خطبة عن حسن الظن بالله ،وحديث ( إِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ مِنْ حُسْنِ عِبَادَةِ اللَّهِ )
أغسطس 29, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (الإِحْسَانُ إِلَى الوَالِدَيْنِ مَنْ أَعْظَم الحُقُوقِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا) (23): (25) الاسراء.
إخوة الإسلام
موعدنا اليوم- إن شاء الله تعالى- مع آيات من كتاب الله تعالى: نتلوها، ونتدبر معانيها، ونتفهم مراميها، ونرتوي من نبعها الصافي، ونرتشف من رحيقها المختوم. فأَعِيرُونِي القُلُوبَ قَبْلَ الآذَانِ، وَهَاتُوا الأَرْوَاحَ لِنُصْغِيَ إِلَى صَدَى المِيثَاقِ الإِلَهِيِّ الخَالِدِ، وَالأَمْرِ الرَّبَّانِيِّ العظيم، الَّذِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وأَمْرٌ أُلْزِمَتْ بِهِ البَشَرِيَّةُ فِي دُسْتُورِ أَخْلَاقِهَا ،لِيَكُونَ مَفْرَقَ طَرِيقٍ بَيْنَ شَقَاوَةِ الجَفَاءِ، وَبَيْنَ حَلَاوَةِ الوَفَاءِ،
فتَأَمَّلُوا فِي هَذَا الوُجُودِ: مَنْ الَّذِي خَلَقَكَ مِنْ عَدَمٍ؟، ومَنْ الَّذِي صَوَّرَكَ فَأَحْسَنَ صُورَتَكَ؟، مَنْ الَّذِي رَعَاكَ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْحَامِ، ثُمَّ حَمَلَكَ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ عَلَى أَرْضِهِ، وَأَظَلَّكَ بِسَمَائِهِ، وَأَغْدَقَ عَلَيْكَ مِنْ نِعَمِهِ مَا لَا تُحْصِيهِ الأَقْلَامُ؟، إنه الله تعالى.
ثُمَّ انْظُرُوا فِي هَذِهِ الأَرْضِ؛ مَنْ الَّذِي انْحَنَى عَلَيْكَ فِي صِغَرِكَ، حِينَ كُنْتَ لَا تَمْلِكُ لِنَفْسِكَ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا؟، ومَنْ الَّذِي سَهِرَ اللَّيَالِيَ لِتَنَامَ، وَجَاعَ لِتَشْبَعَ، وَتَعِبَ لِتَسْتَرِيحَ؟، إنهما الوالدين،
فالله العظيم الذي خلقك، يوصيك بالوَالِدَينِ، فيقول سبحانه: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا * رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾:
فأَيُّ جَلَالٍ وَأَيُّ حَنَانٍ يَلْتَقِيَانِ فِي هَذِهِ الآيَاتِ؟، فتَأَمَّلُوا فِي الأَمْرِ الصَّارِمِ: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ﴾، فلَمْ يَقُلْ “أَمَرَ” أَوْ “وَصَّى” فَحَسْبُ، بَلْ قَالَ: ﴿قَضَىٰ﴾؛ أَيْ أَمَرَ أَمْرًا حَتْمًا قَاطِعًا، لاَ احْتِمَالَ فِيهِ وَلاَ خِيَارَ، وَمَا هُوَ هَذَا القَضَاءُ الإِلَهِيُّ؟، ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ، فقَرَنَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ عِبَادَتَهُ وَتَوْحِيدَهُ بِالإِحْسَانِ إِلَى الوَالِدَيْنِ، لِيَعْلَمَ كُلُّ لَبِيبٍ، أَنَّ أَعْظَمَ الحُقُوقِ بَعْدَ حَقِّ اللهِ تَعَالَى هُوَ حَقُّ هَذَيْنِ الأَبَوَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ،
ثُمَّ تَنَزَّلَتْ الآيَةُ لِتَرْسُمَ مَشْهَدَ الدِّقَّةِ فِي التَّعَامُلِ مَعَهُمَا فِي أَدْقَقِ اللَّحَظَاتِ: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾، فتَأَمَّلُوا كَلِمَةَ ﴿عِندَكَ﴾، أَيْ فِي بَيْتِكَ، فِي كَنَفِكَ، فِي رِعَايَتِكَ؛ لاَ فِي دُورِ الرِعَايَةِ وَالمُسِنِّينَ، وَلاَ مَطْرُودَيْنِ أَوْ مُهْمَلَيْنِ فِي مَرْحَلَةِ الكِبَرِ.. حِينَ يَضْعُفُ الجَسَدُ، وَتَكْثُرُ الأَمْرَاضُ، وَيَتَغَيَّرُ المِزَاجُ، وَيَتَحَوَّلاَنِ إِلَى طِفْلَيْنِ، يَحْتَاجَانِ لِلصَّبْرِ وَالحَنَانِ..
