خطبة عن «إِضَاعَةُ الأَمَانَةِ مِنْ عَلاَمَات السَّاعَةِ»
أغسطس 30, 2026الخطبة الأولى (التَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ الفِيلِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) (1): (5) الفيل.
إخوة الإسلام
اعْلَمُوا أَنَّ كِتَابَ اللهِ تعالى لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَلَا تَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ آيَاتُهُ، وَاليَوْمَ نَمْضِي مَعًا فِي سِلْسِلَتِنَا المُبَارَكَةِ: “التَّفْسِيرُ المَوْضُوعِيُّ لِقِصَارِ السُّوَرِ”، لِنَقِفَ خَاشِعِينَ، مُتَدَبِّرِينَ، أَمَامَ سُورَةٍ كُلُّ جُمَلِهَا قَوَارِعُ، وَكُلُّ كَلِمَاتِهَا مَشَاهِدُ نَاطِقَةٌ بِالقُدْرَةِ الإِلَهِيَّةِ؛ نَقِفُ اليَوْمَ مَعَ: “سُورَةِ الفِيلِ“.
وإِنَّ النَّاظِرَ والمتأمل والمتدبر فِي هَذِهِ السُّورَةِ العَظِيمَةِ، بِعَيْنِ التَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ، يَجِدُ أَنَّهَا لَمْ تَأْتِ لِمُجَرَّدِ حِكَايَةِ قِصَّةٍ تَارِيخِيَّةٍ غَابِرَةٍ، طَوَاهَا الزَّمَنُ، بَلْ جَاءَتْ لِتُؤَصِّلَ لَنَا المَحْوَرَ المَوْضُوعِيَّ الأَسَاسِيَّ لَهَا، وَهُوَ: “عِظَمُ حُرْمَةِ بَيْتِ اللهِ الحَرَامِ، وَحَتْمِيَّةُ سُقُوطِ الطُّغْيَانِ مَهْمَا عَظُمَ عَتَادُهُ”.
“سُورَة الفِيلِ”: إِنَّهَا سُورَةٌ تَقُولُ لِلإِنْسَانِيَّةِ فِي كُلِّ عَصْرٍ: إِيَّاكُمْ وَالتَّطَاوُلَ عَلَى مُقَدَّسَاتِ اللهِ، وَإِيَّاكُمْ أَنْ تَغْتَرُّوا بِقُوَّتِكُمُ المَادِّيَّةِ، فَإِنَّ المُلكَ للهِ وَحْدَهُ.
فتَبْدَأُ السُّورَةُ بِاسْتِفْهَامٍ تَقْرِيرِيٍّ، يَهُزُّ الوِجْدَانَ، يَقُولُ فِيهِ الحَقُّ سُبْحَانَهُ:
{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفِيلِ} [الفيل:1]. وَهَذَا الخِطَابُ، وَإِنْ كَانَ مُوَجَّهًا لِلنَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَلَمْ يَكُنْ قَدْ وُلِدَ بَعْدُ، فِي ذَلِكَ العَامِ -عَامِ الفِيلِ- إِلَّا أَنَّ التَّعْبِيرَ بِقَوْلِهِ {أَلَمْ تَرَ} يَعْنِي: أَلَمْ يَعْلَمْ قَلْبُكَ عِلْمًا يَقِينِيًّا، كَأَنَّ عَيْنَيْكَ تَرَاهُ رَأْيَ العَيَانِ؟، لِأَنَّ خَبَرَ اللهِ هُوَ أَقْطَعُ وَأَصْدَقُ التَّارِيخِ.
وتَأَمَّلُوا اللَّفْظَةَ القُرْآنِيَّةَ: {فَعَلَ رَبُّكَ}، لَمْ يَقُلْ فَعَلَ اللهُ، بَلْ قَالَ {رَبُّكَ}؛ لِيُضْفِيَ ضَمَانَ الرُّبُوبِيَّةِ ،وَنَصْرَ الرَّسُولِ، وَحِمَايَةَ هَذَا البَلَدِ، الَّذِي سَيَخْرُجُ مِنْهُ نُورُ النُّبُوَّةِ.
وَمَنْ هُمْ أَصْحَابُ الفِيلِ؟، إِنَّهُ أَبْرَهَةُ الأَشْرَمُ، الَّذِي جَاءَ مِنْ أَقَاصِي اليَمَنِ، مَزْهُوًّا بِجَيْشِهِ الجَرَّارِ، وَفِي طَلِيعَتِهِ فِيلٌ عَظِيمٌ هَائِلٌ، هَدَفُهُ هَدْمُ الكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ، لِيَصْرِفَ أَنْظَارَ العَرَبِ إِلَى كَنِيسَتِهِ، الَّتِي بَنَاهَا فِي صَنْعَاءَ.
