خطبة عن «بَرَكَاتُ آلِ أَبِي بَكْرٍ وَتَيْسِيرُ الشَّرِيعَةِ الإِسْلاَمِيَّةِ»
سبتمبر 28, 2026الخطبة الأولى (سَعَةُ رَحْمَةِ اللهِ، وَحُرْمَةُ الظُّلْمِ، وَسُوءُ عَاقِبَته)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
روى الامام البخاري في صحيحه: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ لَمَّا نَزَلَتِ (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).
إخوة الإسلام
نَقِفَ اليَوْمَ أَمَامَ حَدِيثٍ نَبَوِيٍّ جَلِيلٍ، يَكْشِفُ لَنَا عَنْ شَفَقَةِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ بِدِينِهِمْ، وَيُؤَسِّسُ لِأَعْظَمِ قَوَاعِدِ التَّفْسِيرِ وَالعَقِيدَةِ، وَيَفْتَحُ لَنَا بَابَ الحَدِيثِ عَنْ أَعْظَمِ ذَنْبٍ عُصِيَ اللهُ بِهِ، أَلَا وَهُوَ الظُّلْمُ.
فتَأَمَّلُوا هَذِهِ اللَّحْظَةَ الإِيمَانِيَّةَ الفَارِقَةَ، فلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الأَنْعَامِ، الَّتِي تَعِدُ أَهْلَ الإِيمَانِ بِالأَمْنِ، وَالهِدَايَةِ المُلْقَاةِ: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام :82]، شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مَشَقَّةً شَدِيدَةً؛ لِأَنَّهُمْ فَهِمُوا “الظُّلْمَ” فِي الآيَةِ عَلَى عُمُومِهِ، فَقَالُوا بِوَجَلٍ وَخَوْفٍ: “أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟”؛ إِذْ لاَ يَخْلُو بَشَرٌ مِنْ زَلَّةٍ، أَوْ تَقْصِيرٍ، فَجَاءَ التَّوْضِيحُ النَّبَوِيُّ الإِلَهِيُّ، لِيُبَيِّنَ أَنَّ “الظُّلْمَ” المُوجِبَ لِزَوَالِ الأَمْنِ المُطْلَقِ فِي الآيَةِ، هُوَ الشِّرْكُ بِاللهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13].
وَالظُّلْمُ فِي شَرِيعَةِ اللهِ: هُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ المَخْصُوصِ لَهُ، وَهُوَ الجَوْرُ، وَالتَّعَدِّي، الَّذِي حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى نَفْسِهِ العلية، وَجَعَلَهُ حَرَامًا بَيْنَ عِبَادِهِ؛ فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا فِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا». وفي الصحيحين: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ – رضى الله عنهما – عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِنَّ لِلظُّلْمِ أَنْوَاعًا ثَلَاثَةً، جَمَعَتْهَا النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ، وَالوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَقِفَ عِنْدَهَا ،لِيَحْذَرَهَا: النوْعُ الأَوَّلُ: ظُلْمٌ لاَ يَغْفِرُهُ اللهُ إِلاَّ بِالتَّوْبَةِ وَالتَّوْحِيدِ، وهو (ظُلْمُ العَبْدِ فِي حَقِّ رَبِّهِ) :وَهُوَ أَعْظَمُ الظُّلْمِ وَأَشْنَعُهُ، وَهُوَ الشِّرْكُ بِاللهِ تَعَالَى، وَصَرْفُ شَيْءٍ مِنْ حُقُوقِ الخَالِقِ لِلْمَخْلُوقِ. قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكِ لِمَن يَشَاءُ} [النساء:48]. فَمَنْ جَعَلَ لِلَّهِ نِدًّا، فِي عِبَادَتِهِ، أَوْ في دُعَائِهِ، أَوْ في تَوَكُّلِهِ، فَقَدْ ظَلَمَ أَعْظَمَ ظُلْمٍ، وَحَرَمَ نَفْسَهُ الأَمْنَ فِي الآخِرَةِ. وفي الصحيحين: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِيَّ-صلى الله عليه وسلم- أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ قَالَ «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ».
