خطبة عن (السَّمَاحةُ مَنْهَجُ الأَبْرَارِ)
سبتمبر 26, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (السنن الكونية للنصر والتمكين)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
قَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر:51]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور:55].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
حديثنا اليوم- إن شاء الله تعالى- عن (السنن الكونية للنصر والتمكين)، فالسنن الكونية هي: قوانين إلهية ثابتة، لا تتخلف، وهي تربط بين الأسباب، والنتائج، لتحقيق نصر المؤمنين، وقد قصَّ الله علينا من أخبار الأمم السالفة في ذلك، ما فيه العِبرةُ والموعظة الحسنة؛ للَفْت الانتباهِ إلى أسباب النصر للأخذ بها، وأسباب الهزيمة للابتعاد عنها،
قال تعالى: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (137) آل عمران،
وقال تعالى :(فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) (43) فاطر،
وَهَكَذَا يَتَبَيَّنُ لَنَا أَنَّ لِلنَّصْرِ سُنَنًا، يَجِبُ مُرَاعَاتُهَا، وَلِلْهَزِيمَةِ أَسْبَابًا، يَجِبُ اجْتِنَابُهَا، وَبِقَدْرِ تَحْقِيقِ شُرُوطِ النَّصْرِ، وَاجْتِنَابِ أَسْبَابِ الْهَزِيمَةِ، يَتَحَقَّقُ النَّصْرُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَىٰ،
وَهَٰذَا يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ نَفْهَمَ طَرِيقَ نَصْرِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، دُونَ أَنْ نَتَنَبَّهَ لِلسُّنَنِ الَّتِي عَلَّقَ اللَّهُ هَٰذَا النَّصْرَ عَلَيْهَا، وَدُونَ أَنْ نَتَنَبَّهَ لِلْأَسْبَابِ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ الْهَزِيمَةَ مَنُوطَةً بِهَا، فَلَا نَتَعَامَلُ مَعَ النَّصْرِ بِأَنَّهُ وُعُودٌ مُطْلَقَةٌ، تَأْتِي فِي كُلِّ وَقْتٍ.
أيها المسلمون
وَمِنَ الْمُلَاحَظِ: أَنَّهُ فِي ظِلِّ الِاسْتِضْعَافِ الَّذِي تَمُرُّ بِهِ الْأُمَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ، أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَرْفَعُونَ أَكُفَّ الضَّرَاعَةِ، يَسْأَلُونَ اللَّهَ تَعَالَىٰ النَّصْرَ، وَهَٰذَا أَمْرٌ طَيِّبٌ، وَلَٰكِنَّهُمْ يَغْفُلُونَ عَنْ “قَوَانِينِ اللَّهِ وَسُنَنِهِ”، الَّتِي تَحْكُمُ هَٰذَا الْكَوْنَ، فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي نَصَرَ أَهْلَ بَدْرٍ وَهُمْ قِلَّةٌ، هُوَ الَّذِي أَدَّبَ الْمُسْلِمِينَ فِي أُحُدٍ، حِينَ خَالَفُوا أَسْبَابَ النَّصْرِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَالْيَوْمَ نَسْتَعْرِضُ مَجْمُوعَةً مِنْ هَٰذِهِ السُّنَنِ الْكَوْنِيَّةِ، الَّتِي جَاءَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَىٰ، وَأَرْشَدَنَا إِلَيْهَا رَسُولُهُ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)،
وَأَوَّلُهَا: الْإِيمَانُ: فَبِقَدْرِ ثَبَاتِ الْإِيمَانِ فِي الْقَلْبِ، يَأْتِي النَّصْرُ، قَالَ تَعَالَىٰ: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر:51]. وقال تعالى: (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) (14) الصف، وقال سبحانه: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ) (47) الروم ،
ومن سنن النصر والتمكين: الابتلاء والتمحيص: فالنصر قد لا يأتي إلا بعد مدة من الابتلاء، والزلزلة للجماعة المؤمنة، حتى تصقل وتمحص، وتستحق بذلك نصرا تقر به أعينهم، وتشفى به صدورهم، قال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (214) البقرة،
وفي صحيح البخاري: (عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ قَالَ شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – وَهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ لَنَا قَالَ «كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ، فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ، مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ».
