خطبة عن (كيف تشقى وأنت مع الرحمن؟)
أغسطس 11, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (من فضائل ذكر الله)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) (41)، (42) الأحزاب، وفي صحيح البخاري: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «إِنَّ لِلَّهِ مَلاَئِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ، يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ. قَالَ فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا. قَالَ فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهْوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ مَا يَقُولُ عِبَادِي قَالُوا يَقُولُونَ يُسَبِّحُونَكَ، وَيُكَبِّرُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ. قَالَ فَيَقُولُ هَلْ رَأَوْنِي قَالَ فَيَقُولُونَ لاَ وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ. قَالَ فَيَقُولُ وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي قَالَ يَقُولُونَ لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا. قَالَ يَقُولُ فَمَا يَسْأَلُونِي قَالَ يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ. قَالَ يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لاَ وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا. قَالَ يَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً. قَالَ فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ قَالَ يَقُولُونَ مِنَ النَّارِ. قَالَ يَقُولُ وَهَلْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لاَ وَاللَّهِ مَا رَأَوْهَا. قَالَ يَقُولُ فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا قَالَ يَقُولُونَ لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا، وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً. قَالَ فَيَقُولُ فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّى قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ. قَالَ يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ فِيهِمْ فُلاَنٌ لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ. قَالَ هُمُ الْجُلَسَاءُ لاَ يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ»
إخوة الإسلام
لَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى ذِكْرَهُ قُوتَ القُلُوبِ الَّذِي لَا تَحْيَا بِدُونِهِ، وَنُورَ الصُّدُورِ الَّذِي لَا تَسْتَنِيرُ إِلَّا بِهِ، وَجَعَلَهُ المِعْيَارَ الأَسْمَى لِطُمَأْنِينَةِ النُّفُوسِ فِي زَمَنِ القَلَقِ وَالِاضْطِرَابِ،
وإِنَّنَا اليَوْمَ- إن شاء لله تعالى- نتناول مَوْضُوع “فضائل ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى“؛ ذَلِكَ الحِصْنُ الحَصِينُ، الَّذِي يَعِشُ فِيهِ العَبْدُ آمِناً مُطْمَئِنّاً، مَوْصُولاً بِرَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ.
ومن أَوَّل بَرَكَاتِ الذِّكْرِ وفضائله العَاجِلَةِ هِيَ: “سَكِينَةُ النَّفْسِ، وَطُمَأْنِينَةُ القَلْبِ“؛ فَالْقُلُوبُ لَا تَرْتَاحُ لِكَثْرَةِ مَالٍ، وَلَا لِعُلُوِّ جَاهٍ، بَلْ تَرْتَاحُ بِمُنَاجَاةِ الرَّحْمَنِ؛ قَالَ سُبْحَانَهُ: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد:28]،
وَمَا أَعْظَمَ الشَّرَفَ حِينَ يَكُونُ ذِكْرُكَ لِلَّهِ سَبَباً فِي أَنْ يَذْكُرَكَ اللهُ فِي المَلأِ الأَعْلَى، قَالَ تَعَالَى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) [البقرة:152]. وَقَدْ جَلَّى النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هَذَا الكَرَمَ الرَّبَّانِيَّ فِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ، الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعاً، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً».
فَمَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَحْسِرُ عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ هَذَا القُرْبِ الَّذِي يَهَبُهُ اللهُ لِعِبَادِهِ؟
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَمِنْ فَضَائِلِ الذِّكْرِ الدَّائِمِ: أَنَّهُ سَبَبٌ لِـ “صَلَاةِ اللهِ وَمَلَائِكَتِهِ عَلَى العَبْدِ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ”، لِيُخْرِجَهُ اللهُ مِنْ ظُلُمَاتِ الحَيْرَةِ، إِلَى نُورِ الهُدَى؛ قَالَ سُبْحَانَهُ: (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) [الأحزاب:43].
كَمَا جَعَلَ اللهُ الإِكْثَارَ مِنَ الذِّكْرِ سَبَباً لِـ “المَغْفِرَةِ الشَّامِلَةِ وَالأَجْرِ العَظِيمِ”؛ فَقَالَ تَعَالَى: (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) [الأحزاب:35].