النوْعُ الثَّانِي: ظُلْمُ العَبْدِ لِنَفْسِهِ (فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ): وَهُوَ ارْتِكَابُ المَعَاصِي وَالذُّنُوبِ، الَّتِي لاَ تَمَسُّ حُقُوقَ الآخَرِينَ؛ كَتَرْكِ بَعْضِ الوَاجِبَاتِ، أَوْ اقْتِرَافِ المُحَرَّمَاتِ فِي السِّرِّ.
وَهَذَا الظُّلْمُ يَمْحُوهُ الِاسْتِغْفَارُ، وَالتَّوْبَةُ النَّصُوحُ، وَالحَسَنَاتُ المَاحِيَةُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران:135].
النوْعُ الثَّالِثُ: ظُلْمُ العَبْدِ لِغَيْرِهِ مِنَ الخَلْقِ (ظُلْمُ العِبَادِ): وَهَذَا هُوَ الدِّيوَانُ الَّذِي لاَ يَتْرُكُ اللهُ مِنْهُ شَيْئًا، حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ لِأَصْحَابِهِ، وَيَكُونُ فِي أَمْوَالِهِمْ، أَوْ دِمَائِهِمْ، أَوْ أَعْرَاضِهِمْ.
قَالَ (صلى الله عليه وسلم) فِي خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَدَاعِ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» [متفق عليه].
فَأَكْلُ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، وَالغِشُّ، وَالرِّشْوَةُ، وَالقَذْفُ، وَالغِيبَةُ، وَالتَّعَدِّي عَلَى الضُّعَفَاءِ؛ كُلُّهَا دَوَاوينَ ظُلْمٍ، تَنْتَظِرُ القِصَاصَ العَادِلَ.
وقد جمع الرسول (صلى الله عليه وسلم) أصناف الظلم الثلاثة، في الحديث الذي رواه الامام أحمد في مسنده: (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «الدَّوَاوِينُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثَلاَثَةٌ: دِيوَانٌ لاَ يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئاً، وَدِيوَانٌ لاَ يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئاً، وَدِيوَانٌ لاَ يَغْفِرُهُ اللَّهُ،
فَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لاَ يَغْفِرُهُ اللَّهُ فَالشِّرْكُ بِاللَّهِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)،
وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لاَ يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئاً، فَظُلْمُ الْعَبْدِ نَفْسَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ: مِنْ صَوْمِ يَوْمٍ تَرَكَهُ أَوْ صَلاَةٍ تَرَكَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَغْفِرُ ذَلِكَ، وَيَتَجَاوَزُ إِنْ شَاءَ،
وَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لاَ يَتْرُكُ اللَّهُ مِنْهُ شَيْئاً: فَظُلْمُ الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً الْقِصَاصُ لاَ مَحَالَةَ».
وفي سنن الترمذي: (أن عَلِيًّا يَقُولُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (إِنْ تُبْدُوا مَا فِى أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ) الآيَةَ أَحْزَنَتْنَا قَالَ قُلْنَا يُحَدِّثُ أَحَدُنَا نَفْسَهُ فَيُحَاسَبُ بِهِ لاَ نَدْرِي مَا يُغْفَرُ مِنْهُ وَلاَ مَا لاَ يُغْفَرُ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا (لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وتَعَالَوْا بِنَا نَسْتَخْرِجُ أَهَمَّ القَوَاعِدِ المَعْرِفِيَّةِ وَالعَقَدِيَّةِ الَّتِي أَرسَاهَا هَذَا الحديث الشَّرِيفُ:
أَوَّلًا: شَدَّةُ حِرْصِ الصَّحَابَةِ، وَعَظَمَةُ خَوْفِهِمْ مِنَ اللهِ: فإِنَّ مَوْقِفَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ يَدُلُّ عَلَى حَيَاةِ قُلُوبِهِمْ، وَعِظَمِ تَعْظِيمِهِمْ لِكَلَامِ اللهِ. فلَمْ يُمِرُّوا الآيَةَ مَرَّ الكِرَامِ، بَلْ وَقَفُوا عِنْدَهَا، وَحَاسَبُوا أَنْفُسَهُمْ، وَخَافُوا عَلَى إِيمَانِهِمْ أَنْ يَشُوبَهُ ظُلْمٌ، يُفْقِدُهُمُ الأَمْنَ فِي الآخِرَةِ. وهَكَذَا يَكُونُ المُؤْمِنُ الحَيُّ؛ يَسْتَعْظِمُ صَغَائِرَ الذُّنُوبِ فَيَشْفِقُ مِنْهَا.
