خطبة عن «أَيْنَ أَنْتَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ؟»
أغسطس 2, 2026الخطبة الأولى (التَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَة المَاعُونِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) (7) الماعون.
إخوة الإسلام
نَسْتَأْنِفُ اليَوْمَ- إن شاء الله تعالى- رِحْلَتَنَا المُبَارَكَةَ، فِي ظِلَالِ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، مَعَ سِلْسِلَةِ (التَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ) لِقِصَارِ السُّوَرِ، وَمَوْعِدُنَا اليوم مَعَ سُورَةٍ تُمَثِّلُ مِيزَانًا دَقِيقًا، وَمِقْيَاسًا رَبَّانِيًّا صَارِمًا، يَكْشَفُ زَيْفَ المَظَاهِرِ، وَيَقِيسُ عُمْقَ الإِيمَانِ فِي القُلُوبِ، إِنَّهَا سُورَةٌ تَقْرَعُ عُقُولَنَا، لِتُجِيبَ عَنْ سُؤَالٍ هَامٍّ: هَلْ نَحْنُ مُتَدَيِّنُونَ حَقًّا؟، أَمْ أَنَّ تَدَيُّنَنَا مُجَرَّدُ طُقُوسٍ جَافَّةٍ، لَا رُوحَ فِيهَا؟، إِنَّهَا (سُورَةُ المَاعُونِ).
وسورة «الماعون» تدعو إلى إخلاص العبادة لله ربِّ العالمين، وتؤصل لمبدإ التكافل، والتراحم بين الناس أجمعين، وتُعلِّمُنا: أن لليتيم والمسكين علينا حقًّا، يتمثَّل في رعايتهما، وكفالتهما، والاهتمام بشئونهما، وبذل العطاء لهما، إلى غير ذلك من وجو ه الخير والبر.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وتَبْدَأُ السُّورَةُ بِاسْتِفْهَامٍ يَشْحَذُ الأَذْهَانَ، وَيُثِيرُ الِانْتِبَاهَ، يَقُولُ فِيهِ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ [الماعون:1]. وَالمَقْصُودُ بِالدِّينِ هُنَا: هُوَ الجَزَاءُ، وَالحِسَابُ، وَاليَوْمُ الآخِرُ.
وَكَانَ المُنْتَظَرُ فِي الذِّهْنِ البَشَرِيِّ، أَنْ يَكُونَ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَوَصْفُ هَٰذَا المُكَذِّبِ أَنَّهُ: لَا يُصَلِّي، أَوْ لَا يَصُومُ، أَوْ يَسْجُدُ لِصَنَمٍ!، وَلَٰكِنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ يُفَاجِئُنَا، بِرَبْطٍ عَقَدِيٍّ وَسُلُوكِيٍّ عَمِيقٍ؛ حَيْثُ جَعَلَ عَلَامَةَ التَّكْذِيبِ بِاليَوْمِ الآخِرِ هِيَ: فَسَادَ الخُلُقِ الِاجْتِمَاعِيِّ، وَالقَسْوَةَ عَلَىٰ ضُعَفَاءِ النَّاسِ، فَقَالَ تَعَالَىٰ مُبَاشَرَةً: ﴿فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون:2-3].
وتَأَمَّلُوا – يَا عِبَادَ اللَّهِ – لَفْظَةَ ﴿يَدُعُّ﴾ ففِي اللُّغَةِ: أَيْ يَدْفَعُهُ دَفْعًا عَنِيفًا، بِقَسْوَةٍ وَمَقْتٍ، وَيَطْرُدُهُ عَنْ حَقِّهِ بِإِهَانَةٍ.
واليَتِيمُ الَّذِي فَقَدَ أَبَاهُ وَحِمَايَتَهُ، بَدَلَ أَنْ يَجِدَ فِي مُجْتَمَعِ الإِسْلَامِ رَحْمَةً وَحَنَانًا، يَجِدُ هَٰذَا القَاسِيَ يَظْلِمُهُ، وَيَأْكُلُ مَالَهُ!،
وَلَقَدْ عَظَّمَ الإِسْلَامُ كَفَالَةَ اليَتِيمِ، وَأَعْلَىٰ شَأْنَهَا؛ فَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ: (عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا»، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَىٰ وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا). فَمَنْ يَقْسُو عَلَىٰ اليَتِيمِ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الرَّحْمَةِ النَّبَوِيَّةِ مِنْ عُنُقِهِ.
