خطبة عن (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)
سبتمبر 15, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) (45): (46) الأحزاب، وَفي صحيح البخاري: (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاةِ؟ قَالَ: أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ:
“يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ”.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حِينَ نَادَى نَبِيَّهُ بِلَقَبِ “النُّبُوَّةِ” فِي هَذِهِ الآيَةِ، أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ لِلأُمَّةِ مَقَامَهُ العَظِيمَ ،وَمَهَامَّهُ الجَسِيمَةَ،
فَهُوَ صلى الله عليه وسلم {شَاهِدًا}: يَشْهَدُ عَلَى أُمَّتِهِ بِالتَّبْلِيغِ، وَيَشْهَدُ لِلأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ بِالرِّسَالَةِ، وَهُوَ شَاهِدٌ بِمَنْهَجِهِ عَلَى صِحَّةِ مَوَازِينِ القِيَمِ.
وَهُوَ صلى الله عليه وسلم {مُبَشِّرًا}: يُبَشِّرُ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ بِالجَنَّةِ وَالرِّضْوَانِ، فَيَفْتَحُ أَبْوَابَ الأَمَلِ لِلتَّائِبِينَ.
وَهُوَ صلى الله عليه وسلم {نَذِيرًا}: يُحَذِّرُ مَنْ عَصَى مِنْ سُخْطِ الجَبَّارِ، فَيَكُونُ رَحْمَةً لِلنَّاسِ بِتَنْبِيهِهِمْ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ.
والنَّبِيَّ ﷺ لَيْسَ مُجَرَّدَ نَاقِلٍ لِلْوَحْيِ، بَلْ هُوَ الرَّسُولُ القُدْوَةُ، الذِي تَمَثَّلَتْ فِيهِ الرَّحْمَةُ، فكان بَشَراً يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ، لِيُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ ضِيقِ الأَهْوَاءِ إِلَى سَعَةِ الهُدَى.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ}؛ فَدَعْوَتُهُ ﷺ لَمْ تَكُنْ لِنَفْسِهِ، وَلَا لِقَوْمِهِ، وَلَا لِجَاهٍ، أَوْ مَنْصِبٍ، بَلْ كَانَتْ لِلهِ وَحْدَهُ.
وَقَوْلُهُ “بِإِذْنِهِ” دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّوْفِيقَ لِلدَّعْوَةِ هُوَ مَحْضُ فَضْلٍ مِنَ اللَّهِ، فلَقَدْ دَعَا ﷺ بِأَخْلَاقِهِ قَبْلَ أَقْوَالِهِ؛ فَكَانَ الصَّادِقَ الأَمِينَ، الذِي لَانَتْ لَهُ القُلُوبُ القَاسِيَةُ، فالدَّاعِيَ للحَقَّ هُوَ مَنْ يَقْتَفِي أَثَرَهُ، فِي الرِّفْقِ بِالجَاهِلِ، وَالصَّبْرِ عَلَى المُعْرِضِ، وَالبَذْلِ لِلْمُحْتَاجِ،
فدَعْوَةُ النَّبِيِّ ﷺ هِيَ المِيزَانُ الذِي يَضْبِطُ حَرَكَةَ الدُّعَاةِ؛ فَلَا غُلُوَّ يُنَفِّرُ، وَلَا جَفَاءَ يُضَيِّعُ، بَلْ هِيَ دَعْوَةٌ تَقُومُ عَلَى الحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ.