ثَانِيًا: القُرْآنُ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا: فيُعَلِّمُنَا هَذَا الحَدِيثُ أَصْلًا جَلِيلًا مِنْ أُصُولِ التَّفْسِيرِ؛ وَهُوَ أَنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَإِذَا أُبْهِمَتْ كَلِمَةٌ أَوْ العُمُومُ فِي مَوْضِعٍ، فُسِّرَتْ وَخُصِّصَتْ بِمَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ الكِتَابِ أَوْ الـسُّنَّةِ، فَالظُّلْمُ فِي آيَةِ الأَنْعَامِ، جَاءَ مُفَسَّرًا بِالشِّرْكِ فِي آيَةِ لُقْمَانَ، وَهَذَا يَمْنَعُ التَّشَدُّدَ وَالسَّقُوطَ فِي الفَهْمِ الخَاطِئِ لِلنُّصُوصِ.
ثَالِثًا: خَطَرُ الشِّرْكِ، وَسَعَةُ رَحْمَةِ اللهِ فِي المَغْفِرَةِ: فسُمِّيَ الشِّرْكُ ظُلْمًا عَظِيمًا؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ هُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَأَعْظَمُ الظُّلْمِ أَنْ يَجْعَلَ العَبْدُ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ الَّذِي خَلَقَهُ.
أَمَّا مَا دُونَ الشِّرْكِ، مِنَ المَعَاصِي وَالذُّنُوبِ، الصَّغَائِرِ أَوْ الكَبَائِرِ -إِذَا لَمْ يَسْتَحِلَّهَا العَبْدُ- فَهِيَ فِي مَشِيئَةِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، لاَ تُسْقِطُ أَصْلَ الأَمْنِ وَالإِيمَانِ، الَّذِي وَعَدَ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ المُوَحِّدِينَ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (سَعَةُ رَحْمَةِ اللهِ، وَحُرْمَةُ الظُّلْمِ، وَسُوءُ عَاقِبَته)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِنَّ للظَّالِمِينَ فِي سُنَنِ اللهِ الكَوْنِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ مَوَاعِيدَ لاَ تُخْلَفُ، وَجَزَاءً وِفَاقًا، فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الآخِرَةِ، فَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ أَنْ يُمْلِيَ اللهُ لِلظَّالِمِ، فَإِنَّ المَهَلَ لاَ يَعْنِي الإِهْمَالَ، ففي الصحيحين: (عَنْ أَبِي مُوسَى – رضي الله عنه – قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ». قَالَ ثُمَّ قَرَأَ (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهْىَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) [هود :102]
فجَزَاءُ الظَّالِمِينَ فِي الدُّنْيَا: الأَخْذُ الأَلِيمُ وَالبَطْشُ الشَّدِيدُ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»،
ومن جَزَاء الظَّالِمِينَ فِي الدُّنْيَا: إِجَابَةُ دَعْوَةِ المَظْلُومِ فيه: فقد جَعَلَ اللهُ دَعْوَةَ المَظْلُومِ مَشْرُوعَةً، لاَ حِجَابَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ؛ فَقَدْ قَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ:
«وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ» [متفق عليه].
وفي سنن الترمذي:(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- …(وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ يَرْفَعُهَا فَوْقَ الْغَمَامِ وَتُفَتَّحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ وَعِزَّتِي لأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ».
ومن جَزَاء الظَّالِمِينَ فِي الدُّنْيَا: مَحْقُ البَرَكَةِ وَزَوَالُ النِّعَمِ: إِذْ يَجْعَلُ اللهُ عُقْبَى الظُّلْمِ خَرَابًا فِي الدِّيَارِ، وَشَتَاتًا فِي الشَّمْلِ، وَقَسْوَةً فِي القَلْبِ.
