمَّتِكَ صَلَّى عَلَيْكَ».
ومن فَضَائِل الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): أن أكثر الناس صلاة على النبي أقربهم منه منزلة: روى البيهقي بسند حسنه الألباني: (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ؛ فَإِنَّ صَلَاةَ أُمَّتِي تُعْرَضُ عَلَيَّ فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ، فَمَنْ كَانَ أَكْثَرَهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً كَانَ أَقْرَبَهُمْ مِنِّي مَنْزِلَةً».
ومن فَضَائِل الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): شهادة النبي وشفاعته لمن صلى عليه يوم الجمعة: روى البيهقي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أكثروا عليَّ الصلاة في يوم الجمعة وليلة الجمعة، فمن فعل ذلك كنت له شهيداً أو شافعاً يوم القيامة»، وروى الترمذي عَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً».
ومن فَضَائِل الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): أن صلاتنا تبلغه: ففي سنن أبي داود وغيره: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «لاَ تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا وَلاَ تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا وَصَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ تَبْلُغُني حَيْثُ كُنْتُمْ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
أما عن كَيْفِيَّةُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): فلَقَدْ حَرَصَ الـصَّحَابَةُ الـكِرَامُ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ) عَلَى أَنْ يَتَلَقَّوْا هَذِهِ الـعِبَادَةَ مِنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ مُبَاشَرَةً؛ (فَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمَّا السَّلَامُ عَلَيْكَ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»،
فهَذِهِ هِيَ الـصِّيغَةُ الإِبْرَاهِيمِيَّةُ الـكِامِلَةُ، الَّتِي نُرَدِّدُهَا فِي تَشَهُّدِنَا، وَيَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُصَلِّيَ بِأَيِّ صِيغَةٍ صَحِيحَةٍ ثَبَتَتْ، أَوْ أَنْ يَقُولَ الـمُسْلِمُ فِي صَبَاحِهِ وَمَسَائِهِ: “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ”، أَوْ “اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ”؛ فَكُلُّهَا خَيْرٌ وَبَرَكَةٌ، وَالأَفْضَلُ هُوَ الِالتِزَامُ بِالـمَأْثُورِ الـشَّرْعِيِّ!.
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَأَكْثِرُوا مِنَ الصَّلاَةِ عَلَى نَبِيِّكُمْ فَمَا خَابَ مَنْ لَهَجَ لِسَانُهُ بِذِكْرِهِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ وفضائلها)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
أما عن فَوَائِد الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَثَمَرَاتُهَا: فتَأَمَّلُوا فِي هَذَا الحَدِيثِ العَجِيبِ، الَّذِي يَرْوِيهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، كما في سنن الترمذي: (عَنِ الطُّفَيْلِ بْنِ أُبَىِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ اذْكُرُوا اللَّهَ جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ». قَالَ أُبيٌّ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلاَةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلاَتِي فَقَالَ «مَا شِئْتَ». قَالَ قُلْتُ الرُّبُعَ. قَالَ «مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». قُلْتُ النِّصْفَ. قَالَ «مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». قَالَ قُلْتُ فَالثُّلُثَيْنِ. قَالَ «مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ». قُلْتُ أَجْعَلُ لَكَ صَلاَتِي كُلَّهَا. (أَيْ أِجْعَلُ
دُعَائِي كُلَّهُ صَلَاةً عَلَيْكَ)؟! قَالَ «إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ».
فأول فَوَائِد الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): كِفَايَةُ الـهُمُومِ: فكُلُّ هَمٍّ يَعْتَرِيكَ فِي رِزْقِكَ، أَوْ في صِحَّتِكَ، أَوْ في أَهْلِكَ، أَوْ وَلَدِكَ، يَكْفِيكَ اللهُ إِيَّاهُ بِبَرَكَةِ صَلَاتِكَ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)!
وثاني فَوَائِد الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): غُفْرَانُ الـذُّنُوبِ: فكُلُّ ذَنْبٍ ثَقُلَ بِهِ كَاهِلُكَ، وَأَظْلَمَ بِهِ صَدْرُكَ، يَمْحُوهُ اللهُ تَعَالَى لَكَ أَنْتَ بِهَذِهِ الـعِبَادَةِ الـعَظِيمَةِ!، بِبَرَكَةِ صَلَاتِكَ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)!
وَمِنْ ثَمَرَاتِهَا أَيْضًا: أَنَّهَا تُورِثُ صَلَاةَ المَلَائِكَةِ عَلَى العَبْدِ، وَتُزِيلُ القَسْوَةَ مِنَ القَلْبِ، وَتَنْفِي عَنِ الـمَرْءِ صِفَةَ الـبُخْلِ، الَّتِي حَذَّرَ مِنْهَا النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِقَوْلِهِ: «البَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ»!
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
أما عن جَزَاء الـمُصَلِّينَ عَلَيْهِ يَوْمَ الـقِيَامَةِ: أَمَّا فِي المَوْقِفِ العَظِيمِ، حِينَ تَدْنُو الشَّمْسُ مِنَ الـرُؤُوسِ، وَيَشْتَدُّ الـكَرْبُ، وَيَبْحَثُ النَّاسُ عَنْ مَخْرَجٍ؛ فَيَكُونُ جَزَاءُ الـمُصَلِّينَ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَعْظَمَ جَزَاءٍ! قَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ القِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً»!، أَيْ: أَقْرَبُهُمْ مِنِّي مَجْلِسًا، وَأَحَقُّهُمْ بِشَفَاعَتِي، وَأَسْعَدُهُمْ بِالـوُرُودِ عَلَى حَوْضِي الشَّرِيفِ، الَّذِي مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لاَ يَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَدًا! (أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً)
فتَأَمَّلُوا كَيْفَ أَنَّ أَلْسِنَتَكُمْ إِذَا رَطُبَتْ بِالصَّلاَةِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، كَانَتْ هِيَ الـجَسْرَ الَّذِي يَعْبُرُ بِكُمْ إِلَى مَجَالَسَتِهِ فِي الـجَنَّةِ، وَمُرافَقَتِهِ فِي أَعْلَى الـدَّرَجَاتِ!
فَيَا مَنْ تَطْلُبُونَ انْشِرَاحَ الـصُّدُورِ، وَتَيْسِيرَ الـأُمُورِ، وَغُفْرَانَ الـذُّنُوبِ، وَرِفْعَةَ الـدَّرَجَاتِ: عَلَيْكُمْ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلَامِ عَلَى الـشَّفِيعِ الـمُشَفَّعِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، خَاصَّةً فِي الـأَوْقَاتِ الـفَاضِلَةِ؛ كَيَوْمِ الـجُمُعَةِ وَلَيْلَتِهَا، وَعِنْدَ الأَذَانِ، وَفِي أَعْقَابِ الصَّلَوَاتِ!
فَاذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
الدعاء
