خطبة عن «آدَابُ مَجَالِس العِلْمِ، وَقصةُ النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ»
سبتمبر 5, 2026الخطبة الأولى (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) (84): (89) المؤمنون.
إخوة الإسلام
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسَالِيبِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي تَقْرِيرِ عَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ، وَإِزَاحَةِ شُبُهَاتِ الْمُشْرِكِينَ، هُوَ أُسْلُوبُ الْحِوَارِ الْعَقْلِيِّ الْجَارِفِ، الَّذِي لَا يَدَعُ لِلْمُعَانِدِ مَفَرًّا، وَلَا لِلْجَاحِدِ مَلْجَأً.
وَفِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْبَاهِرَاتِ التي تليت عليكم مِنْ (سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ)، نَقِفُ أَمَامَ مُحَاجَّةٍ رَبَّانِيَّةٍ فَرِيدَةٍ، حَيْثُ يُوَجِّهُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ إِلَى الْمُكَذِّبِينَ بِالْبَعْثِ، وَالْمُشْرِكِينَ بِاللهِ، أَسْئِلَةً كَوْنِيَّةً كُبْرَى، لَا تَحْتَمِلُ فِي الْعَقْلِ وَالْفِطْرَةِ إِلَّا إِجَابَةً وَاحِدَةً، لَا ثَانِيَ لَهَا، يَنْطِقُونَ بِهَا رَغْمَ أُنُوفِهِمْ، وَهِيَ: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾.
إِنَّ هَذَا الْإِقْرَارَ الْقَهْرِيَّ، الَّذِي سَجَّلَهُ الْقُرْآنُ عَلَيْهِمْ، قَبْلَ أَنْ يَنْطِقُوا بِهِ، فِيهِ إِفْحَامٌ تَامٌّ لِلْخَصْمِ الْمُعَانِدِ، الَّذِي يَعْبُدُ مَعَ اللهِ غَيْرَهُ؛ إِذْ كَيْفَ تُقِرُّونَ بِأَنَّ الْخَالِقَ الْمَالِكَ الصَّانِعَ هُوَ اللهُ وَحْدَهُ، ثُمَّ تَعْدِلُونَ عَنْهُ إِلَى عِبَادَةِ أَصْنَامٍ لَا تَخْلُقُ ذُبَابًا؟!.
قال تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) (73) الحج.
وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا: تَقْرِيعٌ شَدِيدٌ لِلْمُكَذِّبِ بِالْبَعْثِ، وَتَنْبِيهٌ بَلِيغٌ لِلْغَافِلِ عَنْ حَقَائِقِ الْكَوْنِ، وَتَأْكِيدٌ وَتَثْبِيتٌ لِقَلْبِ الْمُؤْمِنِ، الَّذِي يَرَى كَوْنَ اللهِ كُلَّهُ يَنْطِقُ بِتَوْحِيدِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ
تَفَكَّرُوا فِي السُّؤَالِ الْأَوَّلِ، الَّذِي يَفْتَتِحُ بِهِ الْقُرْآنُ هَذِهِ الْمُحَاجَّةَ، قال تعالى:
﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
إِنَّهُ سُؤَالٌ عَنْ هَذِهِ الْأَرْضِ، الَّتِي نَمْشِي عَلَى مَنَاكِبِهَا، وَنَأْكُلُ مِنْ خَيْرَاتِهَا، فمَنْ خَلَقَ جِبَالَهَا الرَّاسِيَاتِ؟، ومَنْ شَقَّ أَنْهَارَهَا الجاريات؟، ومَنْ أَنْبَتَ زَرْعَهَا الأخضر؟، وَمَنْ خَلَقَ الْبَشَرِيَّةَ الْمُنْتَشِرَةَ فِي فِجَاجِهَا؟: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾؛ لَا يَمْلِكُونَ إِلَّا أَنْ يَعْتَرِفُوا بِأَنَّهَا مِلْكٌ خَالِصٌ لِلْخَالِقِ الْعَظِيمِ.
وَمِنْ بَدِيعِ النَّظْمِ الْقُرْآنِيِّ، أَنَّ كُلَّ آيَةٍ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ، تَنْتَهِي بِخِتَامٍ مُعْجِزٍ، يُنَاسِبُ سِيَاقَهَا تَمَامَ الْمُنَاسَبَةِ؛
فَلَمَّا أَقَرُّوا بِأَنَّ الْأَرْضَ وَمَنْ فِيهَا (لِلَّهِ)، جَاءَ التَّعْقِيبُ: ﴿قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾. وَالْمَعْنَى: إِذَا كَانَتِ الْأَرْضُ بِمَنْ فِيهَا مِلْكًا لِلَّهِ خَلْقًا وَإِيجَادًا، أَفَلَا يَدْعُوكُمْ هَذَا التَّذَكُّرُ، إِلَى أَنَّ الَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ أَوَّلَ مَرَّةٍ مِنَ الْعَدَمِ، قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِمْ، وَبَعْثِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ؟، فكَيْفَ يَغِيبُ هَذَا التَّذَكُّرُ الْبَدِيهِيُّ عَنْ عُقُولِكُمْ؟!.
ثُمَّ يَرْتَقِي السِّيَاقُ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، فَيَقُولُ سُبْحَانَهُ:
﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.
