خطبة عن (كَيفَ نقْتَحِمُ الْعَقَبَةَ؟)
أغسطس 8, 2026الخطبة الأولى (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ قُرَيْشٍ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) (1): (4) قريش،
إخوة الإسلام
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم: هو دراسة السورة القرآنية كوحدة واحدة، واستخراج فكرتها المحورية، ومقاصدها الأساسية، وذلك بدلاً من تفسير الآيات بشكل منفصل،
ويهدف هذا المنهج إلى إبراز الجوانب العقائدية، والإيمانية، والأخلاقية، التي تربط بين آيات السورة الواحدة، بشكل متناسق ومترابط.
واليوم- إن شاء الله تعالى- مع (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ قُرَيْشٍ)، فإن النَّاظِرَ فِي مَقَاصِدِ هذه السورة، يَجِدُهَا تَضَعُ بَيْنَ أَيْدِينَا أَخْطَرَ قَوَانِينِ الِاسْتِقْرَارِ الِاجْتِمَاعِيِّ، وَتُحَذِّرُ الأُمَّةَ مِنْ دَاءٍ عُضَالٍ، يُصِيبُ المُجْتَمَعَاتِ فِي نِعَمِهَا، أَلَا وَهُوَ دَاءُ “إِلْفِ النِّعْمَةِ وَجُحُودِ شُكْرِهَا”،
فاللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ يَمْتَنُّ فِي هَٰذِهِ السُّورَةِ عَلَىٰ قُرَيْشٍ، بِأَنَّهُ يَسَّرَ لَهُمْ سُبُلَ الرِّزْقِ الوَفِيرِ، وَحَفَظَ لَهُمْ بَيْتَهُ الحَرَامَ، وَدَعَاهُمْ لِعِبَادَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ، شُكْرًا عَلَىٰ هَٰذِهِ الأَعْطِيَاتِ، ولَٰكِنَّ القَوْمَ أَلِفُوا النِّعْمَةَ، حَتَّىٰ ظَنُّوهَا حَقًّا كَسَبُوهُ بِذَكَائِهِمْ، فَقَابَلُوا المـُنْعِمَ بِالجُحُودِ وَالمـُعَانَدَةِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا كَيْفَ ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَىٰ بِأَصْلَيِ النِّعْمَةِ؛ نِعْمَةِ العَطَاءِ البَدَنِيِّ، وَنِعْمَةِ دَفْعِ المـَكْرُوهِ النَّفْسِيِّ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾، فهَٰذَانِ هُمَا رُكْنَا الحَيَاةِ؛ فَالإِنْسَانُ بَدَنٌ، وَرُوحٌ، فَغِذَاءُ البَدَنِ وَقِوَامُهُ: بِالإِطْعَامِ وَشِبَعِ الأَمْعَاءِ، وَغِذَاءُ الرُّوحِ وَسَكِينَتُهَا :بِالأَمْنِ وَاسْتِقْرَارِ النُّفُوسِ،
وَفِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وصححه الألباني: (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الخَطْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا»
فَمَنْ حَازَ قُوتَ يَوْمِهِ، مَعَ أَمْنِ بَيْتِهِ وَسِرْبِهِ، فَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ مَفَاتِيحَ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا، وَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَخِرَّ سَاجِدًا، لِعَظَمَةِ رَبِّ هَٰذَا البَيْتِ.
وتدبروا في قَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾؛ فَقَدْ قَدَّمَ اللَّهُ نِعْمَةَ الإِطْعَامِ، لِتَنْبِيهِ العِبَادِ إِلَىٰ أَنَّ أَمْرَ الجُوعِ شَدِيدٌ، وَأَنَّهُ إِذَا ضَرَبَ مُجْتَمَعًا أَذَلَّ رِجَالَهُ، وَمَزَّقَ تَمَاسُكَهُ.
وَلِأَجْلِ قَسْوَةِ هَٰذَا الِابْتِلَاءِ، كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنْهُ، صَبَاحَ مَسَاءَ؛ فِفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ، فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ، فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ» [سنن أبي داود، وحسنه الألباني]. فَالْجُوعُ يَقْتَلِعُ الطُّمَأْنِينَةَ مِنَ الفِرَاشِ، وَيَجْعَلُ العَبْدَ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَىٰ إِقَامَةِ عِبَادَتِهِ بِنَفْسٍ خَاشِعَةٍ.
