خطبة عن (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ الإِخْلَاصِ)
يونيو 29, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (فَضَائِلُ الصَّدَقات)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [البقرة:245]. وقال تعالى : (آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ) [الحديد:7].
إخوة الإسلام
للصدقة في الإسلام شأن عظيم، فهي من أوضح الدلالات، وأصدق العلامات، على صدق إيمان العبد، فمن أنفق ماله، وخالف ما جُبِلت عليه نفسه، كان ذلك برهان على صدق إيمانه ،وصحة يقينه، وفي ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: (وَالصَّلاَةُ نُورٌ وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ)،
ولأجل هذا، فقد جاءت النصوص من (الكتاب والسنة)، تبين فضائل الصدقات، وأهمية الإنفاق في سبيل الله، وتحث المسلم على البذل والعطاء، ابتغاء مرضاة الله.
وقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعَالَى المَالَ الَّذِي بَيْنَ أَيْدِينَا عَارِيَةً مُسْتَرْجَعَةً، وَاخْتَبَرَ بِهِ ضَمَائِرَنَا، وَجَعَلَ النَّفَقَةَ فِي سَبِيلِهِ سُلَّماً لِلِارْتِقَاءِ، وَسَبِيلًا لِتَطْهِيرِ النُّفُوسِ مِنَ الشُّحِّ.
وقول النَّبِيّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ: «وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ». فَالبُرْهَانُ هُوَ الحُجَّةُ النَّاصِعَةُ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ بِمَا جُبِلَتْ عَلَى حُبِّ المَالِ، فلَا تَجُودُ بِهِ، إِلَّا إِذَا قَامَ فِيهَا يَقِينٌ أَعْظَمُ، بِأَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى، وَلِأَجْلِ هَذَا، جَعَلَ اللهُ تَعَالَى النَّفَقَةَ عَلَى السَّائِلِينَ وَالمَحْرُومِينَ مِنْ أَخَصِّ صِفَاتِ عِبَادِهِ الأَبْرَارِ؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي وَصْفِ أَهْلِ الجَنَّةِ: (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) [الذاريات:19].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وبَعْض النَّاسِ يَخَافُونَ النَّقْصَ حِينَ تُبْسَطُ يَدُهُمْ بِالعَطَاءِ، وَهَذَا وَهْمٌ شَيْطَانِيٌّ، يَكْشِفُهُ المَوْعُودُ الإِلَهِيُّ بِالإِخْلَافِ؛ حَيْثُ يَقُولُ المَوْلَى فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [سبأ:39]. فَاللَّهُ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ أَنْ يَفْتَقِرَ عَبْدٌ جَادَ لِأَجْلِهِ، بَلْ يَسُوقُ إِلَيْهِ البَرَكَةَ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، وَلَمْ تَقْتَصِرِ البِشَارَةُ عَلَى الإِخْلَافِ المُمَاثِلِ، بَلْ وَعَدَ بِمُضَاعَفَةِ العَطِيَّةِ أضعَافاً كَثِيرَةً لَا يُحِيطُ بِهَا عَقْلٌ بَشَرِيٌّ؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً) البقرة:245. إِنَّهُ كَرَمُ مَلِكٍ، يُعَامِلُ عَبِيدَهُ بِالفَضْلِ لَا بِالعَدْلِ.
وتَأَمَّلُوا هَذَا المَثَلَ القُرْآنِيَّ المُبْهِرَ، الَّذِي يَصِفُ نُمُوَّ النَّفَقَةِ، حِينَ تَقَعُ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ حَيْثُ تَبْلُغُ الصَّدَقَةُ بِصَاحِبِهَا سَبْعَمِائَةِ حَسَنَةٍ وَأَكْثَرَ!، فقَالَ تَعَالَى: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [البقرة:261-262].
فَالقَلِيلُ عِنْدَ اللهِ يَصِيرُ كَثِيراً، وَالبَذْلُ اليَسِيرُ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ إِلَى مَقَامٍ شَرِيفٍ، هُوَ “مَقَامُ المُحْسِنِينَ”، الَّذِينَ اسْتَحَقُّوا المَحَبَّةَ الإِلَهِيَّةَ، بِبَذْلِهِمْ فِي كُلِّ الأَحْوَالِ؛ قَالَ سُبْحَانَهُ: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالْخَاضِعِينَ الغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران: 134]. فَالْمُحْسِنُ هُوَ مَنْ تَصَدَّقَ فِي غِنَاهُ شُكْراً، وَفِي فَقْرِهِ لُجُوءاً وَاحْتِسَاباً.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ هَذَا البَذْلَ يَحْمِلُ لِلْمُجْتَمَعِ خَيْراً عَمِيماً، وَأَجْراً تَعْجِزُ النَّفْسُ عَنْ وَصْفِهِ؛ قَالَ تَعَالَى: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفعلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء:114].