لَقَدْ ظَنَّ (أَبْرَهَةُ الأَشْرَمُ) بِمِقْيَاسِ المَادَّةِ، أَنَّ الأَرْضَ قَدْ خَلَتْ لَهُ، وَأَنَّ الحِجَارَةَ المُقَدَّسَةَ، سَتَخِرُّ أَمَامَ سَنَابِكِ خَيْلِهِ، وَأَقْدَامِ فِيَلَتِهِ. وَلَكِنْ، مَاذَا كَانَتِ النَّتِيجَةُ؟،
يَأْتِي المَشْهَدُ الثَّانِي سَرِيعًا خَاطِفًا: {أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ} [الفيل:2]. فالكَيْدُ هُوَ التَّدْبِيرُ الخَفِيُّ، وَأَبْرَهَةُ لَمْ يَكُنْ كَيْدُهُ خَفِيًّا، بَلْ كَانَ مُعْلَنًا، وَلَكِنَّ القُرْآنَ سَمَّاهُ كَيْدًا، لِأَنَّهُ مَهْمَا ظَهَرَ وَأَعْلَنَ، فَإِنَّهُ حَقِيرٌ ضَعِيفٌ، أَمَامَ تَدْبِيرِ اللهِ.
{فِي تَضْلِيلٍ} أَيْ ضَاعَ وَخَابَ، وَتَاهَ فِي صَحْرَاءِ الخُسْرَانِ، فَلَمْ يَصِلُوا إِلَى مَقْصِدِهِمْ، وَتَبَدَّدَتْ أَحْلَامُ الطَّاغِيَةِ كَمَا يَتَبَدَّدُ السَّرَابُ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فعِنْدَمَا عَجَزَ البَشَرُ عَنِ الدِّفَاعِ عَنِ الكَعْبَةِ، وَنَادَى (عَبْدُ المُطَّلِبِ) (جد رسول الله) نَادَى بِلِسَانِ العَجْزِ البَشَرِيِّ: “أَنَا رَبُّ الإِبِلِ، وَلِلْبَيْتِ رَبٌّ سَيَحْمِيهِ”، هُنَا تَدَخَّلَتِ القُدْرَةُ الإِلَهِيَّةُ، لِتُعْلِنَ نَفْسَهَا. تَدَخَّلَتْ لَا بِالصَّوَاعِقِ المُرْعِبَةِ، وَلَا بِالزَّلَازِلِ الَّتِي تَبْلَعُ الجِبَالَ، بَلْ بِأَهْوَنِ خَلْقِهِ.
يَصِفُ القُرْآنُ المَشْهَدَ الحَاسِمَ: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ} [الفيل:3-4].
طَيْرًا! جَمَاعَاتٍ مُتَتَابِعَةً، لَيْسَتْ كَوَاسِرَ عِمْلَاقَةً، بَلْ طُيُورٌ صَغِيرَةٌ، تَحْمِلُ فِي مِنْقَارِهَا وَأَرْجُلِهَا حِجَارَةً مِنْ طِينٍ مَطْبُوخٍ صُلْبٍ. كُلُّ حَجَرٍ يَحْمِلُ اسْمَ صَاحِبِهِ مِنَ الجَيْشِ الظَّالِمِ!.
لَقَدْ كَانَ الفِيلُ هُوَ أَكْبَرَ حَيَوَانٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، وَكَانَ الطَّيْرُ مِنْ أَضْعَفِ المَخْلُوقَاتِ، فَقَابَلَ اللهُ الكِبْرِيَاءَ بِالصِّغَارِ، وَعِظَمَ الفِيلِ بِصِغَرِ الطَّيْرِ، لِيُرِيَ العَالَمَ، كَيْفَ تُقْلَبُ المَوَازِينُ عِنْدَمَا يَأْذَنُ رَبُّ العَالَمِينَ.
وَانْظُرُوا إِلَى الخَاتِمَةِ المُرْعِبَةِ، الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ نَكَالًا لَهُمْ: {فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ} [الفيل: 5]. فالعَصْفُ هُوَ تِبْنُ الزَّرْعِ، وَوَرَقُهُ الرَّخْوُ، الَّذِي أَكَلَتْهُ الدَّوَابُّ، ثُمَّ رَمَتْ بِهِ!.