وَالذِّكْرُ يَجْلِبُ “المَعِيَّةَ الإِلَهِيَّةَ الخَاصَّةَ بِالإِعَانَةِ وَالتَّسْدِيدِ”؛ فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: أَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا هُوَ ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ»، فَشَفَتُكَ الَّتِي تَتَحَرَّكُ بِالتَّسْبِيحِ، هِيَ حَبْلُ أَمَانِكَ، الَّذِي يَسْتَدِرُّ مَعُونَةَ اللهِ، فِي كُلِّ شَأْنِكَ.
وبَعْض النَّاسِ يَبْحَثُونَ عَنْ مَعَالِي الأَعْمَالِ، بِالنَّفَقَةِ وَالتَّضْحِيَةِ، وَمَا عَلِمُوا أَنَّ الذِّكْرَ يَفُوقُ ذَلِكَ كُلَّهُ، لِمَنْ أَخْلَصَ فِيهِ، فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «أَلَا أُنْبِئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِعْطَاءِ الذَّهَبِ وَالوَرِقِ (أَيِ الفِضَّةِ)، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟» قَالُوا: وَذَلِكَ مَا هُوَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «ذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
وَمِنْ بَرَكَاتِ مَجَالِسِ الذِّكْرِ أَنَّهَا تَنْشُرُ السَّكِينَةَ فِي البُيُوتِ وَالمَسَاجِدِ؛ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» [رواه مسلم].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
والنَّبِيّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) جَعَلَ “تَرْطِيبَ اللِّسَانِ بِالذِّكْرِ” هُوَ الوَصِيَّةَ الغَالِيَةَ الَّتِي يَعْتَصِمُ بِهَا المَرْءُ؛ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْباً مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» [رواه الترمذي].
وَبَيَّنَ صلى الله عليه وسلم: أَنَّ “الذِّكْرَ هُوَ الفَارِقُ بَيْنَ الحَيَاةِ وَالمَوْتِ المَعْنَوِيِّ” لِلأَفْرَادِ وَالبُيُوتِ؛ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ»، وَقَالَ: «وَمَثَلُ البَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ، وَالبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ» [رواه البخاري ومسلم].
وَإِنَّ الَّذِينَ يَلْزَمُونَ هَذَا البَابَ هُمُ السَّابِقُونَ إِلَى اللهِ تَعَالَى؛ فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ جُمْدَانُ، فَقَالَ: «سِيرُوا هَذَا جُمْدَانُ سَبَقَ المُفَرِّدُونَ»، قَالُوا: وَمَا المُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ» [رواه مسلم].
واعلموا أَنَّ الذِّكْرَ لَيْسَ مُجَرَّدَ قَوْلٍ بِاللِّسَانِ، بَلْ هُوَ دِرْعٌ يَقِي العَبْدَ مِنْ حَبَائِلِ عَدُوِّهِ الأَوَّلِ إِبْلِيسَ، فَقَدْ جَاءَ فِي السُّنَّةِ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا وَيَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ مِنْهَا: «وَآْمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعاً حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ، كَذَلِكَ العَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ» [رواه أحمد والترمذي].
فَكُلَّمَا غَفَلْتَ نَالَ مِنْكَ الشَّيْطَانُ، وَكُلَّمَا سَبَّحْتَ دَخَلْتَ حِصْنَ المَلِكِ الدَّيَّانِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا هَذِهِ المَكْرُمَةَ العَظِيمَةَ حِينَ يَجْتَمِعُ أَهْلُ الإِيمَانِ عَلَى الطَّاعَةِ، فَيُبَاهِي اللهُ بِهِمْ مَلَائِكَتَهُ فِي السَّمَاءِ، رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: «مَا أَجْلَسَكُمْ؟» قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ، وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ، وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا، قَالَ: «آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟» قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ، قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمُ المَلَائِكَةَ». وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ المَجَالِسِ قَدِ اخْتَصَّهُمُ اللهُ بِفَضَائِلَ أَرْبَعَةٍ تَجْمَعُ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؛ كَمَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» [رواه مسلم].