وَاعلموا أنَّ مِنْ أَحَبِّ صُوَرِ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ: مَا يُدْخِلُ السُّرُورَ عَلَى نُفُوسِ المُؤْمِنِينَ؛ فَقَدْ رَوَى البَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ: (أَنَّ الرَّسُولَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُؤْمِنٍ، تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْناً، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعاً». فَلُقْمَةٌ تَسُدُّ بِهَا جَوْعَةَ مِسْكِينٍ، أَوْ دِرْهَمٌ تَقْضِي بِهِ دَيْنَ غَارِمٍ، هِيَ طَرِيقُكَ المُخْتَصَرُ لِنَيْلِ مَحَبَّةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَمَا أَعْظَمَ بَرَكَةَ الصَّدَقَةِ، حِينَ تَرْفَعُ صَاحِبَهَا لِيَبْلُغَ “أَعْلَى مَنَازِلِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ”!، فقد رَوَى التِّرْمِذِيُّ: (أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَعِلْماً فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقّاً فَهَذَا بِأَفْضَلِ المَنَازِلِ».
وَهَذِهِ النَّفَقَةُ كَمَا تَرْفَعُ المَنَازِلَ، فَإِنَّهَا تَعْمَلُ كَدِرْعٍ وَاقٍ، يَدْفَعُ عَنِ العَبْدِ المَصَائِبَ وَالسُّوءَ قَبْلَ نُزُولِهِ؛ قَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ: «صَنَائِعُ المَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ وَالآفَاتِ وَالهَلَكَاتِ، وَأَهْلُ المَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ المَعْرُوفِ فِي الآخِرَةِ». فَأَيُّ أَمَانٍ حِسِّيٍّ نَعِيشُهُ حِينَ نَجُودُ بِأَمْوَالِنَا؟، فإِنَّكَ تَحْمِي نَفْسَكَ وَأَوْلَادَكَ بِبَذْلِكَ لِلْمُحْتَاجِينَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا كَيْفَ يَعْتَنِي الرَّحْمَنُ بِصَدَقَتِكُمُ القَلِيلَةِ، إِذَا صَدَقَتْ فِيهَا النِّيَّةُ، وَكَانَتْ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ؛ فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: (أَنَّ الرَّسُولَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ -وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ- إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً، فَتَرْبُو
فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الجَبَلِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ».
فَتَمْرَةٌ صَغِيرَةٌ تَبْذُلُهَا، لَا لِأَجْلِ جَاهٍ وَلَا سُمْعَةٍ، بَلْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ، يُرَبِّيهَا العَظِيمُ سُبْحَانَهُ، حَتَّى تَلْقَاهَا يَوْمَ المِيزَانِ مِثْلَ الجَبَلِ الأَشَمِّ!،
فَلَا تَسْتَهِينُوا بِالقَلِيلِ، وَطَهِّرُوا أَمْوَالَكُمْ، وَوَاسُوا فُقَرَاءَكُمْ، لِتَعِيشُوا أَسْخِيَاءَ، مَرْحُومِينَ، وَتُبْعَثُوا يوم القيامة فِي ظِلِّ صَدَقَاتِكُمْ، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّ عَرْشِ الرَّحْمَنِ.
واعلموا أنَّ الذُّنُوبَ لَهَا نَارٌ تَلْتَهِبُ فِي صُدُورِ العِبَادِ، وَتُحْرِقُ صَحَائِفَ أَعْمَالِهِمْ، وَلَا يُطْفِئُ هَذَا اللَّهِيبَ شَيْءٌ مِثْلُ البَذْلِ وَالعَطَاءِ؛ فَقَدْ جَاءَ التَّوْجِيهُ النَّبَوِيُّ المُبَاشِرُ، فِي وَصِيَّتِهِ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ)، حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ: «وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ».