يَا لِلْإِهَانَةِ!، أَيْنَ المَوَاكِبُ؟، أَيْنَ الدُّرُوعُ؟، أَيْنَ الهَيْبَةُ؟، لَقَدْ تَحَوَّلَ الجَيْشُ العَرَمْرَمُ، إِلَى فُتَاتٍ مَهْمُوسٍ، وَمَزِيجٍ مُحْتَرِقٍ، لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا العِبْرَةُ، لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ، أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ
الخطبة الثانية (التَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ الفِيلِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وبَعْدَ أَنْ طَوَّفْنَا فِي مَعَانِي هَذِهِ الآيَاتِ الجَلِيلَةِ، تَعَالَوْا بِنَا نَقْتَطِفُ الدُّرَرَ المَوْضُوعِيَّةَ، وَالدُّرُوسَ المُسْتَفَادَةَ، الَّتِي يَجِبُ أَنْ نَخْرُجَ بِهَا إِلَى وَاقِعِنَا، بَعْدَ سَمَاعِ سُورَةِ الفِيلِ:
الَّدَّرْسُ الأَوَّلُ وَالأَعْظَمُ: عِنَايَةُ اللهِ بِمُقَدَّسَاتِهِ: فإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَسْمَحْ لِأَبْرَهَةَ أَنْ يَمَسَّ حَجَرًا وَاحِدًا مِنَ الكَعْبَةِ، لِأَنَّ الحَرَمَ بَلَدٌ آمِنٌ بِتَقْدِيرٍ إِلَهِيٍّ، وَهَذَا يَغْرِسُ فِي قُلُوبِنَا الطَّمَأْنِينَةَ أَنَّ مُقَدَّسَاتِ المُسْلِمِينَ، وَعَلَى رَأْسِهَا المَسْجِدُ الحَرَامُ، فِي حِفْظِ اللهِ وَرِعَايَتِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَمَنْ أَرَادَ بِهَا كَيْدًا، فَإِنَّ مَصِيرَهُ كَمَصِيرِ أَبْرَهَةَ وهو (الهلاك).
الدَّرْسُ الثَّانِي: سُقُوطُ المَادِّيَّةِ الطَّاغِيَةِ، أَمَامَ القُدْرَةِ الإِلَهِيَّةِ: فكَمْ مِنْ أُمَمٍ فِي زَمَانِنَا هَذَا، تَغْتَرُّ بِطَائِرَاتِهَا، وَبَوَارِجِهَا، وَتُرْسَانَاتِهَا النَّوَوِيَّةِ، وَتَظُنُّ أَنَّهَا قَادِرَةٌ عَلَى قَهْرِ الشُّعُوبِ، وَطَمْسِ دِينِ اللهِ!.
فتَأْتِي (سُورَةُ الفِيلِ) لِتَقُولَ لَنَا: لَا تَخَافُوا، فَالطَّائِرَاتُ العِمْلَاقَةُ هِيَ (فِيلُ) عَصْرِنَا، وَاللهُ جَلَّ جَلَالُهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْهِمْ مِنْ جُنُودِهِ مَا لَا يَعْلَمُونَ، فَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ.
الدَّرْسُ الثَّالثُ: الإِرْهَاصُ لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): فإِنَّ حَادِثَةَ الفِيلِ وَقَعَتْ فِي النَّصْفِ الثَّانِي مِنَ القَرْنِ السَّادِسِ المِيلَادِيِّ، وَفِي نَفْسِ العَامِ وُلِدَ الحَبِيبُ المُصْطَفَى.
فَمَا كَانَ حِفْظُ البَيْتِ إِلَّا تَهْيِئَةً لِمِيلَادِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، الَّذِي سَيُطَهِّرُ هَذَا البَيْتَ مِنَ الأَصْنَامِ، وَيَجْعَلُهُ قِبْلَةً لِلْعَالَمِينَ.
الدَّرْسُ الرَّابِعُ: هَوَانُ ظَالِمِي خَلْقِ اللهِ: فانْظُرُوا كَيْفَ نَظَرَ القُرْآنُ إِلَى عبَادِ الدُّنْيَا؛ فَالَّذِي يَتَجَبَّرُ، وَيَظْلِمُ، وَيَسْتَبِيحُ الحُرُمَاتِ، لَا يَمُوتُ مَوْتَةً كَرِيمَةً، بَلْ يَجْعَلُهُ اللهُ {كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ}؛ تُرْذَلُ صُورَتُهُ، وَتُمْحَى سِيرَتُهُ، وَيُصْبِحُ أُحْدُوثَةً لِلَّعْنِ، وَالعِبْرَةِ عَبْرَ العُصُورِ.
فتَدَبَّرُوا (عِبَادَ اللهِ)، قِصَارَ السُّوَرِ، فَلَيْسَتْ لِلْقِرَاءَةِ السَّرِيعَةِ فِي الصَّلَاةِ دُونَ وَعْيٍ، بَلْ لِتَبْنِيَ عَقِيدَتَكُمْ، وَتُعِيدَ صِيَاغَةَ نُفُوسِكُمْ. وكُونُوا مَعَ اللهِ، وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِهِ، وَثِقُوا أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا.
[الدُّعَاءُ]