وَلِأَنَّ الذِّكْرَ الحَقِيقِيَّ يَنْبَعُ مِنْ خَشْيَةٍ فِي الخَلْوَاتِ، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ صَاحِبَ العَيْنِ البَاكِيَةِ فِي ذِكْرِ السِّرِّ مِمَّنْ يَأْمَنُونَ الفَزَعَ الأَكْبَرَ يَوْمَ المَحْشَرِ، فَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، وَذَكَرَ مِنْهُمْ: «وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ».
وَبِهَذَا الذِّكْرِ الدَّائِمِ المُتَّصِلِ، جَعَلَ اللهُ تَعَالَى لِفُقَرَاءِ المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً لِيَسْبِقُوا بِهِ أَهْلَ الثَّرَاءِ وَالأَمْوَالِ فِي دَرَجَاتِ العُلَى. فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ فُقَرَاءَ المُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ (أَيْ أَهْلُ الأَمْوَالِ الكَثِيرَةِ) بِالدَّرَجَاتِ العُلَى وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ، قَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟» قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: «أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئاً تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ مَرَّةً» [رواه البخاري ومسلم]. فَكَانَ الذِّكْرُ هُوَ المِعْيَارَ الَّذِي جَبَرَ اللهُ بِهِ خَوَاطِرَ المَحْرُومِينَ مِنَ الدُّنْيَا.
وتَأَمَّلُوا فِي عِظَمِ جَائِزَةِ للذِّكْرِ: فقد جَعَلَهُ اللهُ سَبَبًا لِقَبُولِ الصَّلَوَاتِ، وَإِجَابَةِ الدَّعَوَاتِ فِي سَاعَاتِ الغَفْلَةِ النَّاسِ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: (عَنْ عِبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الحَمْدُ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي -أَوْ دَعَا- اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ قُبِلَتْ صَلَاتُهُ».
فَهَذَا هُوَ التِّرْيَاقُ النَّبَوِيُّ لِمَنْ تَقَلَّبَ فِي فِرَاشِهِ؛ كَلِمَاتٌ تَهْتَزُّ لَهَا السَّمَاوَاتُ، فَتَنْفَتِحُ لَهَا أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ فَوْراً، فَاجْعَلُوا الذِّكْرَ شِعَارَكُمْ، وَحِصْنَكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَسُلَّمَكُمْ إِلَى أَعْلَى المَنَازِلِ، لِتَعِيشُوا أَحْيَاءً بِذِكْرِهِ، وَتُبْعَثُوا فِي ظِلِّ عَرْشِ الرَّحْمَنِ يَوْمَ اللِّقَاءِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فَلْنَعْزِمِ النِّيَّةَ عَلَى عِمَارَةِ أَوْقَاتِنَا بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالِاسْتِغْفَارِ، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى لِبَعْضِ الكَلِمَاتِ مَكَانَةً عُلْيَا فِي السَّمَاءِ، فَهِيَ تَخِفُّ عَلَى نُطْقِ الأَلْسِنَةِ، وَلَكِنَّهَا تَثْقُلُ فِي مَوَازِينِ الحَسَنَاتِ، وَتَمْحُو كَبَائِرَ الذُّنُوبِ وَالسَّيِّئَاتِ، فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزاً مِنَ الشَّيْطَانِ فِي يَوْمِ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ». فاِنْظُرُوا إِلَى هَذِهِ المَغَانِمِ الخَمْسِ فِي نِدَاءٍ وَاحِدٍ! عِتْقٌ، وَحَسَنَاتٌ، وَمَحْوٌ، وَحِمَايَةٌ، وَتَفَوُّقٌ عَلَى الخَلْقِ!، وَإِذَا أَرَدْتَ أَجْراً سَرِيعاً لِلْعِتْقِ فِي أَقَلَّ مِنْ دَقِيقَةٍ، فَقَدْ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ، كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ» [رواه البخاري ومسلم].
