خطبة عن (مِن أركان بَيْعَة الإِسْلَامِ النُّصْح لِكُلِّ مُسْلِمٍ)
سبتمبر 2, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى «الرَّحْمَةُ النَّبَوِيَّةُ وَفِقْهُ التَّيْسِيرِ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
روى الإمام البخاري في صحيحه: (عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ، لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم -، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فِي حِجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ).
إخوة الإسلام
يقول الله تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (128) التوبة، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم:4).
فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ بَعَثَ نَبِيَّهُ مُحَمَّداً ﷺ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَجَعَلَهُ أُسْوَةً حَسَنَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فِي كُلِّ أَعْمَالِهِ وَأَخْلاَقِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ،
وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الدَّلاَئِلِ عَلَى كَمَالِ نُبُوَّتِهِ، وَسُمُوِّ خُلُقِهِ، مَا طُبِعَ عَلَيْهِ مِنْ الرَّأْفَةِ، وَالرَّحْمَةِ بِالصِّغَارِ، وَالتَّوَاضُعِ لِلْعِبَادِ، وَالصَّبْرِ عَلَى مَا يَصْدُرُ مِنْ الأَطْفَالِ بِفِطْرَتِهِمْ؛
فَقَدْ جَسَّدَ ﷺ فِي سِيرَتِهِ العَطِرَةِ المَنْهَجَ الأَكْمَلَ فِي التَّرْبِيَةِ وَالرِّفْقِ، وَجَمَعَ بَيْنَ حِكْمَةِ التَّشْرِيعِ وَسَمَاحَةِ الخُلُقِ، لِيَعْلَمَ الناس أَنَّ هَذَا الدِّينَ يَسْرٌ، وَأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ كَانَ خَلِيلَ المَسَاكِينِ، وَأَنِيسَ الصِّغَارِ، يَرْمُقُهُ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ، فَيَرَوْنَ فِي حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ الرَّحْمَةَ المَهْدَاةَ، وَالنِّعْمَةَ المُنْهَاةَ.
وفي هذا الحديث المتقدم: (عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أَنَّهَا: «أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ، لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حِجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ»، فتَأَمَّلُوا هَذَا التصرف النَّبَوِيَّ العَظِيمَ؛ فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ مَشْهَداً نَبَوِيّاً يَنْبِضُ بِالرَّحْمَةِ وَالتَّوَاضُعِ، وَيَسْتَخْرِجُ مِنْهُ العُلَمَاءُ دُرُراً مِنَ الفِقْهِ وَالأَخْلاَقِ:
فَفِي هَذَا الحَدِيثِ تَرْوِي الصَّحَابِيَّةُ الجَلِيلَةُ أُمُّ قَيْسٍ بِنْتُ مِحْصَنٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أَنَّهَا أَقْبَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تَحْمِلُ طِفْلَهَا الصَّغِيرَ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ سِنَّ التَّغَذِّي بِالطَّعَامِ، وَإِنَّمَا كَانَ اعْتِمَادُهُ عَلَى اللَّبَنِ فِي غِذَائِهِ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِكُلِّ لُطْفٍ وَحَنَانٍ وَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ الشَّرِيفِ، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ تَوَاضُعِهِ وَشَفَقَتِهِ بِالأَطْفَالِ؛ فَبَالَ الصَّبِيُّ عَلَى ثَوْبِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمْ يَغْضَبْ، وَلَمْ يَنْزَعِجْ، وَلَمْ يُعَنِّفِ الأُمَّ أَوْ يُحْرِجْهَا، بَلْ أَقَرَّ العَمَلَ بِسَكِينَةٍ وَرَحْمَةٍ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ -أَيْ رَشَّهُ وَأَتْبَعَهُ المَاءَ دُونَ صَبٍّ كَثِيفٍ أَوْ عَصْرٍ- وَلَمْ يَغْسِلْهُ كَمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنَ النَّجَاسَةِ المُغَلَّظَةِ، لِيَسُنَّ النَّبِيُّ ﷺ لِلأُمَّةِ حُكْماً فِقْهِيّاً، يُفَرِّقُ بَيْنَ بَوْلِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَطْعَمِ الأَكْلَ عَلَى وَجْهِ الاِشْتِهَاءِ، فَيُكْتَفَى فِي طَهَارَتِهِ بِالنَّضْحِ وَالرَّشِّ، وَبَيْنَ بَوْلِ الجَارِيَةِ أَوْ الصَّبِيِّ الَّذِي أَكَلَ الطَّعَامَ فَيُغْسَلُ غَسْلاً، وَفِي ذَلِكَمْ تَخْفِيفٌ وَتَيْسِيرٌ عَلَى الأُمَّهَاتِ وَالمُرَبِّينَ.