ثَانِيًا: جَزَاءُ الظَّالِمِينَ فِي الآخِرَةِ: الظُّلُمَاتُ المُتَرَاكِمَةُ يَوْمَ القِيَامَةِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ» [متفق عليه]. فَبَيْنَمَا يَمْشِي المُؤْمِنُونَ وَنُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، يَتَرَدَّى الظَّالِمُ فِي ظُلُمَاتِ المَوْقِفِ وَالهَوْلِ.
ومنها: الإِفْلَاسُ العَظِيمُ وَأَخْذُ الحَسَنَاتِ: فقد رَوَى مُسْلِمٌ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا المُفْلِسُ؟» قَالُوا: المُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ. فَقَالَ: «إِنَّ المُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ».
ومنها: الحِرْمَانُ مِنَ الشَّفَاعَةِ وَالنَّصِيرِ: قَالَ تَعَالَى: {مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ} [غافر:18]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ} [البقرة:270].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِنَّ هَذَا التَّصْحِيحَ النَّبَوِيَّ الكَرِيمَ يَسْكُبُ الأَمَانَ فِي قُلُوبِ المِلَاحِ، وَيَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى مَنَاهِجِ الغُلُوِّ وَالتَّكْفِيرِ، الَّتِي تَسْتَغِلُّ الظَّوَاهِرَ، لِتَكْفِيرِ المُسْلِمِينَ بِمُجَرَّدِ المَعَاصِي.
والسؤال: كَيْفَ نَتَمَثَّلُ هَذَا الفِقْهَ النَّبَوِيَّ فِي حَيَاتِنَا اليَوْمِيَّةِ؟، والجواب: أولا: حِفْظُ حَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ وَالحَذَرُ مِنَ الشِّرْكِ: فأَعْظَمُ مَا يَحْمِي أَمْنَ العَبْدِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ هُوَ: تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ الخَالِصِ، وَتَطْهِيرُ القَلْبِ مِنَ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ وَالأَصْغَرِ؛ كَالرِّيَاءِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَى غَيْرِ اللهِ، وَالحَلِفِ بِغَيْرِهِ، فَمَنْ سَلِمَ تَوْحِيدُهُ، كَانَ لَهُ النَّصِيبُ الأَعْظَمُ مِنْ أَمْنِ اللهِ وَهِدَايَتِهِ.
ثانيا: الرَّجَاءُ دُونَ اتِّكَالٍ، وَالخَوْفُ دُونَ يَأْسٍ: فيُعَلِّمُنَا الحَدِيثُ المُوَازَنَةَ الدَّقِيقَةَ فِي السَّلُوكِ؛ فَلاَ يَيْأَسُ المُسْلِمُ مِنْ رَوْحِ اللهِ، بِسَبَبِ ذُنُوبِهِ، مَادَامَ مُوَحِّدًا تائبا، مُسْتَغْفِرًا، وَلاَ يَجْرُؤُ عَلَى المَعَاصِي اسْتِهَانَةً بِحَقِّ اللهِ، بَلْ يَجْمَعُ بَيْنَ الخَوْفِ، وَالرَجَاءِ في رَحْمَةِ اللهِ الوَاسِعَةِ.
ثالثا: التَّأَنِّي فِي فَهْمِ النُّصُوصِ، وَالرُّجُوعُ إِلَى العُلَمَاءِ: فإِيَّاكُمْ وَالأَخْذَ بِظَوَاهِرِ الآيَاتِ، أَوْ الأَحَادِيثِ، دُونَ العَوْدَةِ إِلَى تَفْسِيرِ السَّلَفِ، وَفَهْمِ العُلَمَاءِ المَحَقِّقِينَ، فَلَوْلاَ سُؤَالُ الصَّحَابَةِ لِلنَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لَبَقُوا فِي حَرَجٍ وَضِيقٍ. فَالرُّجُوعُ إِلَى أَهْلِ العِلْمِ فِي المُتَشَابِهَاتِ هُوَ عِصْمَةُ العَقْلِ وَالدِّينِ.
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَتَحَلَّلُوا مِنَ المَظَالِمِ، قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، وَأَدُّوا الحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا، وَطَهِّرُوا بُيُوتَكُمْ وَمُعَامَلَاتِكُمْ مِنَ الجَوْرِ وَالتَّعَدِّي.
[الدُّعَاءُ]