ومَاذَا يَقُولُ لَكَ القُرْآنُ؟، ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾: نَهَى عَنْ “أُفٍّ”، وَهِيَ أَصْغَرُ كَلِمَةٍ تَدُلُّ عَلَى التَأَفُّفِ وَالضَّجَرِ، فَإِذَا كَانَتْ أُفٍّ مُحَرَّمَةً، فَمَا بَالُكُمْ بِمَنْ يُقَاطِعُهُمَا، أَوْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ عَلَيْهِمَا، أَوْ يُبْكِيهِمَا؟. ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾: لاَ تُغْلِظْ لَهُمَا القَوْلَ، وَلاَ تَرُدَّ عَلَيْهِمَا بِقَسَاوَةٍ أَوْ اسْتِهَانَةٍ، ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾: قَوْلًا رَقِيقًا، مُعَظَّمًا، مَلِيئًا بِالأَدَبِ وَالتَّقْدِيرِ وَالاحْتِرَامِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وبر الوالدين جهاد في سبيل الله، ففي الصحيحين: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- يَسْتَأْذِنُهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ». قَالَ نَعَمْ. قَالَ «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ». أي: اجعَل جهادَك في برِّهما ورعايتِهما، فإنَّ ذلكَ أعظمُ عندَ اللهِ. وفي صحيح مسلم: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ قَالَ «الصَّلاَةُ لِوَقْتِهَا». قَالَ قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ». قَالَ قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، فجعل بر الوالدين مقدّمًا على الجهاد، إلا إذا كان الجهاد فرض عين.
وبر الوالدين لا يعرف سنًّا، ولا وقتًا، بل هو واجب العمر كله، صغيرًا كنت أو كبيرًا، غنيًّا أو فقيرًا، ولقد ضرب لنا القرآن أروع الأمثلة في برّ الوالدين، فهذا نبي الله يحيى (عليه السلام) قال الله عنه: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم:14].
وكان النبي ﷺ من أعظم الناس برًّا، وضرب لنا أروع الأمثلة، فقد روى البخاري في صحيحه: (عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ قَدِمَتْ أُمِّي وَهْىَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ وَمُدَّتِهِمْ، إِذْ عَاهَدُوا النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – مَعَ أَبِيهَا، فَاسْتَفْتَيْتُ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – فَقُلْتُ إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وَهْيَ رَاغِبَةٌ {أَفَأَصِلُهَا} قَالَ «نَعَمْ صِلِى أُمَّكِ»، فانظروا إلى عظمة الإسلام الذي أمر بصلة الوالدة المشركة، والإحسان إليها، فكيف بالمسلمة المؤمنة؟
وبرُّ الوالدينِ لا يقتصِرُ على الطاعةِ فحسب، بل يشملُ الإحسانَ إليهما بالقولِ والعملِ، والإنفاقَ عليهما عند الحاجةِ، والدعاءَ لهما، ومِن البرِّ أن يرفُقَ المرءُ بوالدَيهِ عندَ الكِبَرِ، ويَصبِرَ على ما قد يصدُرُ منهما من الضَّعفِ أو الضَّجرِ أو كثرةِ الطَّلبِ، فقد قالَ بعضُ السَّلفِ: “من برَّ والديه في صِغره، برَّهُ أولادُه في كِبرِه”.