ومن سنن النصر والتمكين: الصبر: فلا نصر بلا صبر، ويكون الصبر بكل ما يتضمنه من معاني: (الصبر على الابتلاءات، والصبر في الثبات وعدم الفرار أمام الأعداء، والصبر في الاستقامة على دين ﷲ وعدم التبديل في الفتن…)، قال الله تعالى: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ) (34) الأنعام،
وفي مسند أحمد: (عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْراً كَثِيراً وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً».
ومن سنن النصر والتمكين: إعداد القوة: ومعناه: أن يتخذ المؤمنون كل أسباب القوة، التي في استطاعتهم، من عدة مادية، وروحية، تمكنهم من تحقيق النصر، قال الله تعالى:(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ) الأنفال:60،
ومن سنن النصر والتمكين: بذل النفس: فبعد الإعداد المادي، لابد للجماعة المؤمنة أن تكون مستعدة لبذل أغلى ما لديها، في سبيل الظفر بالنصر، وأغلى ما يملك المرء هو نفسه، وأعظم جهاد هو الجهاد بالنفس، قال تعالى: (لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (88) التوبة، وقال تعالى: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) (14) التوبة
ومن سنن النصر والتمكين: ذكر الله والثبات: قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (45) الأنفال، وفي سنن الدارمي: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ :«لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِنْ لَقِيتُمُوهُمْ فَاثْبُتُوا وَأَكْثِرُوا ذِكْرَ اللَّهِ، فَإِنْ أَجْلَبُوا وَضَجُّوا فَعَلَيْكُمْ بِالصَّمْتِ»
وكلما أخلص المؤمنون المجاهدون نيتهم لله وحده، في هذا التدافع، وأعدوا ما استطاعوا من قوة، واستفرغوا الوسع في الأخذ بالأسباب اللازمة: المحسوسة المادية، والمعنوية الإيمانية؛ أكرمهم الله عز وجل يقينا بالنصر على الأعداء، قال تعالى: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (40) الحج.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثَّانِيَة (السنن الكونية للنصر والتمكين)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعد أيها المسلمون
وَمِنَ السُّنَنِ الْكَوْنِيَّةِ أَيْضًا: أَنَّ اللَّهَ يَتَنَزَّلُ بِالنَّصْرِ مَتَىٰ يَشَاءُ، وَوَقْتَمَا يَشَاءُ، فَقَدْ يَتَأَخَّرُ النَّصْرُ لِإِرَادَةٍ يُرِيدُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَا نَعْرِفُهَا، وَلَٰكِنَّهَا يَقِينًا مِنْ حُسْنِ تَصَرُّفَاتِ اللَّهِ فِي الْكَوْنِ، وَكُلُّ أَفْعَالِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ فِي الْكَوْنِ حَسَنَةٌ، فَلَا نَتَعَجَّلِ اللَّهَ بِالنَّصْرِ، لِأَنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالنَّصْرِ وَقْتَمَا يَشَاءُ هُوَ، لَا وَقْتَمَا نَشَاءُ نَحْنُ، وَلَا وَقْتَمَا يَشَاءُ رُسُلُهُ، وَلَا يَصِحُّ إِطْلَاقًا، أَنْ نُحَدِّدَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَتَىٰ يَتَنَزَّلُ عَلَيْنَا بِالنَّصْرِ.
وَمِنْ سُنَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْكَوْنِ: أَنَّنَا نَرْجُو مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُوهُ الْكَافِرُ، فَنَرْجُو مِنْهُ النَّصْرَ وَالتَّمْكِينَ، نَدْعُوهُ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَيَسْتَجِيبُ لَنَا مَتَىٰ أَرَادَ، قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء:104].
وَمِنْ سُنَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَٰذَا الْكَوْنِ: أَنَّ اللَّهَ مَوْلَانَا، وَالْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ، فمَا ظَنُّكَ بِجُنُودِ اللَّهِ مَوْلَاهُمْ، يُقَاتِلُونَ جُنُودًا لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ، أَوْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ﴾ [محمد:11].
