خطبة عن (أَسبابُ هَلَاكِ الأُمَمِ)
أغسطس 13, 2026الخطبة الأولى ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ )
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى في محكم آياته : (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (1) إبراهيم
إخوة الإسلام
القرآن الكريم هو أساس رسالة التوحيد، والمصدر القويم للتشريع، ومنهل الحكمة والهداية، والرحمة المسداة للناس، والنور المبين للأمة، والمحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك وموعدنا اليوم -إن شاء الله- مع هذه الآية من كتاب الله ،نتلوها ،ونتفهم معانيها ،ونسبح في بحار مراميها ،ونعمل إن شاء الله بما جاء فيها ،مع قوله تعالى : (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (1) إبراهيم ،وقد جاء في تفسيرالسعدي قوله: (يخبر الله تعالى أنه أنزل كتابه على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم لنفع الخلق، ليخرج الناس من ظلمات الجهل والكفر والأخلاق السيئة وأنواع المعاصي إلى نور العلم والإيمان والأخلاق الحسنة، وقوله: {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} أي: لا يحصل منهم المراد المحبوب لله، إلا بإرادة من الله ومعونة، ففيه حث للعباد على الاستعانة بربهم. ثم فسر النور الذي يهديهم إليه هذا الكتاب فقال: {إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} أي: الموصل إليه وإلى دار كرامته، المشتمل على العلم بالحق والعمل به)، وفي تفسير الوسيط لطنطاوي يقول :أسند – سبحانه – الإِخراج إلى النبي صلى الله عليه وسلم باعتباره المبلغ لهذا الكتاب المشتمل على الهداية التي تنقل الناس من الكفر إلى الإِيمان ، ومن الجهالة إلى الهداية وشبه الكفر بالظلمات – كما يقول الإِمام الرازي – ، لأنه ما يتحير الرجل فيه عن طريق الهداية ، وشبه الإِيمان بالنور ، لأنه نهاية ما ينجلي به طريق هدايته ” وفى جمع ” الظلمات ” وإفراد ” النور ” إشارة إلى أن للكفر طرقا كثيرة ،وأما الإِيمان فطريق واحد وقوله – سبحانه – : (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) احتراس لبيان أن نقل الناس من حال إلى حال إنما هو بإرادة الله – تعالى – ومشيئته ، وأن الرسول ما هو إلا مبلغ فقط ، أما الهداية فمن الله وحده) .
أيها المسلمون
وقد يقول قائل مبهور بالاكتشافات العلمية المعاصرة : كيف يكون الناس في ظلمات، وبخاصة أهل الغرب الذين ذللوا بعلمهم واكتشافاتهم الصعاب ،فحولوا الظلام الدامس إلى أنوار تتلألأ ، وقربوا البعيد في الأسفار وحمل الأثقال، والتخاطب بالأصوات والرسائل المكتوبة ، والصورة عن طريق التلفاز والأقمار الصناعية، وغيرها ،ونقول : إن المتأمل في الحياة الإيمانية لأولئك المتحضرين يجدهم يؤمنون بكل شيء مادي يدخل في نطاق علمهم الدنيوي الظاهر، وكثير منهم لا يؤمنون الإيمان الحق، وهو الإيمان بالغيب، ومنه الإيمان بالخالق الإله المعبود. فالذين يسمون بأهل الكتاب، فمن يدعي منهم أنه يؤمن بالله لا يؤمن به في الحقيقة، وإنما يؤمن بآلهة متعددة: الله، الابن، روح القدس، ويسمون الثلاثة إلها واحدا، وتجد دولا كبيرة قامت في الأرض على الإلحاد الصريح الذي ينكر وجود الخالق -أصلا- مع أن كل ذرة في الكون تصرخ في وجوههم وتحتج ،وتثبت أن الله الخالق موجود، بل وتدل على أنه المعبود الحق سبحانه وتعالى. والعقل الذي لا يقر صاحبه بذلك إنما يشهد عليه بأنه أحط من أحقر الحيوانات.
وتجد وثنيين قد ملئوا جوانب كثيرة من الأرض يقدسون كل مخلوق ويعبدونه من دون الله، كالبقر والنار والشجر والحيوان والنهر، بل حتى الفرج، وتجد كبار فلاسفتهم يعيشون مع الكلاب والقطط والدجاج، في الغابات يعبدون غير الله، ويُعبَدون هم من دون الله.