ثُمَّ وَصَفَهُ اللَّهُ سبحانه بِأَجْمَلِ وَصْفٍ فَقَالَ تعالى: {وَسِرَاجًا مُنِيرًا}: وَالسِّرَاجُ هُوَ الذِي يُضِيءُ لِغَيْرِهِ، وَلَا يَحْتَرِقُ، فَنُورُهُ ذَاتِيٌّ، مُسْتَمَدٌّ مِنْ وَحْيِ رَبِّهِ، فلَقَدْ بَدَّدَ ﷺ ظُلُمَاتِ الشِّرْكِ، وَالجَهْلِ، وَالوَثَنِيَّةِ، وَأَنَارَ لِلْبَشَرِيَّةِ طَرِيقَ الكَرَامَةِ وَالعَدْلِ، فالسِّرَاجُ المُنِيرُ لَا يَحْجِبُهُ لَيْلُ الفِتَنِ، وَلَا تُطْفِئُهُ أَعَاصِيرُ البَاطِلِ.
وإِنَّنَا اليَوْمَ، وفي هذا الزمان، نحن فِي أَمَسِّ الحَاجَةِ لِلِاسْتِضَاءَةِ بِهَذَا السِّرَاجِ، فِي تَعَامُلَاتِنَا؛ حِينَ نظْلِمُ فِي خُصُومَاتِنَا، أَوْ نَتِيهُ فِي شَهَوَاتِنَا، فَلْنَعُدْ إِلَى سِيرَتِهِ، وَسُنَّتِهِ ﷺ، لِنَجِدَ النُّورَ الذِي يُبَدِّدُ حَيْرَتَنَا، وَيَهْدِينَا لِلرَّشَادِ.
وإِنَّ الِاحْتِفَاءَ بِالنَّبِيِّ ﷺ “شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا”، يَكُونُ بِتَحْوِيلِ صِفَاتِهِ إِلَى مَنْهَجِ عَمَلٍ، فالمُسْلِمُ الشَّاهِدُ: هُوَ مَنْ يَكُونُ قُدْوَةً لِغَيْرِهِ، فِي صِدْقِهِ وَأَمَانَتِهِ،
وَالمُسْلِمُ المُبَشِّرُ: هُوَ مَنْ يَنْشُرُ الأَمَلَ، وَيُبَشِّرُ بِالخَيْرِ فِي النَّاسِ،
وَالمُسْلِمُ النَّذِيرُ: هُوَ مَنْ يَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ بِرِفْقٍ، لِيَحْمِيَ سَفِينَةَ المُجْتَمَعِ،
فهَذِهِ هِيَ الرِّسَالَةُ الحَقِيقِيَّةُ؛ بأَنْ نَكُونَ انْعِكَاسًا لِذَلِكَ النُّورِ النَّبَوِيِّ فِي بُيُوتِنَا وَأَسْوَاقِنَا، فمَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ لِيُعَظَّمَ بِالقَوْلِ فَقَطْ، بَلْ لِيُتَّبَعَ بِالعَمَلِ، وَلِتَكُونَ حَيَاتُهُ مَنَارَةً، نَهْتَدِي بِهَا فِي كُلِّ شَأْنٍ مِنْ شُؤُونِ حَيَاتِنَا.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ويقول اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف:158]. وَفي الصحيحين: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: “إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيهَا”،
فشَفَقَةَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ تَفُوقُ كُلَّ شَفَقَةٍ؛ فَهُوَ الذِي يَأْخُذُ بِحُجَزِنَا عَنِ النَّارِ، بِمَوَاعِظِهِ، وَتَشْرِيعَاتِهِ، فحِينَ نُطِيعُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَنَجْتَنِبُ مَا عَنْهُ نَهَى، فَنَحْنُ نَسِيرُ خَلْفَ “السِّرَاجِ المُنِيرِ” ،فالإِيمَانُ لَيْسَ ادِّعَاءً، بَلْ هُوَ طَاعَةٌ لِهَذَا النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم)، الذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لَنَا، فلَا نَجَاةَ فِي الآخِرَةِ، وَلَا عِزَّ فِي الدُّنْيَا، إِلَّا بِالِاسْتِمْسَاكِ بِهَدْيِهِ.
