خطبة عن (كُنْ مِنَ الذَّاكِرِينَ، وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ)
سبتمبر 5, 2026الخطبة الأولى «آدَابُ مَجَالِس العِلْمِ، وَقصةُ النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
روى الامام البخاري في صحيحه: (عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذْ أَقْبَلَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ، فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ».
إخوة الإسلام
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (المجادلة:11).
فَاعْلَمُوا أَنَّ عُمُرَ الإِنْسَانِ أَنْفَسُ مَا يَمْلِكُ، وَإِنَّ خَيْرَ أَوْقَاتِهِ مَا صُرِفَ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ، وَعُمِّرَ بِشُهُودِ مَجَالِسِ الذِّكْرِ وَالعِلْمِ؛ فَهِيَ رِيَاضُ الجَنَّةِ فِي الدُّنْيَا، وَمُتَنَزَّلُ السَّكِينَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَمَحَطُّ أَنْظَارِ المَلاَئِكَةِ المَكَرَّمِينَ.
وَإِنَّ مُعَامَلَةَ اللَّهِ جَلَّ وَعَلاَ لِلْعِبَادِ فِي هَذِهِ المَجَالِسِ الشَّرِيفَةِ، تَدُورُ عَلَى مِعْيَارِ الإِقْبَالِ وَالإِدْبَارِ ،وَعَلَى قَدْرِ صِدْقِ العَبْدِ فِي التَّوَجُّهِ إِلَى رَبِّهِ وَنِيَّتِهِ.
وفي الحديث المتقدم: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ، إِذْ أَقْبَلَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، قَالَ: فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِباً، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ» ،
فتَأَمَّلُوا هَذَا الحَدِيثَ النَّبَوِيَّ العَظِيمَ، فَإِنَّهُ يَسْتَعْرِضُ المَوَاقِفَ الثَّلاَثَةَ، الَّتِي يَقِفُهَا النَّاسُ أَمَامَ مَجَالِسِ الخَيْرِ وَالعِلْمِ، وَيُبَيِّنُ الجَزَاءَ الإِلَهِيَّ المُمَاثِلَ لِكُلِّ مَوْقِفٍ مِنْهَا:
فَالرَّجُلُ الأَوَّلُ: حَرَصَ عَلَى المَجْلِسِ، وَبَحَثَ عَنْ فُرْجَةٍ فِيهِ، حَتَّى دَخَلَ، وَجَلَسَ فِي وَسَطِ المَعْرِفَةِ وَالذِّكْرِ؛ فَكَانَ جَزَاؤُهُ: «فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ»؛ أَيْ: أَنَّهُ لَجَأَ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَمَجْلِسِ نَبِيِّهِ، فَقَبِلَهُ اللَّهُ، وَقَرَّبَهُ، وَجَزَاهُ بِرَحْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَثَوَابِهِ المَكْنُونِ.
وَالرَّجُلُ الثَّانِي: لَمْ يَدْخُلْ فِي وَسَطِ الحَلْقَةِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَنْصَرِفْ، بَلْ جَلَسَ فِي خَلْفِ القَوْمِ، حَيَاءً أَنْ يُزَاحِمَهُمْ، أَوْ يَتَخَطَّى الرِّقَابَ، أَوْ حَيَاءً مِنَ اللَّهِ، أَنْ يَمْضِيَ وَيَتْرُكَ مَجْلِسَ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَكَانَ جَزَاؤُهُ: «فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ»؛ أَيْ فَعَامَلَهُ اللَّهُ بِجِنْسِ حَيَائِهِ، فَلَمْ يُحْرِمْهُ النَّوَالَ، وَسَتَرَهُ، وَلَمْ يُعَاقِبْهُ، وَجَزَاهُ المَثُوبَةَ الكَرِيمَةَ.
وَأَمَّا الرَّجُلُ الثَّالِثُ: فَقَدْ وَلَّى مُدْبِراً، وَانْصَرَفَ زَاهِداً فِي مَجْلِسِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمَا يُقَالُ فِيهِ مِنَ الوَحْيِ وَالهُدَى؛ فَكَانَ جَزَاؤُهُ: «وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ»؛ أَيْ أَنَّهُ صَدَّ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ، فَسَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَحَرَمَهُ التَّوْفِيقَ، وَالرَّحْمَةَ، وَتَرَكَهُ وَنَفْسَهُ.