ومن المعلوم أن حقوق الأيتام كثيرة، ومنها على سبيل المثال: الرفق بهم وعدم الغلظة، ففي الصحيحين: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ».
ومنها: تعليمه القراءة والكتابة وأمور الدين، وحسن السلوك، كالصدق، والأمانة، والشجاعة والكرم، فيعلمه مما ينفعه ويستطيع فعله، ففي صحيح البخاري: (عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»
ومنها: أن ينفق على اليتيم من ماله الخاص به، إن كان له مال، وإلا أنفق عليه من ماله هو ففي ذلك من الأجر والخير الكثير، وأن يحفظ ماله، وينميه، ولا يفرط فيه، حتى لا يضيع، ولا يأخذ منه شيئا ظلما، قال الله سبحانه: (وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفي بِاللَّهِ حَسِيبًا ) [النساء:6]،
وحذر سبحانه من الاعتداء على مال اليتيم بغير حق بأي صورة، قال سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) [النساء:9-10].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَلَا تَقِفُ السُّورَةُ عِنْدَ ظُلْمِ اليَتِيمِ، بَلْ تَنْتَقِلُ إِلَىٰ مَظْهَرٍ آخَرَ مِنْ مَظَاهِرِ الجَفَاءِ الِاجْتِمَاعِيِّ: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾. فاِنْظُرُوا إِلَىٰ دِقَّةِ اللَّفْظِ القُرْآنِيِّ؛ لَمْ يَقُلْ (وَلَا يُطْعِمُ المِسْكِينَ)، بَلْ قَالَ: ﴿وَلَا يَحُضُّ﴾؛ أَيْ أَنَّ قَلْبَهُ مَاتَ، فَلَمْ يَعُدْ فِيهِ مَكَانٌ لِلشَّفَقَةِ، فَلَا هُوَ يُطْعِمُ مِنْ مَالِهِ، وَلَا هُوَ يَحُثُّ غَيْرَهُ، أَوْ يَطْلُبُ مِنَ النَّاسِ نُصْرَةَ الفُقَرَاءِ المَسَاكِينِ، إِنَّهُ شخص أَنَانِيٌّ ،يَعِيشُ لِنَفْسِهِ وَمَصَالِحِهِ فَقَطْ.
وَلَقَدْ رَبَطَ اللَّهُ تَعَالَىٰ بَيْنَ الإِيمَانِ، وَإِطْعَامِ الطَّعَامِ، فِى مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ فِى وَصْفِ الأَبْرَارِ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان:8-9].
وَفِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ كَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ»، فَمَنْ مَنَعَ خَيْرَهُ عَنِ المَسَاكِينِ، فَقَدْ جَازَفَ بِإِيمَانِهِ، وَأَعْلَنَ أَنَّ صِلَتَهُ بِالآخِرَةِ صِلَةٌ مَشْرُوخَةٌ أو مقطوعة.
أَقُولُ قَوْلِي هَٰذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ،
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: (سُورَةُ المَاعُونِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ويَنْتَقِلُ السِّيَاقُ القُرْآنِيُّ، فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنَ السُّورَةِ، لِيَصُبَّ الوَيْلَ وَالهَلَاكَ عَلَىٰ صِنْفٍ آخَرَ، صِنْفٍ يَقُومُ بِالْمَظَاهِرِ العِبَادِيَّةِ، ولَٰكِنَّ قَلْبَهُ خَاوٍ مِنَ الحَقِيقَةِ، فَقَالَ تَعَالَىٰ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:4-5].
وتَدَبَّرُوا لَمْ يَقُلْ (فِي صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ)؛ لِأَنَّ السَّهْوَ “فِي” الصَّلَاةِ بَشَرِيٌّ، يَقَعُ فِيهِ كُلُّ أَحَدٍ، وَقَدْ سَهَا النَّبِيُّ ﷺ، وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾؛ أَيْ هُمْ عَنْهَا غَافِلُونَ، يُؤَخِّرُونَهَا عَنْ وَقْتِهَا بِلَا عُذْرٍ، وَيَتَهَاوَنُونَ فِي أَرْكَانِهَا، وَلَا يُقِيمُونَ لَهَا وَزْنًا فِي حَيَاتِهِمْ.