وَكَانَ مِنْ عَادَةِ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- أَنْ يَأْتُوا بِأَطْفَالِهِمْ وَوِلْدَانِهِمْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيَبْرُكَهُمْ، وَيَدْعُوَ لَهُمْ بِالْبَرَكَةِ، وَيُحَنِّكَهُمْ بِالتَّمْرِ، طَمَعاً فِي بَرَكَةِ دُعَائِهِ، وَفَضْلِ ذَاتِهِ الشَّرِيفَةِ، فَكَانَ ﷺ يَسْتَقْبِلُهُمْ بِالصَّدْرِ الرَّحْبِ، وَالبَشَاشَةِ الدَّائِمَةِ، فَمَا جَهَمَ فِي وَجْهِ طِفْلٍ، وَلاَ زَجَرَ أُمّاً، بَلْ كَانَ لَهُمْ أَبّاً رَحِيماً، وَمُعَلِّماً كَرِيماً.
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلاَنِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي فَتْحِ البَارِي: «قَوْلُهُ: (فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ بَوْلِ الصَّبِيِّ وَبَوْلِ الجَارِيَةِ، فَيُكْتَفَى فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَطْعَمِ الطَّعَامَ لِلإِغْتِذَاءِ بِالنَّضْحِ وَهُوَ رَشُّ المَاءِ حَتَّى يَغْمُرَهُ مِنْ غَيْرِ عَصْرٍ وَلاَ جَرَيَانٍ، وَفِيهِ حُسْنُ خُلُقِ النَّبِيِّ ﷺ، وَتَوَاضُعُهُ، وَصَبْرُهُ عَلَى الأَطْفَالِ، وَتَبَرُّكُ الصَّحَابَةِ بِأَخْذِ أَطْفَالِهِمْ إِلَيْهِ لِيَدْعُوَ لَهُمْ وَيُحَنِّكَهُمْ».
وَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «فِي هَذَا الحَدِيثِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ بَوْلِ الصَّبِيِّ وَالْجَارِيَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَجَمَاهِيرِ العُلَمَاءِ؛ أَنَّ بَوْلَ الصَّبِيِّ يُنْضَحُ وَبَوْلَ الجَارِيَةِ يُغْسَلُ، وَفِيهِ بَيَانُ رَحْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَمَالِ خُلُقِهِ وَحِلْمِهِ، وَمُلاَطَفَةِ الصِّغَارِ وَإِجْلاَسِهِمْ فِي الحِجْرِ، وَاسْتِحْبَابُ تَحْنِيكِ المَوْلُودِ وَالدُّعَاءِ لَهُ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ هَذَا الحَدِيثَ الشَّرِيفَ يَرْشُدُ الأُمَّةَ إِلَى حَقَائِقَ تَرْبَوِيَّةٍ وَفِقْهِيَّةٍ جَلِيلَةٍ، ومنها:
أَوَّلاً: أَنَّ الشَّرِيعَةَ الإِسْلاَمِيَّةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اليُسْرِ وَرَفْعِ الحَرَجِ، إِذْ خَفَّفَتْ فِي طَهَارَةِ بَوْلِ الرَّضِيعِ، لِكِثْرَةِ المَشَقَّةِ فِي المَلاَبَسَةِ.
ثَانِياً: أَنَّ التَّوَاضُعَ لِلأَطْفَالِ وَالرِّفْقَ بِهِمْ مِنْ سُنَنِ المُرْسَلِينَ، وَأَنَّ الغَضَبَ عَلَيْهِمْ فِي أَمْرٍ جِبِلِّيٍّ يُنَافِي كَمَالَ الرَّحْمَةِ.
ثَالِثاً: أَنَّ الاِقْتِدَاءَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي سَعَةِ الصَّدْرِ وَالحِلْمِ، وهو مَطْلُوبٌ مِنْ كُلِّ مُرَبٍّ وَأَبٍ وَمُعَلِّمٍ فِي كُلِّ زَمَانٍ.
وفي الحديث: (عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ» (رواه البخاري ومسلم).
وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: «مَا رَأَيْتُ أَحَداً كَانَ أَرْحَمَ بِالعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ».
وفي الصحيحين: (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَؤُمُّ النَّاسَ وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي العَاصِ عَلَى عَاتِقِهِ، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا، وَإِذَا رَفَعَ مِنْ السُّجُودِ أَعَادَهَا»
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية «الرَّحْمَةُ النَّبَوِيَّةُ وَفِقْهِ التَّيْسِيرِ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
يقول الله تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (157) الأعراف،
فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى، وَتَأَمَّلُوا فِي سِيرَةِ نَبِيِّكُمْ ﷺ، وكَيْفَ صَارَتْ أَفْعَالُهُ الشَّرِيفَةُ مَنَارَةً لِلأَخْلاَقِ الفَاضِلَةِ، وَقُدْوَةً يَهْتَدِي بِهَا المُؤْمِنُونَ فِي بِيُوتِهِمْ، وَمَجْتَمَعَاتِهِمْ؛ فَإِنَّ المَوَاقِفَ النَّبَوِيَّةَ مَعَ الأَطْفَالِ لَمْ تَكُنْ صُدْفَةً، أَوْ حَادِثاً عَابِراً، بَلْ كَانَتْ مَنْهَجاً أَبَوِيّاً يَنْضَحُ بِالرَّحْمَةِ، وَيَسْتَأثر القُلُوبَ، وَيَغْرِسُ المَحَبَّةَ فِي نُفُوسِ النَّاشِئَةِ.
