خطبة عن (مِنْ وَصَايَا النَّبِيِّ)
أغسطس 27, 2026الخطبة الأولى (مِيثَاقُ البَيْعَةِ النَّبَوِيَّةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
روى الامام البخاري في صحيحه: (أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ – رضي الله عنه – وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ «بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ، وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ، فَهُوَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ». فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ).
إخوة الإسلام
نَقِفُ اليَوْمَ- إن شاء الله تعالى- أَمَامَ نَصٍّ نَبَوِيٍّ خَالِدٍ، يُعَدُّ مِنْ أَعْظَمِ التَّشْرِيعَاتِ المُنَظَّمَةِ لِلْمُجْتَمَعِ، وَمِنْ جَوَامِعِ كَلِمِ النُّبُوَّةِ الَّتِي تَسْكُنُ القُلُوبَ. نَعِيشُ اليَوْمَ مَعَ حَدِيثٍ جَلِيلٍ أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، (أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ:
«بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ، وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ، فَهُوَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ». قَالَ عُبَادَةُ: فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ.
فإِنَّ هَذَا المَشْهَدَ النَّبَوِيَّ الشَّرِيفَ، الَّذِي جَمَعَ النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِأَصْحَابِهِ، لَيْسَ مُجَرَّدَ قِصَّةٍ فِي السِّيرَةِ، بَلْ هُوَ إِعْلَانُ “مِيثَاقِ بَيْعَةٍ”، وَدَسْتُورٌ عَمَلِيٌّ، يَسْتَهْدِفُ إِقَامَةَ الفَرْدِ الصَّالِحِ، وَتَشْيِيدَ المُجْتَمَعِ الرَّاشِدِ.
فلَقَدْ جَمَعَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي هَذَا الحَدِيثِ بَيْنَ أُصُولِ العَقِيدَةِ، وَحِمَايَةِ المَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ الخَمْسِ: (الدِّينِ، وَالنَّفْسِ، وَالعَقْلِ، وَالعِرْضِ، وَالمَالِ).
كما جَمَعَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي هَذِهِ البَيْعَةِ بَيْنَ حَقِّ اللهِ تَعَالَى، وَحُقُوقِ العِبَادِ، وَصِيَانَةِ الأَعْرَاضِ، وَالأَمْوَالِ، وَالأَرْوَاحِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
فتَعَالَوْا بِنَا اليَوْمَ- إن شاء الله تعالى- نَغُوصُ فِي أَعْمَاقِ هَذَا المِيثَاقِ، وَنَتَأَمَّلُ هَذِهِ البُنُودَ النَّبَوِيَّةَ السِّتَّةَ:
أَوَّلًا: أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا: فقد بَدَأَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ميثاقه بِالتَّوْحِيدِ؛ لِأَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ الأَسَاسُ الَّذِي تُبْنَى عَلَيْهِ كُلُّ الفَضَائِلِ، فَإِذَا صَحَّتِ العَقِيدَةُ فِي القَلْبِ، صَلَحَتْ الجَوَارِحُ، ولأنَّ الشِّرْكَ هُوَ أَعْظَمُ جَرِيمَةٍ وَظُلْمٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان:13]
وَالشِّرْكُ لَيْسَ فَقَطْ فِي سُجُودٍ لِصَنَمٍ، بَلْ يَمْتَدُّ فِي وَاقِعِنَا، لِيَشْمَلَ التَّعَلُّقَ بِالأَسْبَابِ دُونَ المُسَبِّبِ، وَالرِّيَاءَ فِي الأَعْمَالِ، وَالتَّوَكُّلَ عَلَى المَخْلُوقِينَ،
فَالتَّوْحِيدُ: هُوَ الأَسَاسُ الَّذِي تُبْنَى عَلَيْهِ المُرُوءَةُ وَالأَخْلَاقُ، وَبِدُونِهِ تَحْبَطُ الأَعْمَالُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر:65].
فَالوَفَاءُ بِهَذَا البَنْدِ (أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا) يَعْنِي: إِفْرَادَ اللهِ بِالعبادة، والقَصْدِ، وَالتَّوَكُّلِ.