ثُمَّ يَبِينُ الله سُبْحَانَهُ العِلَّةَ النَّفْسِيَّةَ لِهَٰؤُلَاءِ فَيَقُولُ: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ [الماعون:6].
وهُنَا نَقِفُ مَعَ مَصْيَدَةِ “الرِّيَاءِ”؛ فَهُمْ لَا يُصَلُّونَ لِلَّهِ، بَلْ لِيَرَاهُمُ النَّاسُ فَيَمْدَحُوهُمْ، وَإِذَا خَلَوْا بِأَنْفُسِهِمْ تَرَكُوهَا!، وَلَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ خَطَرِ الرِّيَاءِ تَحْذِيرًا شَدِيدًا؛ فَفِي مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: (عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ»، قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَتَخْتِمُ السُّورَةُ آيَاتِهَا بِوَصْفٍ سُلُوكِيٍّ ذَمِيمٍ، يَجْمَعُ كُلَّ خِصَالِ الأَنَانِيَّةِ: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:7]. فمَا هُوَ المَاعُونُ عَمَلِيًّا؟، قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ (كَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ): هُوَ مَا يَتَعَاوَنُ بِهِ النَّاسُ بَيْنَهُمْ مِنَ: المَوَاعِينِ وَالأَدَوَاتِ البَسِيطَةِ كَالفَأْسِ، وَالقِدْرِ، وَالدَّلْوِ، وَالمِلْحِ، وَالمَاءِ.
فَتَأَمَّلُوا كَيْفَ ذَمَّ اللَّهُ مَنْ يَمْنَعُ عَنِ النَّاسِ الأَشْيَاءَ البَسِيطَةَ، الَّتِي لَا تَضُرُّهُ إِعَارَتُهَا!
ومن الملاحظ أن السورة قد أبرزت صفتين من أقبح ما يتصف به الذي يكذب بالبعث والحساب والجزاء. الأولى: أنه يدَعُّ اليتيم، أيْ: يقسو عليه، ويزجره زجرًا عنيفًا، ويمنعه حقه. والثانية: أنه لا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ، أيْ: لا يحث أهله، وغيرهم من الأغنياء، على بذل الطعام للبائس المسكين، وذلك لشُحِّه الشديد، واستيلاء الشيطان عليه، وانطماس بصيرته عن كل خير.
والسؤال: كَيْفَ نُطَبِّقُ هَٰذه السورة اليَوْمَ، ونحن فِي زَمَنِ الفَرْدَانِيَّةِ وَالجَفَاءِ الِاجْتِمَاعِيِّ؟، فنقول: إِنَّ مَنْعَ المَاعُونِ المُعَاصِرَ هُوَ: أَنْ يَكُونَ لَدَيْكَ فَضْلُ مَالٍ، أَوْ جَاهٍ، أَوْ عِلْمٍ، أَوْ حَتَّىٰ أَدَوَاتٍ بَسِيطَةٍ، فَيَحْتَاجُهَا جَارُكَ، أَوْ أَخُوكَ المُسْلِمُ، فَتَمْنَعَهَا عَنْهُ شُحًّا وَأَنَانِيَّةً.
واعلم أنَّ الدِّينَ الصَّادِقَ لَيْسَ رُكُوعًا بِلَا أَثَرٍ؛ بَلْ هُوَ صَلَاةٌ تَنْهَىٰ عَنِ الفَحْشَاءِ، وَتُثْمِرُ رَحْمَةً بِاليَتِيمِ، وَحَضًّا عَلَىٰ كَفَالَةِ المِسْكِينِ، وَبَذْلًا لِلْمَاعُونِ، لِكُلِّ طَالِبِ حَاجَةٍ.
فاِجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ حَيَّةً فِي تَعَامُلِكُمْ، وَاطْرُدُوا الرِّيَاءَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، وَافْتَحُوا بُيُوتَكُمْ بِالعَوْنِ لِعِبَادِ اللَّهِ، فَالخَاتِمَةُ لِلْمُتَّقِينَ.
الدُّعَاءُ