فَتَمَاماً كَمَا يَنْزِلُ المَاءُ عَلَى الجَمْرِ المُتَّقِدِ فَيُحِيلُهُ رَمَاداً بَارِداً، تَنْزِلُ الصَّدَقَةُ عَلَى الخَطَايَا فَتَمْحُوهَا، وَتُبَدِّلُ سَيِّئَاتِ العَبْدِ حَسَنَاتٍ، بِفَضْلِ كَرَمِ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ بَعْضَ مَنْ ضَعُفَ يَقِينُهُ، يَظُنُّ أَنَّ إِخْرَاجَ المَالِ يُوجِبُ النَّقْصَ وَالمَسْكَنَةَ، وَهَذَا تَكْذِيبٌ لِلْقَوَانِينِ الرَّبَّانِيَّةِ، الَّتِي تُقَرِّرُ أَنَّ الإنْفَاقَ هُوَ أَعْظَمُ أَسْبَابِ بَرَكَةِ المَالِ، وَزِيَادَةِ الرِّزْقِ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: (قَالَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا: «يَا ابْنَ آدَمَ! أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ».
سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ!، خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَلأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، وَالمَلِكُ سُبْحَانَهُ يَعِدُكَ بِالنَّفَقَةِ المُقَابِلَةِ إِذَا بَسَطْتَ يَدَكَ لِلْمُحْتَاجِينَ، فَمَنْ ذَا الَّذِي يَخَافُ الفَقْرَ بَعْدَ هَذَا الوَعْدِ الصَّادِقِ؟
واِسْتَمِعُوا بِقُلُوبِكُمْ إِلَى هَذِهِ القِصَّةِ العَجِيبَةِ، الَّتِي رَوَاهَا الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، الَّتِي تُبَيِّنُ كَيْفَ تُسَخَّرُ الطَّبِيعَةُ لِأَجْلِ رَجُلٍ صَادِقٍ فِي صَدَقَتِهِ؛ (فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتاً فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ، قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ المَاءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ المَاءَ، فِإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ، يُحَوِّلُ المَاءَ بِمِسْحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ مَا اسْمُكَ؟، قَالَ: فُلَانٌ -لِلاِسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ- فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللهِ، لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتاً فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، لِاسْمِكَ، فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟، قَالَ: أَمَا إِذْ قُلْتَ هَذَا، فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فِأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثاً، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ».
فإِنَّ هَذَا المَشْهَدَ العَظِيمَ يُرْسِي لَنَا “فِقْهَ التَّعَامُلِ مَعَ نِعَمِ اللهِ”؛ فَهَذَا الرَّجُلُ لَمْ تَمْلِكْهُ الدُّنْيَا، بَلْ جَعَلَ لِلَّهِ حَقّاً ثَابِتاً فِي زَرْعِهِ، فَقَسَّمَ دَخْلَهُ أَثْلَاثاً مُتَسَاوِيَةً: ثُلُثٌ لِلْفُقَرَاءِ، وَثُلُثٌ لِنَفَقَةِ البَيْتِ، وَثُلُثٌ لِإِصْلَاحِ الأَرْضِ، فَكَانَتِ النَّتِيجَةُ: أَنْ سَاقَ اللهُ إِلَيْهِ الغَيْثَ بِاسْمِهِ وَحْدَهُ، فِي وَسَطِ الصَّحْرَاءِ!، وهَكَذَا تَصْنَعُ الصَّدَقَةُ؛ تَمْنَعُ القَحْطَ، وَتَجْلِبُ البَرَكَةَ، وَتَجْعَلُ العَبْدَ مَحْفُوظاً بِعِنَايَةِ اللهِ الَّتِي لَا تَنَامُ.
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (فَضَائِلُ الصَّدَقات)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
إِنَّ القَانُونَ النَّبَوِيَّ الثَّابِتَ فِي مَسْأَلَةِ المَالِ يَأْتِي لِيَقْتَلِعَ جُذُورَ الخَوْفِ مِنَ النُّفُوسِ؛ فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْداً بِعَفْوٍ إِلَّا عِزّاً، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ».
فتَأَمَّلُوا هَذِهِ الثَّلَاثَ المُرْتَبِطَةَ؛ فَالصَّدَقَةُ لَا تَنْقُصُ المَالَ، بَلْ تُطَهِّرُهُ وَتُنْمِيهِ، وَالعَفْوُ لَا يَضَعُ القَدْرَ، بَلْ يُعْلِي العِزَّ، وَالتَّوَاضُعُ لَا يُورِثُ الذُّلَّ، بَلْ يَجْلِبُ الرِّفْعَةَ عِنْدَ اللهِ وَفِي قُلُوبِ الخَلْقِ، فهَذَا الحَدِيث الجَامِع يُعَلِّمُنَا: أَنَّ المَقَايِيسَ الشَّرْعِيَّةَ تَخْتَلِفُ تَمَاماً عَنِ المَقَايِيسِ المَادِّيَّةِ القَاصِرَةِ.
