خطبة عن «الرَّحْمَةُ النَّبَوِيَّةُ وَفِقْهُ التَّيْسِيرِ»
سبتمبر 3, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى «صَّبْرُ النبي عَلَى الأَذَى وَحُسْنُ العَاقِبَةِ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
روى البخاري في صحيحه: (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ حَدَّثَ أَنَّ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – كَانَ يُصَلِّى عِنْدَ الْبَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلاَنٍ فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ فَجَاءَ بِهِ، فَنَظَرَ حَتَّى إِذَا سَجَدَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَأَنَا أَنْظُرُ، لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا، لَوْ كَانَ لِي مَنْعَةٌ. قَالَ فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – سَاجِدٌ لاَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ، فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ». ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ- قَالَ وَكَانُوا يُرَوْنَ أَنَّ الدَّعْوَةَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ – ثُمَّ سَمَّى «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ، وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ ،وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِى مُعَيْطٍ». وَعَدَّ السَّابِعَ فَلَمْ يَحْفَظْهُ قَالَ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ عَدَّ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – صَرْعَى فِي الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ).
إخوة الإسلام
يقول الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (النحل:127-128). وفي سنن الترمذي: (عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلاَثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلاَلٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلاَّ شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلاَلٍ».
فَاعْلَمُوا أَنَّ طَرِيقَ الِابْتِلاَءِ هُوَ طَرِيقُ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ، وَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جَعَلَ الدُّنْيَا دَارَ امْتِحَانٍ وَتَمْحِيصٍ، يَبْتَلِي فِيهَا أَوْلِيَاءَهُ، لِيَرْفَعَ دَرَجَاتِهِمْ، وَيُمَحِّصَ إِيمَانَهُمْ، وَيُظْهِرَ صَدْقَ يَقِينِهِمْ؛ وَفِي سِيرَةِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ مواقف لِلْعِبَرِ، وَمَشَاهِدَ تَهْتَزُّ لَهَا القُلُوبُ، ومن هذه المواقف: حِينَ لَقِيَ مِنَ الأَذَى وَالتَّكْذِيبِ وَالاسْتِهْزَاءِ، مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، مَا لاَ تَحْتَمِلُهُ الرَّوَاسِي الشَّامِخَاتُ، فَمَا انْثَنَتْ لَهُ عَزِيمَةٌ، وَلاَ ضَعُفَتْ لَهُ حُجَّةٌ، وَلاَ اسْتَكَانَ لِعَدُوِّهِ، بَلْ ظَلَّ ثَابِتاً كَالجَبَلِ الأَشَمِّ، يَكِلُ أَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، وَأَنَّ الظَّلَمَةَ المَسْتَكْبِرِينَ مَهْمَا بَلَغُوا مِنْ القُوَّةِ وَالنُّفُوذِ، فَإِنَّ مَصِيرَهُمْ إِلَى الهَلاَكِ وَالبَوَارِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وهذا الحديث المتقدم يبين لنا أحد هذه المواقف: فيَصِفُ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- حَالَةَ الِاسْتِضْعَافِ الشَّدِيدَةِ الَّتِي كَانَ يَعِيشُهَا المُسْلِمُونَ فِي مَكَّةَ، حَيْثُ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ، أَمَامَ أَعْيُنِ الطُّغَاةِ وَالمُسْتَكْبِرِينَ مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، فَإِذَا بِأَبِي جَهْلٍ يَبْثُّ أَحْقَادَهُ وَيَحْثُّ جُلَسَاءَهُ عَلَى الاِزْدِرَاءِ وَالأَذَى، فَيَقُومُ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ -وَهُوَ أَشْقَى القَوْمِ- فَيَأْتِي بِسَلَى الجَزُورِ -وَهُوَ المَشِيمَةُ المَلِيئَةُ بِالذَّرَبِ وَالدَّمِ وَالقَذَارَةِ- فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ سَاجِدٌ لِرَبِّهِ، وَالمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ لَا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعاً وَلَا مَنَعَةً لِقِلَّتِهِمْ، وَهَوَانِهِمْ عَلَى النَّاسِ، فَجَعَلَ الطُّغَاةُ يَتَضَاحَكُونَ وَيَمِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُخْرِيَةً وَعُتُوّاً؛ فَلَمْ يَقْطَعِ النَّبِيُّ ﷺ صَلاَتَهُ، وَلَمْ يُعَجِّلْ بِالرَّفْعِ مِنَ السُّجُودِ، حَتَّى أَقْبَلَتْ ابْنَتُهُ الفَاضِلَةُ فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ -عَلَيْهَا السَّلاَمُ- وَهِيَ جَارِيَةٌ صَغِيرَةٌ، فَأَلْقَتِ الأَذَى عَنْ ظَهْرِ أَبِيهَا الكَرِيمِ، وَأَقْبَلَتْ عَلَى القَوْمِ تَسُبُّهُمْ؛ فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ صَلاَتَهُ، رَفَعَ يَدَيْهِ الشَّرِيفَتَيْنِ إِلَى السَّمَاءِ، وَدَعَا عَلَى أُولَئِكَ الصَّنَادِيدِ بِأَسْمَائِهِمْ وَاحِداً تِلْوَ الآخَرِ، فَأَخَذَهُمُ الرُّعْبُ وَالخَوْفُ؛ لِعِلْمِهِمْ أَنَّ الدُّعَاءَ فِي البَلَدِ الحَرَامِ مُسْتَجَابٌ، فَمَا مَضَتِ الأَيَّامُ وَالسِّنُونُ، وَجَاءَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ الكُبْرَى، حَتَّى رَأَى ابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أُولَئِكِ السَّبْعَةَ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ صَرْعَى فِي مَيْدَانِ المَعْرَكَةِ، قَدْ أُخِذُوا بَغْتَةً، وَسُحِبُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ، لِيُلْقَوْا فِي قَلِيبِ بَدْرٍ جِيَفاً خَبِيثَةً، لِتَكُونَ عَاقِبَةُ الِاسْتِهْزَاءِ وَالأَذَى خِزْياً فِي الدُّنْيَا وَعَذَاباً فِي الآخِرَةِ.