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلاَنِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي فَتْحِ البَارِي: «وَفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ: فَضْلُ الاِجْتِمَاعِ فِي مَجَالِسِ العِلْمِ وَالذِّكْرِ فِي المَسَاجِدِ، وَفَضْلُ الإِقْبَالِ عَلَيْهَا، وَالتَّفَسُّحِ فِيهَا، وَقُرْبِ المَجْلِسِ مِنَ العَالِمِ، وَفِيهِ إِطْلاَقُ الاسْتِحْيَاءِ وَالإِعْرَاضِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مِنْ بَابِ المُقَابَلَةِ وَالمُشَاكَلَةِ، فَالْمُرَادُ بِاسْتِحْيَاءِ اللَّهِ مِنْهُ تَرْكُ حِرْمَانِهِ، أَوْ تَرْكُ عُقُوبَتِهِ، وَبِإِعْرَاضِ اللَّهِ عَنْهُ سَخَطُهُ عَلَيْهِ».
وَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «مَعْنَى آوَاهُ اللَّهُ: أَيْ رَحِمَهُ وَقَبِلَهُ، وَمَعْنَى اسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ: أَيْ رَحِمَهُ وَلَمْ يُعَاقِبْهُ، وَمَعْنَى أَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ: أَيْ سَخِطَ عَلَيْهِ وَغَضِبَ، هَذَا إِذَا كَانَ أَعْرَضَ رَغْبَةً عَنْ المَجْلِسِ، وَاسْتِهَانَةً بِهِ، فَأَمَّا إِنْ انْصَرَفَ لِعُذْرٍ، أَوْ حَاجَةٍ، فَلَا يَكُونُ عَاصِياً، وَلَا مُعْرِضاً مَغْضُوباً عَلَيْهِ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ هَذَا الحَدِيثَ العَظِيمَ يَرْشُدُ الأُمَّةَ إِلَى جُمْلَةٍ مِنَ الأُصُولِ المَنَهَجِيَّةِ وَالتَّرْبَوِيَّةِ، ومنها:
أَوَّلاً: أَنَّ مِنْ صِفَاتِ المُؤْمِنِ الرَّاسِخَةِ: حِرْصَهُ عَلَى رضا الرَّحْمَنِ، وَإِيوَاءَهُ إِلَى مَجَالِسِ العِلْمِ ،وَشَغَفَهُ بِاسْتِمَاعِ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ.
ثَانِياً: أَنَّ المَجَالِسَ الشَّرْعِيَّةَ لَهَا حُرْمَةٌ وَآدَابٌ، يَحْسُنُ بِالمُسْلِمِ أَنْ يَتَأَدَّبَ بِهَا، لِيَنَالَ الكَمَالَ فِي الأَجْرِ.
ثَالِثاً: أَنَّ الجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ العَمَلِ؛ فَمَنْ أَقْبَلَ عَلَى اللَّهِ، أَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَمَنْ اسْتَحْيَا مِنْهُ أَعَزَّهُ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ شَرِيعَتِهِ وَذِكْرِهِ، هَانَ عَلَيْهِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
ومما جاء في فضل الذكر، وحضور مجالس العلم: ففي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ مَلاَئِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْماً يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، قَالَ: فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» (رواه البخاري ومسلم).
وفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعاً، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» (رواه البخاري ومسلم).
وفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقاً يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْماً سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقاً إِلَى الجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ المَلاَئِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» (رواه مسلم).
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية «آدَابُ مَجَالِس العِلْمِ وَجَزَاءُ النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ (السجدة: 22). ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم: (وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ).
فَاحْذَرُوا كُلَّ الحَذَرِ مِنْ سُلُوكِ طَرِيقِ المُعْرِضِينَ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَكِتَابِهِ، وَمَجَالِسِ عِلْمِهِ؛ واعلموا أنَّ للإِعْرَاض عَنْ الدِّينِ أَنْوَاعا وَصُوَرا كَثِيرَة، ومُتَفَاوِتَةُ الخَطَرِ، ومن بينها:
الإِعْرَاضُ الكُلِّيُّ عَنِ الدِّينِ: وَهُوَ إِعْرَاضُ الكُفَّارِ وَالمُنَافِقِينَ، الَّذِينَ لاَ يَتَعَلَّمُونَ أَصْلَ الدِّينِ، وَلاَ يَعْمَلُونَ بِهِ، صَدّاً وَتَكَبُّراً؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ (الأحقاف:3).