وتجد جمهرة من المسلمين يعبدون القبور ويطوفون بها ويتمسحون بترابها ويدعون أهلها من دون الله! ، وهذا الدمار الذي يحطم الروابط المادية التي لا أساس لها من دين أو خلق، فلا يرحم قوي ضعيفا ولا يحترم صغير كبيرا ،فهل ترى أمثال هؤلاء يعيشون في نور أم ظلمات؟!
إن العالم المتحضر اليوم لهو محروم من النور الرباني ،وتحيط به الظلمات الشيطانية من كل جانب، لذا يجب على أهل الحق السعي الجاد لإخراجه من الظلمات إلى النور. وكما أن الكفر كله ظلمات، فإن الإسلام كله نور، قال الله تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (122) الأنعام ،وقد قارن القرآن الكريم بين ذوي العقول التي صاغها النور الرباني وأشرقت عليها أنوار وحيه، وبين ذوي العقول المظلمة التي أحاطت بها الظلمات من كل جانب، فقال الله تعالى في الفريقين: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) النور (35)، إلى أن قال جل وعلا: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) (39)، (40) النور
أيها المسلمون
وفي قوله تعالى : (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (1) إبراهيم ، فيه بيان أن طريق النور واحد لا تعدد فيه، وأن الظلمات طرق كثيرة تتشعب وتتعدد، وقد فطر الله تعالى العباد على حب النور، فيجدون فيه الاستقرار، ويجدون فيه الطمأنينة ،ويجدون فيه النشاط، ويكرهون الظلام الدامس فلا يرون فيه الأشياء، ويخشون من المفاجآت، ويضلون فيه الطريق ،فلا يعرفون إلى أين يسيرون. والنور اسم من أسمائه تعالى، وصفة من صفاته، والنور صفة من صفات النبي صلى الله عليه وسلم، وصفة من صفات الوحي ومن آثاره، وهو صفة من صفات القرآن، وهو صفة من صفات المؤمن الصادق يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في سنن الترمذي : (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ ». والله تعالى يبغض الظلام والظلمات ،وينزه المؤمن عن الظلم الظلمات، ففي الصحيحين : (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ – رضي الله عنهما – عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ « الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ »،
فمن أعرض عن الله ،واتبع سبيل الشيطان وكذب وظلم وأفسد في الأرض يسلبه الله النور، ويجعله في ظلمات بعضها فوق بعض، قال الله تعالى : ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ [النور :40].
فالمؤمن يحتاج إلى النور في قلبه وروحه وعقله؛ ليدرك الحقيقة على ما هي عليه، ويتلذذ بذلك النور الذي يزهو ويتلألأ بذكر الله فتطمئن به القلوب،
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ )
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
لقد جاء رسول الله محمَّد – عليه الصلاة والسلام – بالنور ،وأوحى الله إليه بهذا الكتاب ليخرج الناس من الظلمات إلى النور. فهذه مهمّة هذا الكتاب، ومهمَّة الرسول الذي أُنزل إليه هذا الكتاب أن يُخرج الناس من الظلمات إلى النور، وأن يُعلِّمهم من جَهَالة، وأن يهديَهم من ضلالة، وأن يُخرجهم من ظلمات الشِّرك إلى نور التوحيد، ومن ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن ظُلمات الرذيلة إلى نور الفضيلة، ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن ظلمات الانحراف إلى نور الاستقامة، ومن ظلمات الباطل إلى نور الحق، ومن ظلمات الطاغوت إلى نور الله عزَّ وجل، فهذا الرسول يُخرج الناس من الظلمات: ظلمات الاعتقاد، وظلمات الفكر، وظلمات السلوك، وظلمات التقاليد، وظلمات الأنظمة الجاهليَّة، والقوانين الجاهلية، ليخرجهم من هذه الظلمات كلها إلى نُور الإسلام بإذن الله عزَّ وجل ، والرسول صلى الله عليه وسلم عليه أن يقوم بالجهد لإخراج الناس، فهم لن يخرجوا بمجرَّد أن يتلوَ عليهم القرآن، فهم بحاجة إلى جهدٍ جَهيد لإخراجهم من الظلمات إلى النُّور، يحتاجون إلى دعوة، إلى ترغيب، إلى ترهيب، إلى تشويق، إلى تخويف، إلى تربية، إلى متابعة.
الدعاء