وَمِنْ هَٰذِهِ السُّنن: تَقَلُّبُ الْكَافِرِينَ فِي الْبِلَادِ، وَانْتِصَارُهُمْ حَتَّىٰ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَحْيَانًا، قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران:196-197]، وَانْتِصَارُهُمْ هَٰذَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ: يَكُونُ تَأْدِيبًا، وَتَرْبِيَةً، مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، لِتُصْنَعَ الْجَمَاعَةُ الْمُؤْمِنَةُ عَلَىٰ يَدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَبِعَيْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ،
وَاعْلَمُوا أَنَّ هَٰذَا التَّقَلُّبَ وَالتَّمْكِينَ لِلْكَافِرِينَ مُؤَقَّتٌ، وَلَيْسَ بِدَائِمٍ، فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُ الْمُؤْمِنِينَ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، وَأَنْ يَنْصُرُوا اللَّهَ، وَأَنْ يَكُونُوا جُنُودًا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.
وَمِنْ سُنَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَٰذَا الْكَوْنِ: أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُؤَيِّدُ الْمُؤْمِنِينَ بِجُنُودٍ مِنْ عِنْدِهِ، وَبِأَسْبَابٍ لِلنَّصْرِ مِنْ عِنْدِهِ لَا نَعْلَمُهَا، وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهَا، قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الفتح:4]، وَقَالَ تَعَالَىٰ: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:151].
وَمِنْ سُنَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَٰذَا الْكَوْنِ: سُنَّةُ التَّغْيِيرِ النَّفْسِيِّ، قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:11]. فَإِذَا أَرَدْنَا تَمْكِينًا فِي الْأَرْضِ، فَلْنَبْدَأْ بِتَمْكِينِ شَرْعِ اللَّهِ فِي بُيُوتِنَا، وَفِي أَخْلَاقِنَا، وَفِي مُعَامَلَاتِنَا. التَّغْيِيرُ يَبْدَأُ مِنَ الدَّاخِلِ، وَالنَّصْرُ يَنْزِلُ عَلَىٰ قَدْرِ الصِّدْقِ فِي هَٰذَا التَّغْيِيرِ»
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَإِنَّ سُنَنَ اللَّهِ فِي النَّصْرِ تُخْبِرُنَا أَنَّ “الْهَزِيمَةَ النَّفْسِيَّةَ” هِيَ أَخْطَرُ أَنْوَاعِ الْهَزَائِمِ، فَعَلَيْنَا بِالِاجْتِمَاعِ وَنَبْذِ الْفُرْقَةِ: فَمِنْ أَعْظَمِ سُنَنِ النَّصْرِ وَحْدَةُ الْكَلِمَةِ؛ قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:46]، فَالْأُمَّةُ الْمُمَزَّقَةُ طُعْمَةٌ سَائِغَةٌ، وَالتَّمْكِينُ لَا يَنْزِلُ عَلَىٰ قُلُوبٍ مُتَنَاحِرَةٍ، وَعَلَيْنَا بِطُولِ النَّفَسِ وَالْيَقِينِ: فَلَا تَسْتَبْطِئُوا النَّصْرَ، وَلَا تَظُنُّوا أَنَّ الْبَاطِلَ إِذَا انْتَفَشَ فَقَدْ غَلَبَ، وَأَنَّ دَوَامَ الْحَالِ مِنَ الْمُحَالِ، وَسُنَّةَ اللَّهِ فِي الظَّالِمِينَ هِيَ الْقَصْمُ بَعْدَ الْإِمْهَالِ. وَعَلَيْكُمْ بِالِارْتِبَاطِ بِرَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ: فَفِي قِمَّةِ الْأَخْذِ بِالْأَسْبَابِ، يَجِبُ أَنْ يَظَلَّ الْقَلْبُ مُتَعَلِّقًا بِالْخَالِقِ. النَّصْرُ لَيْسَ كَثْرَةَ عَدَدٍ وَلَا عَتَادٍ، بَلْ هُوَ “مِنْحَةٌ” لِمَنِ اسْتَحَقَّهَا.