فكَانَ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاءُوا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَيَدْعُو بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ يُعْطِيهِ لِأَصْغَرِ وَلِيدٍ يَحْضُرُهُ، لِيُرَسِّخَ فِي الأُمَّةِ: أَنَّ الصِّغَارَ هُمْ جِيلُ المُسْتَقْبَلِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الرِّعَايَةَ وَالحَنَانَ.
وَإِنَّ الخَطَرَ كُلَّ الخَطَرِ يِكْمُنُ فِي القَسْوَةِ عَلَى الصِّغَارِ، أَوْ ضِيقِ الصَّدْرِ بِمَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ، مِنْ طَيْشٍ أَوْ جَهْلٍ، أَوْ حَرَمَانِهِمْ مِنْ العَاطِفَةِ وَالدُّعَاءِ؛
فَالْمُرَبِّي النَّاجِحُ هُوَ مَنْ يَقْتَدِي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي صَبْرِهِ وَتَوَاضُعِهِ، فَيُقَابِلُ زَلَّاتِهِمْ بِالحِلْمِ، وَأَخْطَاءَهُمْ بِالتَّعْلِيمِ، دُونَ جَفَاءٍ أَوْ عُنْفٍ يُفْسِدُ الفِطْرَةَ وَيُغْلِقُ القُلُوبَ.
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي التَّمْهِيدِ: «فِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفِقْهِ إِثْبَاتُ الرَّفَةِ
وَالرَّحْمَةِ بِالأَطْفَالِ، وَعَدَمُ الاِشْمِئْزَازِ مِمَّا يَصْدُرُ مِنْهُمْ، وَفِيهِ إِكْرَامُ الزَّائِرِ وَإِنْ كَانَ طِفْلاً، وَتَبَرُّكُ الآبَاءِ بِدُعَاءِ الصَّالِحِينَ لِأَبْنَائِهِمْ، وَكَانَ هَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ أَعْظَمَ هَدْيٍ يُقْتَدَى بِهِ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي تُحْفَةِ المَوْلُودِ: «كَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ حُسْنُ المُنَاقَلَةِ مَعَ الصِّبْيَانِ، وَتَحْنِيكُهُمْ، وَالدُّعَاءُ لَهُمْ، وَمَسْحُ رُؤُوسِهِمْ، وَتَكْنِيَتُهُمْ، وَإِجْلاَسُهُمْ فِي الحِجْرِ، وَلَمْ يَكُنْ يَتَرَفَّعُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَوَاضُعاً لِلَّهِ وَرَحْمَةً بِالخَلْقِ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وفِي هَذَا الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ أُسُسٌ خَالِدَةٌ لِبِنَاءِ المَجْتَمَعِ المُرْتَقِي، ومنها:
التَّأَسِّي بِالنَّبِيِّ ﷺ، فِي سَعَةِ الصَّدْرِ، وَالحِلْمِ عَلَى الصِّغَارِ، وَعَدَمِ إِظْهَارِ الضَّجَرِ مِنْ أَمَارَاتِ طَفُولَتِهِمْ.
ومنها: الحِرْصُ عَلَى الدُّعَاءِ لِلأَبْنَاءِ، وَعَرْضِهِمْ عَلَى أَهْلِ الفَضْلِ وَالصَّلاَحِ لِيَدْعُوا لَهُمْ بِالْبَرَكَةِ وَالتَّوْفِيقِ.
ومنها: فَهْمُ سَمَاحَةِ الشَّرِيعَةِ، وَمَعْرِفَةُ أحْكَامِ الطَّهَارَةِ المَبْنِيَّةِ عَلَى التَّيْسِيرِ فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَطْعَمِ الطَّعَامَ.
ومنها: نَشْرُ المَحَبَّةِ فِي البُيُوتِ: بِالرِّفْقِ بِالأَزْوَاجِ وَالذُّرِّيَّةِ، فَمَنْ لاَ يَرْحَمْ لاَ يُرْحَمْ.
وفي الصحيحين: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: «قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِساً، فَقَالَ الأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَداً، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ».
(وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَوُقِّرْ كَبِيرَنَا» (رواه الترمذي وأبو داود).
وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ، وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ».
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَتَأَسَّوْا بِنَبِيِّكُمْ ﷺ فِي أَمْرِكُمْ كُلِّهِ، وَرَبُّوا أَبْنَاءَكُمْ عَلَى هَدْيِهِ، وَاعْمَرُوا بُيُوتَكُمْ بِالرَّحْمَةِ وَالتَّوَاضُعِ لِتَكُونُوا مِنَ الفَائِزِينَ المَقْبُولِينَ.
فاللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي أَوْلاَدِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا، وَاجْعَلْهُمْ قُرَّةَ أَعْيُنٍ لَنَا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
الدعاء