ومن البر: إكرامَ أهلِ وُدِّهما بعدَ موتِهما، وفي صحيح مسلم: (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ كَانَ لَهُ حِمَارٌ يَتَرَوَّحُ عَلَيْهِ إِذَا مَلَّ رُكُوبَ الرَّاحِلَةِ وَعِمَامَةٌ يَشُدُّ بِهَا رَأْسَهُ فَبَيْنَا هُوَ يَوْمًا عَلَى ذَلِكَ الْحِمَارِ إِذْ مَرَّ بِهِ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ أَلَسْتَ ابْنَ فُلاَنِ بْنِ فُلاَنٍ قَالَ بَلَى. فَأَعْطَاهُ الْحِمَارَ وَقَالَ ارْكَبْ هَذَا وَالْعِمَامَةَ – قَالَ – اشْدُدْ بِهَا رَأْسَكَ. فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ أَعْطَيْتَ هَذَا الأَعْرَابِيَّ حِمَارًا كُنْتَ تَرَوَّحُ عَلَيْهِ وَعِمَامَةً كُنْتَ تَشُدُّ بِهَا رَأْسَكَ. فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ». وَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ صَدِيقًا لِعُمَرَ).
فبرّ الوالدين ليس كلمة تُقال، بل سلوك يُمارس، وتعبير عملي عن الشكر والعرفان، ووسيلة لنيل رضا الله، من برّ والديه رضي الله عنه ربه، وبُورك له في عمره وماله وولده، ومن عقّهما ضاق عيشه، وخُذل في دنياه وآخرته.
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ فِي وَالِدِيكُمْ، فَهُمَا بَابُكُمُ الأَوْسَطُ إِلَى الجَنَّةِ، أَوْ طَرِيقُكُمْ إِلَى النَّارِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (الإِحْسَانُ إِلَى الوَالِدَيْنِ مَنْ أَعْظَم الحُقُوقِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فيَا مَنْ تَرْجُونَ رِضَا اللهِ وَرَحْمَتَهُ: ارْحَلُوا بِمَخَيَّلَتِكُمْ إِلَى الآيَةِ الَّتِي صَاغَتْ أَعْظَمَ صُورَةٍ لِلتَّوَاضُعِ وَالبِرِّ فِي التَّارِيخِ الإِنْسَانِيِّ كُلِّهِ، فيَقُولُ جَلَّ فِي عُلَاهُ: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾، اللهُ أَكْبَرُ، فأَيُّ بَلَاغَةٍ هَذِهِ الَّتِي تَسْلُبُ الأَلْبَابَ؟، ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾: فقد صَوَّرَ القُرْآنُ العَبْدَ الـبَارَّ كَأَنَّهُ طَائِرٌ، خَفَضَ جَنَاحَهُ اسْتِسْلَامًا وَتَوَاضُعًا أَمَامَ أَبَوَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الذُّلُّ عَنْ خَوْفٍ أَوْ هَوَانٍ، بَلْ كَانَ ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾؛ رَحْمَةً بِضَعْفِهِمَا، وَوَفَاءً لِجَمِيلِهِمَا، فمَهْمَا بَلَغْتَ مِنَ الـمَنَاصِبِ، وَمَهْمَا حَزْتَ مِنَ الأَمْوَالِ، وَمَهْمَا صِرْتَ فِي النَّاسِ عَظِيمًا.. فَأَنْتَ أَمَامَ أَبَوَيْكَ صَغِيرٌ مَكْسُورُ الجَنَاحِ،
ثُمَّ يُعَلِّمُكَ القُرْآنُ أَعْظَمَ الدُّعَاءِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى لِسَانِ البَارِّينَ فِي حَيَاتِهِمَا وَبَعْدَ مَمَاتِهِمَا: ﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾: فتَسْتَحْضِرُ زَمَنَ الطُّفُولَةِ.. حِينَ كُنْتَ لاَ تَعْلَمُ شَيْئًا، فَرَبَّيَاكَ، وَغَذَّيَاكَ، وَمَسَحَا دُمُوعَكَ، فَتَطْلُبُ لَهُمَا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ أَوْسَعَهَا وَأَعْظَمَهَا.