فلِنَجْعَلْ مِنْ أَنْفُسِنَا دُعَاةً إِلَى اللَّهِ بِأَفْعَالِنَا، مُبَشِّرِينَ بِجَمَالِ دِينِنَا، مُتَمَسِّكِينَ بِأَخْلَاقِ نَبِيِّنَا، لِنَكُونَ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ويقول الله تَعَالَى: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا} [الأحزاب:47]. وَفي الصحيحين: (عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كَانَ إِذَا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ، قَالَ: “بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا”،
فبَعْدَ أَنْ بَيَّنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَقَامَ نَبِيِّهِ ﷺ، بِأَنَّهُ شَاهِدٌ، وَمُبَشِّرٌ، وَنَذِيرٌ، أَمَرَهُ أَمْراً خَاصّاً بِبِشَارَةِ أَهْلِ الإِيمَانِ:
فَقَالَ تعالى: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}، وَهَذِهِ البِشَارَةُ لَيْسَتْ لِمَجَرَّدِ الأَمَانِيِّ، بَلْ لِتَكُونَ زَاداً لِلْعَامِلِينَ ،وَتَثْبِيتاً لِلصَّابِرِينَ، فالإِيمَانُ هُوَ المِفْتَاحُ الذِي يُفْتَحُ بِهِ بَابُ العَطَاءِ الإِلَهِيِّ، فحِينَ تَمُرُّ بِكَ ضَائِقَةٌ، أَوْ تَنْزِلُ بِكَ مُصِيبَةٌ، تَذَكَّرْ أَنَّ لَكَ مَوْعِداً مَعَ “الفَضْلِ الكَبِيرِ“،
وبِشَارَةَ القُرْآنِ هِيَ الَّتِي تَمْلأُ نَفْسَ المُسْلِمِ رِضاً، فَيَسِيرُ فِي أَرْضِ اللَّهِ بِوَجْهٍ مُسْتَبْشِرٍ، وَقَلْبٍ مُطْمَئِنٍ، يَعْلَمُ أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلهِ فَلَهُ جَزَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِ لَا يَنْقَطِعُ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة (أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وقوله تَعَالَى: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا} [الأحزاب:47]. فتَأَمَّلُوا فِي وَصْفِ هَذَا العَطَاءِ بِأَنَّهُ {فَضْلًا كَبِيرًا}؛ وَالفَضْلُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ الزِّيَادَةُ عَنِ الِاسْتِحْقَاقِ، فَنَحْنُ لَا نَدْخُلُ الجَنَّةَ بِأَعْمَالِنَا المَحْضَةِ، وَلَا نَنَالُ الكَرَامَةَ بِجُهُودِنَا الصَّرِفَةِ، بَلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ.
والفَضْلُ الكَبِيرُ يَبْدَأُ فِي الدُّنْيَا بِالسَّكِينَةِ، وَالبَرَكَةِ، وَحَلَاوَةِ الطَّاعَةِ، وَيَمْتَدُّ فِي الآخِرَةِ إِلَى الجَنَّاتِ، وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ، وَأَعْظَمُهُ (رُؤْيَةُ وَجْهِ اللَّهِ الكَرِيمِ)، فحِينَ تَبْذُلُ للهِ قَلِيلاً، يُعْطِيكَ بِمَقَامِ كَرَمِهِ جَزِيلاً، وهَذَا اليَقِينُ بِـ “الفَضْلِ” هُوَ الذِي يَجْعَلُ المُسْلِمَ يَتَصَدَّقُ وَهُوَ لَا يَخْشَى فَقْراً، وَيَعْمَلُ وَهُوَ لَا يَرْجُو مِنْ غَيْرِ اللَّهِ شُكْراً.