وَإِذَا كَانَتْ نِعْمَةُ الطَّعَامِ بِهَٰذِهِ المَنْزِلَةِ، فَمَا هِيَ صُوَرُ شُكْرِهَا عَمَلِيًّا فِي حَيَاتِنَا؟، فنقول: إن أَوَّل هَٰذِهِ الصُّوَرِ: أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَىٰ عَلَيْهَا، بِقُلُوبِنَا وَأَلْسِنَتِنَا، عِنْدَ كُلِّ أُكْلَةٍ وَشُرْبَةٍ؛
فَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَىٰ عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا» [صحيح مسلم]. فالرِّضَا المـُطْلَقُ مِنَ اللَّهِ مَعْقُودٌ بِكَلِمَةِ “الحَمْدُ لِلَّهِ”، تَنْطِقُهَا بَعْدَ أَنْ تَشْبَعَ!
وَالصُّورَةُ الثَّانِيَةُ لِلشُّكْرِ هِيَ: أَنْ يُبْذَلَ هَٰذَا الطَّعَامُ فِي وُجُوهِ الخَيْرِ، بِالتَّصَدُّقِ بِهِ عَلَىٰ الفُقَرَاءِ وَالمـَسَاكِينِ، وَمُحَارَبَةِ الهَدْرِ وَالإِسْرَافِ، الَّذِي نَرَاهُ فِي حَفَلَاتِنَا وَبُيُوتِنَا؛ فَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ أَهْلَ البِرِّ فَقَالَ تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان:8-9].
وَجَعَلَ الله سُبْحَانَهُ إِطْعَامَ النَّاسِ فِي أَيَّامِ الأَزَمَاتِ وَالغَلَاءِ، هُوَ السَّبِيلَ لِاقْتِحَامِ أَهْوَالِ القِيَامَةِ، فَقَالَ تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: 14-16].
وَقَدْ جَاءَ الأَمْرُ النَّبَوِيُّ الصَّرِيحُ، فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: (عَنْ أَبِي مُوسَىٰ الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ، وَفُكُّوا الْعَانِيَ» [صحيح البخاري]. فَالمـُسْلِمُ الفطن: هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّ شُكْرَ نِعْمَةِ الشِّبَعِ: أَنْ يَتَفَقَّدَ جَارَهُ الجائع، لِأَنَّ الحِفَاظَ عَلَىٰ نِعَمِ اللَّهِ، يَكُونُ بِالبَذْلِ وَالعَطَاءِ، لَا بِالِاحْتِكَارِ وَالجُحُودِ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي نِعَمِهِ، وَاذْكُرُوا رَبَّ هَٰذَا البَيْتِ، لِيَحْفَظَ لَكُمْ مَعَاشَكُمْ وَأَمْنَكُمْ.
أَقُولُ قَوْلِي هَٰذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ قُرَيْشٍ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وقَالَ اللَّهُ تَعَالَىٰ: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ ۖ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ:18]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي التَّمْكِينِ وَعِلَاقَتِهِ بِالعَقِيدَةِ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لهمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:55]. فنِعْمَة الأَمْنِ هِيَ التَّاجُ الأَسْمَىٰ عَلَىٰ رُؤُوسِ المُجْتَمَعَاتِ؛ فَبِهَا تَصْنُعُ الحَضَارَاتُ، وَبِهَا تُعْمَرُ المـَسَاجِدُ، وَمِنْ دُونِهَا لَا يَقَرُّ لِلْمُسْلِمِ فِرَاشٌ، وَلَا يُسْتَسَاغُ لَهُ طَعَامٌ وَإِنْ كَانَ وَفِيرًا.
فقوله تعالى: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) (3): (4) قريش، فَقَدْ امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَىٰ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ العُظْمَىٰ عَلَىٰ قَوْمِ سَبَأٍ؛ (كما في الآيات السابقة)، حِينَ جَعَلَ قُرَاهُمْ مُتَّصِلَةً، وَسُبُلَهُمْ مَحْفُوفَةً بِالرَّحْمَةِ، يَسِيرُونَ فِيهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، بِلَا خَوْفٍ وَلَا وَجَلٍ، وَلَكِنَّ القَوْمَ لَمَّا بَطِرُوا النِّعْمَةَ، وَتَرَكُوا الشُّكْرَ، مَزَّقَهُمُ اللَّهُ كُلَّ مُمَزَّقٍ، وَبَدَّلَهُمْ بِالأَمْنِ خَوْفًا، وَبِالرَّغَدِ جُوعًا؛ لِيَعْلَمَ العَالَمُ أَنَّ الأَمْنَ سِلْعَةٌ رَبَّانِيَّةٌ، مَعْقُودَةٌ بِطَاعَةِ رَبِّ السَّمَاءِ.