قَالَ الإِمَامُ ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلاَنِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي فَتْحِ البَارِي: «قَوْلُهُ: (فَانْبَعَثَ أَشْقَى القَوْمِ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ المَعْصِيَةَ إِذَا كَانَتْ بَالِغَةً فِي القُبْحِ يُسَمَّى فَاعِلُهَا أَشْقَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي قَوْمِ ثَمُودَ: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾، وَقَوْلُهُ: (لاَ أُغْنِي شَيْئاً لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ) فِيهِ اعْتِذَارُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ تَرْكِ الإِنْكَارِ بِالْيَدِ لِلْعَجْزِ عَنْهُ؛ فَالْعَاجِزُ سَاقِطٌ عَنْهُ الفَرْضُ. وَفِيهِ إِجَابَةُ دَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ وَآذَاهُ، وَأَنَّ المَهْلَكَةَ حَاقَتْ بِهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ».
وَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «فِي هَذَا الحَدِيثِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي إِجَابَةِ دَعْوَتِهِ عَلَى أُولَئِكَ الكُفَّارِ الصَّنَادِيدِ وَهَلاَكِهِمْ كُلِّهِمْ فِي بَدْرٍ، وَفِيهِ الصَّبْرُ عَلَى أَذَى الكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالفُسَّاقِ، وَفِيهِ فَضْلُ فَاطِمَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- وَشَجَاعَتُهَا فِي إِزَالَةِ الأَذَى عَنْ أَبِيهَا ﷺ فِي ذَلِكَ المَوْقِفِ العَصِيبِ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ هَذَا الحَدِيثَ العَظِيمَ يَرْشُدُ الأُمَّةَ إِلَى حَقَائِقَ إِيمَانِيَّةٍ وَتَارِيخِيَّةٍ صَارِمَةٍ، ومنها: أَوَّلاً: أَنَّ الِابْتِلاَءَ وَالأَذَى سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ فِي حَقِّ أَهْلِ الحَقِّ، وَأَنَّ شِدَّةَ الأَذَى لاَ تَدُلُّ عَلَى هَوَانِ المُؤْمِنِ عَلَى رَبِّهِ. ثَانِياً: أَنَّ النَّصْرَ مَقْرُونٌ بِالصَّبْرِ، وَأَنَّ الظَّالِمَ المَسْتَكْبِرَ أَمَلُهُ قَصِيرٌ، وَعَاقِبَتُهُ إِلَى الدَّمَارِ وَالأَخْذِ الأَلِيمِ. ثَالِثاً: أَنَّ دَعْوَةَ المَظْلُومِ وَالمُضْطَهَدِ، لَاسِيَّمَا إِذَا كَانَ وَلِيّاً لِلَّهِ، لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ، وَسَيُنْفِذُ اللَّهُ وِعِيدَهُ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ.
وفي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ثَلاَثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لاَ شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ المَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ المُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ» (رواه الترمذي وأبو داود).
وفي صحيح البخاري: (عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ، فَقُلْنَا: أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ فَقَالَ: كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُؤْتَى بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُرُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمَشَّطُ بِمِشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُرُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ، أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ».
وفي الصحيحين: (أَنَّ عَائِشَةَ – رضي الله عنها – زَوْجَ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – حَدَّثَتْ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ قَالَ «لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلاَلٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلاَّ وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمِ الأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا».
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثانية « صَّبْرُ النبي عَلَى الأَذَى وَحُسْنُ العَاقِبَةِ»
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
يقول الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ (الروم:60). والمتدبر لسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما جاء في الحديث المتقدم، وَمَا يَحْمِلُهُ مِنْ آثَارٍ جَلِيلَةٍ فِي حَيَاةِ الفَرْدِ، وَالمَجْتَمَعِ المُسْلِمِ: فَإِنَّ المَرْءَ حِينَ يَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -وَهُوَ سَيِّدُ الخَلْقِ وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى اللَّهِ- قَدْ- أُوذِيَ في الله- فِي بَدَنِهِ، وَدِينِهِ، وَعِرْضِهِ، ثُمَّ كَانَتِ النَّصْرَةُ وَالظَّفَرُ لَهُ فِي النِّهَايَةِ، فيَسْتَهِينُ المسلم بِكُلِّ مَا يُصِيبُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مِنْ أَذَى أَوْ جَفَاءٍ، أَوْ كَيْدٍ مِنْ أَعْدَاءِ الدِّينِ.