فالسَّمَاوَاتُ السَّبْعُ بِاتِّسَاعِهَا، وَنُجُومِهَا، وَمَجَرَّاتِهَا، وَأَفْلَاكِهَا، الَّتِي تَجْرِي بِحِسَابٍ دَقِيقٍ، وَالْعَرْشُ الْعَظِيمُ، الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ الْمَخْلُوقَاتِ، وَأَوْسَعُهَا، مَنْ رَبُّ هَذَا الْمَلَكُوتِ الْعُلْوِيِّ الْمَهِيبِ؟، ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾.
وَلَمَّا كَانَ السُّؤَالُ هُنَا عَنْ عَظَمَةِ السَّمَاوَاتِ وَالْعَرْشِ، الَّذِي يُمَثِّلُ مَظْهَرَ الْجَلَالِ، وَالْقَهْرِ، وَالْكِبْرِيَاءِ، جَاءَ الْخِتَامُ الْمُنَاسِبُ لِلْهَيْبَةِ: ﴿قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾. أَيْ: أَفَلَا تَتَّقُونَ عَذَابَ هَذَا الرَّبِّ الْعَظِيمِ، الَّذِي هَذِهِ خَلَائِقُهُ؟، فكَيْفَ لَا تَخَافُونَ بَطْشَهُ وَجَبَرُوتَهُ، وَأَنْتُمْ تُقِرُّونَ بِأَنَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، ثُمَّ تَعْصُونَهُ، وَتُشْرِكُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ؟!.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (سَيَقُولُونَ لِلَّهِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا السُّؤَال الثالثَ، الَّذِي يَبْلُغُ فِيهِ التَّحَدِّي وَالتَّقْرِيرُ غَايَتَهُ:
﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؟.
إِنَّهُ سُؤَالٌ عَنِ الْمَلَكُوتِ؛ وَصِيغَةُ “مَلَكُوت” فِيهَا مُبَالَغَةٌ، تَدُلُّ عَلَى الْمُلْكِ الْوَاسِعِ الْـمُطْلَقِ، الَّذِي لَا يَخْرُجُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ.
﴿وَهُوَ يُجِيرُ﴾ أَيْ: يَحْمِي مَنْ يَشَاءُ، وَيُؤمِنُ مَنْ يَسْتَعِيذُ بِهِ، فَلَا يَصِلُ إِلَيْهِ مَكْرُوهٌ.
﴿وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ أَيْ: لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ فِي الْكَوْنِ، مَهْمَا بَلَغَتْ قُوَّتُهُ وَسُلْطَانُهُ، أَنْ يَحْمِيَ أَحَدًا أَرَادَ اللهُ هَلَاكَهُ أَوْ ضُرَّهُ.
فإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ، وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ رَحْمَةً فَلَا مُمْسِكَ لَهَا.
قال تعالى: (وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ) (11) الرعد،
وقال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) (38) الزمر
فأَمَامَ هَذِهِ الْقُدْرَةِ الْمُطْلَقَةِ، وَالْقَهْرِ التَّامِّ، ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾، رَغْمًا عَنْ جُحُودِهِمْ.
وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْإِقْرَارُ الْأَخِيرُ، يُمَثِّلُ قِمَّةَ التَّنَاقُضِ الْعَقْلِيِّ، لِمَنْ يَسْتَمِرُّ بَعْدَهُ عَلَى الشِّرْكِ، وَالتَّكْذِيبِ، جَاءَ الْخِتَامُ قَارِعًا ومُوَبِّخًا: ﴿قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾!.
أَيْ: كَيْفَ تُخْدَعُونَ عَنِ الْحَقِّ الصَّارِحِ، كَمَا يُخْدَعُ الْمَسْحُورُ، الَّذِي يَرَى الْأَشْيَاءَ عَلَى غَيْرِ حَقِيقَتِهَا؟، وكَيْفَ تُسْلَبُ عُقُولُكُمْ، حَتَّى تَرَوْا الْبَاطِلَ حَقًّا، وَالْحَقَّ بَاطِلًا، بَعْدَ كُلِّ هَذَا الِاعْتِرَافِ وَالْإِقْرَارِ؟!.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ دَعْوَةً لَنَا جَمِيعًا، لِتَجْدِيدِ الْإِيمَانِ فِي قُلُوبِنَا، وَالْإِصْغَاءِ إِلَى نِدَاءِ الْفِطْرَةِ. فالْقُرْآن يُرِيدُ مِنَّا أَلَّا نَكُونَ مِمَّنْ يَقُولُونَ: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ بِأَلْسِنَتِهِمْ، ثُمَّ تُخَالِفُ ذَلِكَ أَعْمَالُهُمْ؛
فَمَنْ أَقَرَّ بِأَنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ، فَلْيَعْمُرْهَا بِطَاعَتِهِ،
وَمَنْ أَقَرَّ بِأَنَّ اللهَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْعَرْشِ، فَلْيَخْشَ جَلَالَهُ،
وَمَنْ أَقَرَّ بِأَنَّه بِيَدِهِ مَلَكُوتَ كُلِّ شَيْءٍ، فَلَا يَطْلُبِ الْحَاجَاتِ إِلَّا مِنْهُ، وَلَا يَتَوَكَّلْ إِلَّا عَلَيْهِ، وَلَا يَخَفْ مَخْلُوقًا فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ؛ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ.
فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَاسْتَمْسِكُوا بِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ الْعَقْلِيَّةِ الْيَقِينِيَّةِ، وَأَحْيُوا بِهَا نُفُوسَكُمْ، وَاحْذَرُوا كُلَّ غَفْلَةٍ تَصْرِفُكُمْ عَنْ تَوْحِيدِ رَبِّكُمْ وَطَاعَتِهِ.
الدُّعَاءُ