ثَانِيًا: وقوله صلى الله عليه وسلم: (وَلاَ تَسْرِقُوا): فيه صِيَانَةٌ لِلْمَالِ المَعْصُومِ، فَالإِسْلَامُ يُقَدِّسُ المِلْكِيَّةَ الفَرْدِيَّةَ، وَيُحَرِّمُ الِاعْتِدَاءَ عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ؛ سَوَاءً كَانَ ذَلِكَ بِالسَّرِقَةِ المَادِّيَّةِ، أَوْ بِاخْتِلَاسِ المَالِ العَامِّ ،أَوْ بِالرِّشْوَةِ، أوَ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، أو غير ذلك. فَالْمُجْتَمَعُ الَّذِي يَنْتَشِرُ فِيهِ التَّعَفُّفُ عَنْ حَرَامِ الأَمْوَالِ، هُوَ مُجْتَمَعٌ آمِنٌ، يَسْتَقِرُّ فِيهِ الِاقْتِصَادُ، وَتَنْمُو فِيهِ البَرَكَةُ.
ثَالِثًا: وقوله صلى الله عليه وسلم: (وَلاَ تَزْنُوا): ففي ذلك حِمَايَةٌ لِلأَعْرَاضِ، وَالأَنْسَابِ، فإِنَّ الزِّنَا لَيْسَ مُجَرَّدَ خَطِيئَةٍ فَرْدِيَّةٍ، بَلْ هُوَ كَارِثَةٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ، تُهَدِّمُ الأُسَرَ، وَتَخْلِطُ الأَنْسَابَ، وَتُشِيعُ الأَمْرَاضَ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء:32].
وَالتَّطْبِيقُ العَمَلِيُّ لِهَذَا البَنْدِ (وَلاَ تَزْنُوا) فِي عَصْرِنَا الحاضر، يَسْتَلْزِمُ إِغْلَاقَ أَبْوَابِ الِانْحِرَافِ، وَغَضَّ البَصَرِ، وَحِفْظَ الجَوَارِحِ عَنِ المُحَرَّمَاتِ، عَبْرَ الشَّاشَاتِ وَالوَسَائِطِ المختلفة.
رَابِعًا: وقوله صلى الله عليه وسلم: (وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ): فقد كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَقْتُلُونَ أَوْلَادَهُمْ، خَشْيَةَ الفَقْرِ وَالعَارِ، فَجَاءَ الإِسْلَامُ، لِيُحَرِّمَ سَفْكَ الدِّمَاءِ الزَّكِيَّةِ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ} [الأنعام:151]. وقال تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا) (31) الاسراء.
وَهَذَا البَنْدُ يَمْتَدُّ فِي وَاقِعِنَا العَمَلِيِّ، لِيَشْمَلَ حُرْمَةَ الإِجْهَاضِ المُحَرَّمِ، كَمَا يَشْمَلُ القَتْلَ المَعْنَوِيَّ لِلأَبْنَاءِ، بِإِهْمَالِ تَرْبِيَتِهِمْ الدِينِيَّةِ وَالأَخْلَاقِيَّةِ، وَتَرْكِهِمْ فَرِيسَةً لِلأَفْكَارِ المُنْحَرِفَةِ.
خَامِسًا: وقوله صلى الله عليه وسلم: (وَلاَ تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ): فالبُهْتَانُ: هُوَ أَعْظَمُ الكَذِبِ، الَّذِي يُبْهَتُ لَهُ السَّامِعُ مِنْ هَوْلِهِ، وَتَعْبِيرُ {بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ} أَيْ الكَذِبُ الَّذِي
تَخْتَلِقُونَهُ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ، وَتَسْعَوْنَ بِهِ بَيْنَ النَّاسِ، وَهَذَا البَنْدُ يَقْطَعُ دَابِرَ الشَّائِعَاتِ، وَالإِفْكِ، وَالطَّعْنِ فِي أَعْرَاضِ الأَبْرِيَاءِ، وَالقَذْفِ، الَّذِي انْتَشَرَ فِي عَصْرِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ.