وَاعلموا أنَّ أَعْظَمَ أَسْبَابِ حِفْظِ الأَمْنِ فِي دِيَارِنَا هُوَ: عِبَادَةُ اللَّهِ تَعَالَىٰ وَحْدَهُ، وَالِاسْتِقَامَةُ عَلَىٰ شَرِيعَتِهِ، وَطَرْدُ الشِّرْكِ وَالظُّلْمِ عَنْ حَيَاتِنَا؛ فَقَدْ وَضَعَ اللَّهُ القَانُونَ القَاطِعَ فَقَالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:82]. والظُّلْمُ هُنَا هُوَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ ابْتِدَاءً، ثُمَّ ظُلْمُ العِبَادِ فِي أَمْوَالِهِمْ وَدِمَائِهِمْ؛ فَالمُجْتَمَعُ الَّذِي يَنْتَشِرُ فِيهِ المَكْرُ، وَتُسْتَبَاحُ فِيهِ الحُرُمَاتُ، هُوَ مُجْتَمَعٌ يُهَدِّدُ أَمْنَهُ بِنَفْسِهِ.
وَمِنْ أَسْبَابِ الأمن العُظْمَىٰ: شُكْرُ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَىٰ؛ فَبِالشُّكْرِ تَدُومُ النَّعَمُ وَتَزْدَادُ، قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:7].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَلَقَدْ كَانَ مِنْ هَدْيِ نَبِيِّكُمْ ﷺ أَنْ يَفْزَعَ إِلَىٰ اللَّهِ بِالدُّعَاءِ، لِطَلَبِ هَذِهِ النِّعْمَةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَعِنْدَ كُلِّ مِيقَاتٍ؛ فَفِي مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَابْنِ مَاجَهْ، (كَانَ مِنْ دُعَائِهِ ﷺ فِي الصَّبَاحِ وَالمـَسَاءِ: «اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي»، وَكَانَ ﷺ إِذَا رَأَىٰ الهِلَالَ اسْتَفْتَحَ الشَّهْرَ بِرِبَاطِ الأَمْنِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ، وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ، وَالتَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَىٰ، رَبُّنَا وَرَبُّكَ اللَّهُ» [صحيح ابن حبان].
وَلِأَنَّ حِمَايَةَ الأَمْنِ تَسْتَوْجِبُ قَطْعَ دَابِرِ العَبَثِ وَالتَّهَوُّرِ، فَقَدْ جَاءَتِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ بِتَجْرِيمِ كُلِّ فِعْلٍ يُؤَدِّي إِلَىٰ زَعْزَعَةِ سَكِينَةِ المُسْلِمِينَ، حَتَّىٰ وَلَوْ كَانَ عَلَىٰ سَبِيلِ المـَزَاحِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ إِلَىٰ أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ، فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ»
وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: «مَنْ أَشَارَ إِلَىٰ أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّىٰ يَنْزِعَ، وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ»
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
فتَدَبَّرُوا هَذَا التَّغْلِيظَ المهُولَ؛ فالملَائِكَةُ تَلْعَنُ مَنْ يُرْوِعُ أَخَاهُ بِحَدِيدَةٍ، أَوْ سِلَاحٍ، وَلَوْ كَانَ مَازِحًا، وَهَذَا نِدَاءٌ لِشَبَابِنَا اليَوْمَ، الَّذِينَ يَعْبَثُونَ بِالسَّيَّارَاتِ، أَوْ يَشْهَرُونَ الآلَاتِ الحَادَّةِ فِي المـُزَاحِ الطَّائِشِ، أَوْ يَنْشُرُونَ “الإِشَاعَاتِ” الَّتِي تُرْعِبُ الآمِنِينَ فِي بُيُوتِهِمْ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ البَيْهَقِيُّ في (شعب الإيمان): (عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ رَوَّعَ مُؤْمِنًا، لَمْ يُؤْمِنِ اللَّهُ رَوْعَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الكَبِيرِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يُرَوِّعَنَّ مُسْلِمًا»،
وَرَوَى البَزَّارُ في مسنده: (عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا أَخَذَ نَعْلَ رَجُلٍ -أَيْ خَبَّأَهَا مَزَاحًا فَتَسَبَّبَ فِي خَوْفِهِ- فَفَزِعَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيَضَعَ المعْيَارَ الأَخْلَاقِيَّ الصَّارِمَ: «إِنَّ رَوْعَةَ الْمُسْلِمِ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ»
فَاجْعَلُوا هَذِهِ المـَعَانِيَ دُسْتُورًا لَكُمْ؛ احْفَظُوا نِعْمَةَ الشِّبَعِ بِالحَمْدِ وَالبَذْلِ، وَصُونُوا نِعْمَةَ الأَمْنِ بِالطَّاعَةِ وَتَرْكِ التَّرْوِيعِ، لِيَحْفَظَ اللَّهُ عَلَىٰ أُمَّتِنَا مَعَاشَهَا وَاسْتِقْرَارَهَا.
الدُّعَاءُ