ثُمَّ تَأْتِي الآيَةُ التالية لِتَكْشِفَ عَنْ الخَبَايَا وَالنِّيَّاتِ: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾، اللهُ أَكْبَرُ، ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾، يَعْلَمُ سُبْحَانَهُ أَنَّ البِرَّ قَدْ يَعْتَرِيهِ بَعْضُ التَّعَبِ، وَأَنَّ النَّفْسَ البَشَرِيَّةَ قَدْ يَبْدُرُ مِنْهَا نَزَغَةٌ أَوْ ضَجَرٌ عَابِرٌ.. فَإِذَا كَانَ القَلْبُ نَاوِيًا لِلصَّلاَحِ، قَاصِدًا لِلْإِحْسَانِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ العَبْدُ وَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، وَاحْتَضَنَ أَبَوَيْهِ مُعْتَذِرًا، فَقَدْ وَعَدَهُ اللهُ بِالمَغْفِرَةِ: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾؛ أَيِ الرَّاجِعِينَ إِلَى طَاعَتِهِ المُسْتَغْفِرِينَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ.
أَيُّهَا الـمُؤْمِنُونَ
تَفَقَّدُوا صَحِيفَةَ أَعْمَالِكُمْ مَعَ وَالِدِيكُمْ اليَوْمَ قَبْلَ أَنْ تُغْلَقَ الأَبْوَابُ: فمَنْ كَانَ وَالِدَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا عَلَى قَيْدِ الـحَيَاةِ، فَلْيُسَارِعْ إِلَى تَقْبِيلِ أَيْدِيهِمَا وَأَقْدَامِهِمَا، وَلْيَكُنْ تَحْتَ أَمْرِهِمَا، فَتِلْكَ هِيَ الـجَنَّةُ الَّتِي تُفْتَحُ لَكَ الآنَ.
وَمَنْ كَانَا قَدْ رَحَلاَ إِلَى جِوَارِ رَبِّهِمَا، فَلَا تَقْطَعِ الصِّلَةَ عَنْهُمَا؛ بِالدُّعَاءِ الصَّادِقِ، وَالصَّدَقَةِ الجَارِيَةِ، وَصِلَةِ أَرْحَامِهِمَا وَأَصْدِقَائِهِمَا. ففي سنن أبي داود وصححه الألباني: (عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ السَّاعِدِيِّ قَالَ بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا قَالَ «نَعَمِ الصَّلاَةُ عَلَيْهِمَا وَالاِسْتِغْفَارُ لَهُمَا وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لاَ تُوصَلُ إِلاَّ بِهِمَا وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا ». وفي رواية أحمد: (قَالَ َيا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ بَقِيَ عَلَىَّ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ بَعْدَ مَوْتِهِمَا أَبَرُّهُمَا بِهِ قَالَ «نَعَمْ خِصَالٌ أَرْبَعَةٌ الصَّلاَةُ عَلَيْهِمَا وَالاِسْتِغْفَارُ لَهُمَا وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لاَ رَحِمَ لَكَ إِلاَّ مِنْ قِبَلِهِمَا فَهُوَ الَّذِي بَقِيَ عَلَيْكَ مِنْ بِرِّهِمَا بَعْدَ مَوْتِهِمَا »،
أيها المسلمون
وإذا كان بر الوالدين من أعظمِ القُرُباتِ، وأجل الطاعات، فإن عقوق الوالدين من كبائر الذنوب، ففي الصحيحين: (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ – رضي الله عنه – قَالَ قَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – «أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ». ثَلاَثًا. قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ،وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ». وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ «أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ». قَالَ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ)، فجعل الرسول صلى الله عليه وسلم العقوق قرين الشرك، وهذا يدل على شدّة خطره، وعِظَم إثمه، وأنه من الكبائر التي تهلك العبد في الدنيا والآخرة، وفي الصحيحين: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو – رضي الله عنهما – قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ». قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قَالَ «يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ ،وَيَسُبُّ أَمَّهُ».
الدعاء