سَادِسًا: وقوله صلى الله عليه وسلم: (وَلاَ تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ): فهَذَا هُوَ ضَابِطُ الطَّاعَةِ وَالِانْصِيَاعِ، فِي المُنَظَّمَةِ الإِسْلَامِيَّةِ، فَالطَّاعَةُ لِوُلَاةِ الأُمُورِ، وَلِلْوَالِدَيْنِ، وَلِأَصْحَابِ الوِلَايَاتِ، مَشْرُوطَةٌ بِأَنْ تَكُونَ فِي “المَعْرُوفِ”، إِذْ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) كما في الصحيحين: «لاَ طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ».
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (مِيثَاقُ البَيْعَةِ النَّبَوِيَّةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِنَّ الجَانِبَ الآخَرَ المَجِيدَ فِي هَذَا الحَدِيثِ العَظِيمِ، فهُوَ يُمَثِّلُ قَامُوسًا عَقَدِيًّا فِي الرَّحْمَةِ، وَالعَدْلِ الإِلَهِيِّ، حَيْثُ يُبَيِّنُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِيهِ مَصِيرَ مَنْ بَايَعَ وَالتَزَمَ، وَكَيْفِيَّةَ تَعَامُلِ الشَّرْعِ مَعَ الَضَّعْفِ البَشَرِيِّ.
فتَأَمَّلُوا قَوْلَهُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ». يَا للهِ!، لَمْ يُحَدِّدْ مِقْدَارَ الأَجْرِ؛ لِأَنَّ الكَرِيمَ إِذَا قَالَ “أَجْرُهُ عَلَيَّ”، (فَلَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ). فَالوَفَاءُ بِهَذِهِ البَيْعَةِ: يَقُودُ إِلَى الفَوْزِ بِرِضْوَانِ اللهِ وَجَنَّاتِ النَّعِيمِ.
ثُمَّ يَنْتَقِلُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إِلَى التَّسْلِيَةِ، وَبَيَانِ الأَحْكَامِ، لِمَنْ ضَعُفَتْ نَفْسُهُ، وَسَقَطَ فِي زَلَّةٍ مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ: فَقَالَ: «وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ».
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عَدْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ؛ فَالْعُقُوبَاتُ الشَّرْعِيَّةُ كَالحُدُودِ، أَوْ حَتَّى المَصَائِبِ الَّتِي تُصِيبُ العَبْدَ فِي الدُّنْيَا بِسَبَبِ ذَنْبِهِ، تَكُونُ طَهَارَةً وَتَكْفِيرًا لَهُ، فَلَا يُكَرَّرُ عَلَيْهِ العِقَابُ فِي الآخِرَةِ؛ لِأَنَّ اللهَ أَعْدَلُ وأرحم مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ العِقَابَ عَلَى عَبْدِهِ المؤمن.
ثُمَّ أَوْضَحَ حَالَةَ السِّتْرِ، فَقَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ، فَهُوَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ».