وتَأَمَّلُوا فِي رَحْمَةِ اللهِ الَّتِي جَعَلَتْ بَعْضَ كَلِمَاتِ التَّسْبِيحِ مَجْلَبَةً لِمَحْوِ ذُنُوبِ العُمُرِ وَإِنْ بَلَغَتِ الآفَاقَ؛ فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَيْضاً: «وَمَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ». وَزَبَدُ البَحْرِ هُوَ الرَّغْوَةُ الكَثِيرَةُ الَّتِي تَعْلُو المَوْجَ لَا يُحْصِيهَا عَدٌّ، فَتَذُوبُ تِلْكَ الأَوْزَارُ كُلُّهَا بِتَسْبِيحِ الخَالِقِ.
وَإِنَّ خِتَامَ كِتَابِ البُخَارِيِّ كَانَ بِهَذِهِ الدُّرَّةِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي تَصِفُ حَبِيبَاتِ الرَّحْمَنِ؛ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ»، فَاللَّسَانُ يَتَلَذَّذُ بِهَا لِخِفَّتِهَا، وَالمِيزَانُ يَتَقَعَّرُ بِهَا لِثِقَلِهَا، وَالعَرْشُ يَهْتَزُّ لَهَا لِأَنَّهَا مَحْبُوبَةٌ لِلْمَوْلَى جَلَّ جَلَالُهُ.
والنَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرَى هَذِهِ الكَلِمَاتِ الأَرْبَعَ -التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّكْبِيرَ- أَثْمَنَ مِنْ كُلِّ خَيْرَاتِ الأَرْضِ الَّتِي تَطْلُعُ عَلَيْهَا الشَّمْسُ؛ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَأَنْ أَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» [رواه مسلم]. وَإِذَا ظَنَّ العَبْدُ نَفْسَهُ عاجِزاً عَنْ كَسْبِ الأُجُورِ الكَبِيرَةِ، فَقَدْ جَاءَهُ التَّعْلِيمُ النَّبَوِيُّ بِكَسْبِ “أَلْفِ حَسَنَةٍ” فِي لَحْظَةٍ!، فَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكْسِبَ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ حَسَنَةٍ؟» فَسَأَلَهُ سَائِلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: كَيْفَ يَكْسِبُ أَحَدُنَا أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ قَالَ: «يُسَبِّحُ اللَّهَ مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ، فَيُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ، أَوْ يُحَطُّ عَنْهُ أَلْفُ خَطِيئَةٍ» [رواه مسلم].
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (من فضائل ذكر الله)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
وَلَكِنْ، مَا هُوَ سِرُّ الذِّكْرِ الجَامِعِ الَّذِي يَفُوقُ فِي مِيزَانِهِ عِبَادَةَ السَّاعَاتِ الطَّوِيلَةِ؟، والجَوَابُ نَجِدُهُ فِي حَدِيثِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ جُوَيْرِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: مَرَّ بِهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ صَلَّى الغَدَاةَ -أَوْ بَعْدَ مَا صَلَّى الغَدَاةَ- وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى وَهِيَ جَالِسَةٌ، فَقَالَ: «مَا زِلْتِ عَلَى الحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟» قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ اليَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» [رواه مسلم].
إِنَّهُ ذِكْرُ المَضَامِينِ الكُبْرَى، حَيْثُ تُسَبِّحُ اللهَ بِمِقْدَارِ عَدَدِ خَلَائِقِهِ كُلِّهَا، وَبِمِقْدَارِ مَا يُرْضِي نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ، وَبِثِقَلِ عَرْشِهِ العَظِيمِ، وَبِمِدَادِ كَلِمَاتِهِ الَّتِي لَا تَنْفَدُ. فَلْيَلْهَجْ لِسَانُكُمْ بِهَذِهِ الجَوَاهِرِ النَّبَوِيَّةِ، لِتَعْمُرَ صَحَائِفُكُمْ بِأَعْظَمِ الأُجُورِ، وَتَكُونُوا مِنَ السَّابِقِينَ المُطَهَّرِينَ يَوْمَ العَرْضِ عَلَى اللهِ.
والنَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بَيَّنَ لَنَا مَرَاتِبَ الكَلَامِ عِنْدَ الخَالِقِ؛ فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «أَحَبُّ الكَلَامِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ»، وَرَوَى مُسْلِمٌ أَيْضاً: (عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ أَحَبَّ الكَلَامِ إِلَى اللَّهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ»، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ سُئِلَ: أَيُّ الكَلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَا اصْطَفَى اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ أَوْ لِعِبَادِهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ».