وإِنَّ أَعْظَمَ عِبْرَةٍ نَسْتَلْهِمُهَا مِنْ هَذَا الحَدِيثِ هِيَ: عَدَمُ الاِسْتِعْجَالِ فِي انْتِظَارِ الثَّمَرَاتِ؛ فَالْبَاطِلُ مَهْمَا انْتَفَخَ وَعَلاَ، وَأَظْهَرَ جَبَرُوتَهُ وَسُخْرِيَتَهُ، فَإِنَّهُ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ بَذْرَةَ فَنَائِهِ.
لقد كَانَ أَبُو جَهْلٍ وَصَحْبُهُ يَضْحَكُونَ عِنْدَ الكَعْبَةِ يَوْمَ وَضَعُوا السَّلَى، فَأَضْحَكَ اللَّهُ المِلَاحَ يَوْمَ بَدْرٍ وَهُمْ يُسْحَبُونَ إِلَى قَلِيبِ الجَهَنَّمِيَّةِ وَالهَوَانِ.
فَالْمُؤْمِنُ يَصْبُرُ، وَيَعْمَلُ، وَيَتَمَسَّكُ بِحَبْلِ اللَّهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ مَعْرَكَةَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ سِجَالٌ، وَلَكِنَّ النِّهَايَةَ الحَاسِمَةَ مَكْتُوبَةٌ لِأَهْلِ الإِيمَانِ. قَالَ الإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي التَّمْهِيدِ: «فِي هَذَا الحَدِيثِ أَعْظَمُ شَاهِدٍ عَلَى أَنَّ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ، وَأَنَّ مَنْ آذَى أَوْلِيَاءَ اللَّهِ أَوْ اسْتَهَزَأَ بِدِينِهِ فَإِنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهُ لاَ مَحَالَةَ، وَإِنَّ أَخْذَ اللَّهِ لِلظَّالِمِينَ قَدْ يَتَأَخَّرُ لِحِكْمَةٍ لَكِنَّهُ إِذَا أَخَذَهُمْ لَمْ يُفْلِتْهُمْ».
وَقَالَ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي زَادِ المَعَادِ: «فِي قِصَّةِ سَلَى الجَزُورِ وَمَصَارِعِ القَوْمِ فِي بَدْرٍ دَلاَلَةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى الأَذَى فِي اللَّهِ يُقَوِّي العَزَائِمَ، وَيُوجِبُ النَّصْرَ، وَأَنَّ اسْتِهْزَاءَ الكُفَّارِ بِالمُؤْمِنِينَ يَعْقُبُهُ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَحَسْرَةٌ يَوْمَ القِيَامَةِ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وفِي هَذَا الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ دُرُوسٌ بَالِغَةٌ لِلْمُسْلِمِ فِي كُلِّ عَصْرٍ، ومنها: الثَّبَاتُ عَلَى الحَقِّ، وَعَدَمُ الاِهْتِزَازِ أَمَامَ سُخْرِيَةِ المَبْطُلِينَ، أَوْ كَيْدِ المَعَادِينَ لِلدِّينِ.
ومنها: اليَقِينُ بِنَصْرِ اللَّهِ، وَاعْتِقَادُ أَنَّ كَيْدَ الظَّالِمِينَ ضَعِيفٌ، وَأَنَّ دَعْوَةَ المَظْلُومِ سَهْمٌ صَائِبٌ لاَ يُخْطِئُ. ومنها: التَّأَسِّي بِالنَّبِيِّ ﷺ وَآلِ بَيْتِهِ، فِي الشَّجَاعَةِ، وَحُسْنِ التَّصَرُّفِ، وَالصَّبْرِ عِنْدَ المَلَمَّاتِ. ومنها: تَجَنُّبُ الاِسْتِهْزَاءِ بِالدِّينِ وَأَهْلِهِ: فَإِنَّ اسْتِهْزَاءَ الإِنْسَانِ بِشَعَائِرِ اللَّهِ جَرِيمَةٌ تُوبِقُ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ. ففي الحديث: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ عَادَى لِي وَلِيّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ» (رواه البخاري).
وفي الحديث: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اتَّقُوا دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهَا تَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ كَأَنَّهَا شِرَارَةٌ» (رواه الحاكم).
وفي الصحيحين: (عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ
إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾». فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاصْبِرُوا عَلَى طَاعَةِ رَبِّكُمْ، وَاعْتَصِمُوا بِدِينِكُمْ، وَاحْذَرُوا الظُّلْمَ وَالأَذَى، وَثِقُوا بِوَعْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ لِتَكُونُوا مِنَ الفَائِزِينَ المَنْصُورِينَ.
الدعاء