وَهَذَا بَنْدٌ عَقَدِيٌّ فِي غَايَةِ الأَهَمِّيَّةِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ؛ إِذْ يُثْبِتُ أَنَّ مُرْتَكِبَ الكَبِيرَةِ -مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهَا أَوْ يُشْرِكْ بِاللهِ- لاَ يَكْفُرُ، بَلْ هُوَ تَحْتَ المَشِيئَةِ الإِلَهِيَّةِ، وَهَذَا يَدْعُونَا إِلَى أَمْرَيْنِ عَمَلِيَّيْنِ، فِي غَايَةِ الأَهَمِّيَّةِ لِلْفَرْدِ وَالمُجْتَمَعِ، وهما: (لُزُومُ السِّتْرِ، وَتَرْكُ المُجَاهَرَةِ): فَمَنْ أَلْمَ بِذَنْبٍ، فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ، وَلْيُقْبِلْ عَلَى التَّوْبَةِ الصَّادِقَةِ؛ فَإِنَّ المَسْتُورَ أَقْرَبُ إِلَى عَفْوِ اللهِ وَمَغْفِرَتِهِ. ففي مسند أحمد: (أَخْبَرَ يَزِيدُ بْنُ نُعَيْمِ بْنِ هَزَّالٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ فِي حِجْرِ أَبِي فَأَصَابَ جَارِيَةً مِنَ الْحَيِّ فَقَالَ لَهُ أَبِي ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَخْبِرْهُ بِمَا صَنَعْتَ لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ لَكَ. وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَخْرَجٌ فَأَتَاهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ فَأَقِمْ عَلَيَّ كِتَابَ اللَّهِ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ فَأَقِمْ عَلَيَّ كِتَابَ اللَّهِ. ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ فَأَقِمْ عَلَيَّ كِتَابَ اللَّهِ. ثُمَّ أَتَاهُ الرَّابِعَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ فَأَقِمْ عَلَيَّ كِتَابَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّكَ قَدْ قُلْتَهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَبِمَنْ». قَالَ بِفُلاَنَةَ. قَالَ «هَلْ ضَاجَعْتَهَا». قَالَ نَعَمْ. قَالَ «هَلْ بَاشَرْتَهَا». قَالَ نَعَمْ. قَالَ «هَلْ جَامَعْتَهَا » .قَالَ نَعَمْ. قَالَ فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ – قَالَ – فَأُخْرِجَ بِهِ إِلَى الْحَرَّةِ فَلَمَّا رُجِمَ فَوَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ جَزَعَ فَخَرَجَ يَشْتَدُّ فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ وَقَدْ أَعْجَزَ أَصْحَابَهُ فَنَزَعَ لَهُ بِوَظِيفِ بَعِيرٍ فَرَمَاهُ بِهِ فَقَتَلَهُ – قَالَ – ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ «هَلاَّ تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ». قَالَ هِشَامٌ فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ نُعَيْمِ بْنِ هَزَّالٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لأَبِي حِينَ رَآهُ «وَاللَّهِ يَا هَزَّالُ لَوْ كُنْتَ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْراً مِمَّا صَنَعْتَ بِهِ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَإِنَّنَا نَسْتَخْلِصُ مِنْ هَذَا الحَدِيثِ عِبَرًا وَدُرُوسًا عَمَلِيَّةً لِحَيَاتِنَا اليَوْمِيَّةِ: أولا: عِظَمُ خُلُقِ السِّتْرِ :فإِذَا أَلَمَّ العَبْدُ بِذَنْبٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَتِرَ بِسِتْرِ اللهِ، وَأَنْ يُقْبِلَ عَلَى التَّوْبَةِ الصَّادِقَةِ فِي الخَلَوَاتِ، وَأَنْ لاَ يُجَاهِرَ بِفِسْقِهِ؛ فَفي صحيح البخاري: (أن رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلاَّ الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلاً، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ، فَيَقُولَ يَا فُلاَنُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ».
ثانيا: الوَعْيُ بِالمَسْؤُولِيَّةِ الفَرْدِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ: فإِنَّ هَذِهِ البَيْعَةَ لَيْسَتْ لِلصَّحَابَةِ فِي زَمَانِهِمْ فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ مِيثَاقٌ يَمْتَدُّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ يَقْرَأُ هَذَا الحَدِيثَ. فَلْنُعَاهِدْ رَبَّنَا عَلَى أَنْ نَكُونَ أُمَنَاءَ عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ، حُرَّاسًا لِلأَعْرَاضِ، صَادِقِينَ فِي أَلْسِنَتِنَا، حَرِيصِينَ عَلَى تَرْبِيَةِ أَبْنَائِنَا.
فَاتَّقُوا اللهَ- أَيُّهَا المُسْلِمُونَ-، وَاسْتَمْسِكُوا بِهَذَا المِيثَاقِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ، وَجَدِّدُوا البَيْعَةَ مَعَ اللهِ فِي كُلِّ حِينٍ؛ لِتَحْيَوْا كُرَمَاءَ فِي الدُّنْيَا، وَتَفُوزُوا بِالجَنَّةِ فِي الآخِرَةِ.
[الدُّعَاءُ]