ومن آثارِ هَذِهِ البِشَارَةِ فِي سُلُوكِ المُؤْمِنِ: “تَرْكُ اليَأْسِ وَالقُنُوطِ”؛ فَمَهْمَا اسْوَدَّتِ الظُّرُوفُ، فَإِنَّ وَعْدَ اللَّهِ لَا يَتَخَلَّفُ، فالمُبَشَّرُ بِالفَضْلِ الكَبِيرِ لَا يَنْكَسِرُ أَمَامَ أَزَمَاتِ الِاقْتِصَادِ، وَلَا يَهْتَزُّ لِتَقَلُّبَاتِ السِّيَاسَةِ؛ لِأَنَّ رَجَاءَهُ مَوْصُولٌ بِالذِي يَمْلِكُ خَزَائِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ،
والبِشَارَةُ تَدْفَعُكَ لِتَكُونَ سَهْلَ الخُلُقِ، بَسَّامَ المُحَيَّا، تَنْشُرُ الأَمَلَ فِي نُفُوسِ المُحْبَطِينَ، فالمُسْلِمُ الحَقُّ هُوَ “مِفْتَاحٌ لِلْبِشَارَةِ”؛ حِينَ يَرَاهُ النَّاسُ يَتَذَكَّرُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ، وَجَمِيلَ فَضْلِهِ، فهَذَا هُوَ دِينُنَا؛ دِينُ اليُسْرِ وَالبُشْرَى، لَا دِينُ العُسْرِ وَالتَّنْفِيرِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وقوله تَعَالَى: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا}: فإِنَّ شَرْطَ نَيْلِ هَذَا الفَضْلِ الكَبِيرِ هُوَ الثَّبَاتُ عَلَى مُقْتَضَيَاتِ الإِيمانِ، فَلَا يَطْلُبُ الفَضْلَ مَنْ غَشَّ النَّاسَ، وَلَا يَنَالُ البِشَارَةَ مَنْ أَكَلَ أَمْوَالَ اليَتَامَى، وَلَا يَسْتَحِقُّهَا مَنْ عَقَّ وَالِدَيْهِ، فالفَضْلُ للهِ يُعْطِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَقَدْ جَعَلَهُ اللهُ لِأَهْلِ الطَّاعَةِ وَالاسْتِقَامَةِ،
فلِنُصْلِحْ بَوَاطِنَنَا لِيُصْلِحَ اللهُ ظَوَاهِرَنَا، وَلْنَبْذُلْ لِوَجْهِهِ تَعَالَى كُلَّ غَالٍ، لِنَسْمَعَ النِّدَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ: {هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} الأنبياء:103،
فاجْعَلُوا مِنْ هَذِهِ الآيَةِ نِبْرَاساً لَكُمْ فِي تَعَامُلَاتِكُمْ، وَبَشِّرُوا أَنْفُسَكُمْ بِأَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
{وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا}: ومن أَعْظَم “الفَضْلِ” رِضَا اللَّهِ عَنْكَ، فحِينَ تَأْكُلُ وَتَحْمَدُ، أَوْ تَشْرَبُ وَتَحْمَدُ، فَنَحْنُ نَتَعَامَلُ مَعَ رَبٍّ شَكُورٍ، والبِشَارَةُ الحَقِيقِيَّةُ هِيَ أَنْ تَعِيشَ فِي كَنَفِ اللَّهِ؛ فَإِذَا أَصْبَحْتَ آمِناً فِي سِرْبِكَ، مُعَافىً فِي بَدَنِكَ، عِنْدَكَ قُوتُ يَوْمِكَ، فَقَدْ حِيزَ لَكَ الفَضْلُ مِنْ أَطْرَافِهِ.
ألا فتَمَسَّكُوا بِالبِشَارَةِ، وَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الفَضْلِ، ونَسْأَلُ اللَّهَ العَظِيمَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ بَشَّرَهُمْ بِرَحْمَتِهِ، وَأَنْ يَغْمُرَنَا بِفَضْلِهِ الكَبِيرِ، وأن يجْعَلنَا مِنَ الشَّاكِرِينَ لِنِعْمَتِه، الرَّاضِينَ بِقِسْمَتِه.
( الدعاء )