وَعَلَيْكُمْ بِالْعَفْوِ عِنْدَ الْمَقْدِرَةِ: فَحِينَ مَكَّنَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مِنْ رِقَابِ مَنْ آذَوْهُ وَطَرَدُوهُ، لَمْ يَنْصِبِ الْمَشَانِقَ، وَلَمْ يَرْفَعِ السِّيَاطَ، بَلْ قَالَ كَلِمَتَهُ الَّتِي أَعْجَزَتِ التَّارِيخَ: “اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ”، وَإِنَّ أَخْلَاقَ النَّصْرِ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْهَدَفُ هُوَ “هِدَايَةَ الْقُلُوبِ” لَا “تَحْطِيمَ الْأَبْدَانِ”.
وَعَلَيْكُمْ بِالْعَدْلِ مَعَ الْمَغْلُوبِ: فَالتَّمْكِينُ لَا يَعْنِي اسْتِبَاحَةَ الْحُقُوقِ، فَالْإِسْلَامُ وَضَعَ قَوَاعِدَ لِلْحَرْبِ وَالْفَتْحِ؛ فَلَا يُقْتَلُ جَرِيحٌ، وَلَا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ، وَلَا تُقْطَعُ شَجَرَةٌ، وَلَا تُهْدَمُ صَوْمَعَةٌ، فَالنَّصْرُ فِي الْإِسْلَامِ هُوَ “انْتِصَارٌ لِلْقِيَمِ” قَبْلَ أَنْ يَكُونَ انْتِصَارًا فِي الْمَيْدَانِ. وَعَلَيْكُمْ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ: فَالتَّمْكِينُ لَهُ وَظِيفَةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ وَدِينِيَّةٌ؛ قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:41]، وَالنَّصْرُ هُوَ الْبِدَايَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لِلْعَمَلِ وَالْبِنَاءِ، وَلَيْسَ النِّهَايَةَ لِلِاسْتِرَاحَةِ وَالِاسْتِمْتَاعِ.
وَكَمَا أَنَّ لِلنَّصْرِ أَخْلَاقًا، فَإِنَّ لَهُ “آفَاتٍ” قَدْ تُحَوِّلُ التَّمْكِينَ إِلَىٰ اسْتِدْرَاجٍ، وَمِنْهَا: الْبَطَرُ وَالظُّلْمُ: فَإِنَّ أَعْظَمَ خَطَرٍ يُهَدِّدُ الْأُمَّةَ الْمُمَكَّنَةَ هُوَ أَنْ تَظْلِمَ الضُّعَفَاءَ، أَوْ تَسْتَبِدَّ بِالثَّرَوَاتِ. فَالظُّلْمُ هُوَ “مُؤْذِنٌ بِخَرَابِ الْعِمْرَانِ” وَزَوَالِ الدُّوَلِ، وَلَوْ كَانَتْ مُسْلِمَةً.
وَمِنْهَا: التَّنَازُعُ عَلَى الْمَكَاسِبِ: فَفِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، كَانَ حُبُّ الْغَنَائِمِ سَبَبًا فِي الِانْكِسَارِ. وَفِي كُلِّ تَمْكِينٍ، إِذَا بَدَأَتِ الصِّرَاعَاتُ عَلَى الْمَنَاصِبِ وَالْمَغَانِمِ، رُفِعَتْ يَدُ اللَّهِ عَنِ الْقَوْمِ.
وَمِنْهَا: نِسْيَانُ الْغَايَةِ: فَالْغَايَةُ مِنَ التَّمْكِينِ هِيَ “تَعْبِيدُ النَّاسِ لِلَّهِ”، فَإِذَا انْشَغَلَ الْمُنْتَصِرُونَ بِالْبِنَاءِ الْمَادِّيِّ وَنَسُوا بِنَاءَ الْأَرْوَاحِ، فَقَدُوا مُبَرِّرَ وُجُودِهِمْ كَأُمَّةٍ خَيْرِيَّةٍ.
( الدعاء )