فَتَأَمَّلُوا كَيْفَ نَنْطِقُ بِكَلِمَاتٍ هِيَ نَفْسُهَا الَّتِي تَقُولُهَا المَلَائِكَةُ المُقَرَّبُونَ حَوْلَ العَرْشِ!، فَلَا تَبْخَلُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ بِهَذَا النِّدَاءِ الشَّرِيفِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَلِأَنَّ طَبِيعَةَ البَشَرِ فِيهَا التَّقْصِيرُ، وَالمَجَالِسُ لَا تَخْلُو مِنْ قِيلٍ وَقَالٍ وَخَوْضٍ فِيمَا لَا يَنْفَعُ، فَقَدْ جَعَلَ الإِسْلَامُ لِلذِّكْرِ سُلْطَاناً “يَمْحُو لَغَطَ المَجَالِسِ وَيُطَهِّرُهَا قَبْلَ القِيَامِ”؛ فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ كَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ». إِنَّهَا كَفَّارَةٌ رَبَّانِيَّةٌ تَمْسَحُ خَطَايَا اللَّسَانِ، فَلَا يَقُومُ المَرْءُ عَنْ جُلَسَائِهِ إِلَّا وَقَدْ غُفِرَ لَهُ ذَنْبُ مَجْلِسِهِ بِبَرَكَةِ هَذِهِ الكَلِمَاتِ الجَامِعَةِ.
وتَأَمَّلُوا فِي عِظَمِ جَائِزَةِ الِاسْتِغْفَارِ حِينَ يُقْرَنُ بِاليَقِينِ فِي الصَّبَاحِ وَالمَسَاءِ، وَكَيْفَ جَعَلَهُ النَّبِيُّ سَبَباً مُبَاشِراً لِدُخُولِ الجَنَّةِ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: (عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَإِنْ قَالَهَا بَعْدَ مَا يُمْسِي فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ دَخَلَ الجَنَّةَ، وَإِنْ قَالَهَا بَعْدَ مَا يُصْبِحُ فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ دَخَلَ الجَنَّةَ». إِنَّهُ مِيثَاقُ التَّوْحِيدِ وَالِاعْتِرَافِ بِالنِّعْمَةِ، مَنْ لَزِمَهُ كَانَ جَزَاؤُهُ الخُلُودَ فِي نَعِيمِ الجِنَانِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَإِذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَدَّخِرُوا لِأَنْفُسِكُمْ كُنُوزاً الحَقِيقِيَّةَ الَّتِي لَا تَفْنَى، فَعَلَيْكُمْ بِكَلِمَةِ الِاسْتِسْلَامِ وَالتَّفْوِيضِ لِلَّهِ مَوْلَاكُمْ؛ فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: (عَنْ أَبِي مُوسَى عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ؟» فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «قُلْ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ»، فَهَذِهِ الكَلِمَةُ تَبْرِيءٌ مِنَ الحَوْلِ وَالقُوَّةِ البَشَرِيَّةِ، وَاعْتِرَافٌ بِتَدْبِيرِ الخَالِقِ، وَمَنْ نَطَقَ بِهَا دَفَعَ اللهُ عَنْهُ كُرُوبَ الدُّنْيَا، وَجَعَلَهَا لَهُ كَنْزاً يَفْرَحُ بِهِ يَوْمَ العَرْضِ عَلَيْهِ، فَلا تَغْفَلُوا عَنِ الذِّكْرِ، وَرَطِّبُوا أَلْسِنَتَكُمْ بِهِ فِي كُلِّ حَالٍ، لِتَعِيشُوا فِي حِصْنِ الأَمَانِ، وَتَلْقَوْا رَبَّكُمْ وَهُوَ رَاضٍ عَنْكُمْ، وَلْنَعْزِمِ النِّيَّةَ عَلَى جَعْلِ ذِكْرِ اللهِ شِعَاراً لَنَا فِي قِيَامِنَا وَقُعُودِنَا.
الدعاء