ومنها: الإِعْرَاضُ عَنْ تَعَلُّمِ الحَلاَلِ وَالحَرَامِ: وَهُوَ إِعْرَاضُ مَنْ زَهِدَ فِي تَعَلُّمِ مَا يُقِيمُ بِهِ صَلاَتَهُ
، وَعِبَادَتَهُ وَمُعَامَلاَتِهِ، فَيَعِيشُ فِي جَهْلٍ مُرَكَّبٍ، لاَ يَسْأَلُ، وَلاَ يَتَفَقَّهُ فِي الدِّينِ.
ومنها: الإِعْرَاضُ عَنْ مَجَالِسِ الذِّكْرِ وَالْمَوَاعِظِ: كَالَّذِي يَرَى حَلَقَاتِ العِلْمِ فِي المَسَاجِدِ، أَوْ يَسْمَعُ الخُطَبَ، فَيَتَشَاغَلُ عَنْهَا: (بِهَاتِفِهِ أَوْ حَدِيثِ الدُّنْيَا، أَوْ يَنْصَرِفُ عَنْهَا اسْتِخْفَافاً وَتَثَاقُلاً).
ومنها: الإِعْرَاضُ عَنِ العَمَلِ بِالْعِلْمِ: كَالَّذِي يَعْلَمُ الحُكْمَ الشَّرْعِيَّ، وَالأَمْرَ النَّبَوِيَّ، ثُمَّ يُدْبِرُ عَنْهُ ، إِتْبَاعاً لِهَوَاهُ وَشَهَوَاتِهِ.
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي تَفْسِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طه:124):
«يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَنْ زَهِدَ فِي كِتَابِي فَلَمْ يَتْلُهُ، وَلاَ عَمِلَ بِمَا فِيهِ، وَإِعْرَاضُهُ عَنْهُ تَرْكُهُ القَبُولَ لَهُ وَالعَمَلَ بِهِ، فَإِنَّ لَهُ فِي الدُّنْيَا مَعِيشَةً ضَيِّقَةً شَاقَّةً، وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى عَنِ الحُجَّةِ أَوْ بَصَرِ العَيْنِ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَفِي المقَابِلِ، فَإِنَّ مِنْ أَبْرَزِ صِفَاتِ المُؤْمِنِ: أَنْ يَأْوِيَ إِلَى مَجَالِسِ العِلْمِ، وَأَنْ يَتَأَدَّبَ فِيهَا بِالآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ، الَّتِي تُوَفِّرُ لَهُ كَمَالَ الأَجْرِ؛ وَمِنْ أَهَمِّ هَذِهِ الآدَابِ: الإِخْلاَصُ لِلَّهِ تَعَالَى: بأَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ لِوَجْهِ اللَّهِ، لاَ لِرِيَاءٍ وَلاَ لِمُفَاخَرَةٍ.
ومنها: الاحْتِرَامُ وَالسَّكِينَةُ: بأَنْ يَجْلِسَ بِإِجْلاَلٍ، وَلاَ يُفَرِّقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ إِلاَّ بِإِذْنِهِمَا، وَلاَ يُقِيمَ أَحَداً مِنْ مَجْلِسِهِ.
ومنها: الإِنْصَاتُ وَتَرْكُ اللَّغْوِ: بأَنْ يُلْقِيَ سَمْعَهُ لِلْمُعَلِّمِ وَالخَطِيبِ، وَيَكُفَّ عَنِ العَبَثِ بِالجَوَّالِ أَوْ الحَدِيثِ مَعَ الجِيرَانِ.
ومنها: التَّفَسُّحُ فِي المَجْلِسِ: بأَنْ يُوَسِّعَ لِلإِخْوَانِ القَادِمِينَ طَلَباً لِلْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ.
وجاء في الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لاَ يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ إِلاَّ بِإِذْنِهِمَا» (رواه أبو داود والترمذي).
وفي الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لاَ يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا» (رواه البخاري ومسلم).
وفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ
يَوْمَ الجُمُعَةِ: أَنْصِتْ، وَالإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ» (رواه البخاري ومسلم).
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَأَوُوا إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى مَجَالِسِ طَاعَتِهِ، يَأْوِكُمُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ، وَاحْذَرُوا الإِعْرَاضَ فَتَكُونُوا مِنَ الخَاسِرِينَ.
فاللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، وارْزُقْنَا العِلْمَ النَّافِعَ، وَالعَمَلَ الصَّالِحَ، وَالأَدَبَ الكَامِلَ فِي مَجَالِسِ الذِّكْرِ.
الدعاء