والصَّدَقَة فِي حَقِيقَتِهَا “وِقَايَةٌ حِسِّيَّةٌ مِنْ عَذَابِ اللهِ تَعَالَى”؛ فَلَا يَسْتَهِين أَحَدُكُمْ بِقَلِيلِ البَذْلِ؛ فَقَدْ جَاءَ التَّحْذِيرُ النَّبَوِيُّ المُبَاشِرُ فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»، فَنِصْفُ تَمْرَةٍ تَجُودُ بِهَا عَلَى جَائِعٍ، أَوْ تَمْسَحُ بِهَا دَمْعَةَ مَحْزُونٍ، قَدْ تَكُونُ هِيَ الحِجَابَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ لَهِيبِ جَهَنَّمَ يَوْمَ الحِسَابِ،
وَهَذِهِ النَّفَقَات هِيَ الَّتِي تَقُودُ صَاحِبَهَا لِيُدْعَى مِنْ “بَابِ الصَّدَقَةِ” فِي دخول الجَنَّةِ؛ فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: (أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنَ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنَ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنَ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ)
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ النَّاسَ يَتَكَالَبُونَ عَلَى جَمْعِ الأَمْوَالِ، وَمَا عَلِمُوا أَنَّ “المَالَ الحَقِيقِيَّ هُوَ مَا قَدَّمُوهُ لِآخِرَتِهِمْ “، وَأَنَّ مَا يُمْسِكُونَهُ هُوَ مَالُ الوَارِثِ!، فقد رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَهُوَ يَقْرَأُ (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ)، قَالَ: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي، قَالَ: وَهَلْ لَكَ يَا ابْنُ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟»، وَرَوَى البُخَارِيُّ: (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ، قَالَ: «فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ».
فَمَا تُنْفِقُهُ هُوَ الَّذِي يَبْقَى لَكَ، وَمَا تَتْرُكُهُ سَيَقْتَسِمُهُ النَّاسُ بَعْدَكَ، وَتُحَاسَبُ أَنْتَ عَلَى قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ.
ومِنْ عِظَمِ رَحْمَةِ اللهِ بِعِبَادِهِ: أَنْ جَعَلَ لِلْبَذْلِ أَثَراً مَمْدُوداً لَا يَنْقَطِعُ بِخُرُوجِ الرُّوحِ مِنَ الجَسَدِ، وَهُوَ مَا يُسَمَّى بـ “الصَّدَقَةِ الجَارِيَةِ”، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».
فَبِنَاءُ مَسْجِدٍ، أَوْ حَفْرُ بِئْرٍ، أَوْ غَرْسُ شَجَرٍ، يُجْرِي لَكَ الحَسَنَاتِ، وَأَنْتَ فِي ظُلُمَاتِ قَبْرِكَ رَهِينُ عَمَلِكَ، كَمَا أَنَّ مَنْ دَلَّ غَيْرَهُ عَلَى هَذِهِ المَكْرُمَاتِ، نَال الأَجْرَ كَامِلًا؛ فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ: (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَقَالَ: إِنِّي أُبْدِعَ بِي (أَيْ هَلَكَتْ دَابَّتِي) فَاحْمِلْنِي، فَقَالَ: مَا عِنْدِي، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا أَدُلُّهُ عَلَى مَنْ يَحْمِلُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَهُنَا نَأْتِي إِلَى الفِقْهِ الأَعْظَمِ، الَّذِي يَغْفُلُ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ الآبَاءِ؛ وَهُوَ أَنَّ “الإنْفَاقَ عَلَى الزَّوْجَةِ، وَالأَوْلَادِ، هُوَ صَدَقَةٌ مَجْزِيَّةٌ”، إِذَا احْتَسَبَ العَبْدُ النِّيَّةَ لِلَّهِ!، فَلَيْسَتِ النَّفَقَةُ عَلَى البَيْتِ مَحْضَ فَاتُورَةٍ تُدْفَعُ كَرْهاً، بَلْ هِيَ قُرْبَةٌ تَرْفَعُ المَنَازِلَ؛ فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ البَدْرِيِّ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «إِنَّ المُسْلِمَ إِذَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةً وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً».
فَلُقْمَةٌ تَضَعُهَا فِي فَمِ زَوْجَتِكَ، وَكِسْوَةٌ تَشْتَرِيهَا لِوَلَدِكَ، وَطَعَامٌ تُؤَمِّنُهُ لِبَيْتِكَ، يُكْتَبُ لَكَ فِي صَحِيفَةِ الحَسَنَاتِ أُجُورُ المُتَصَدِّقِينَ المُخْلِصِينَ، مَتَى مَا جَعَلْتَ نِيَّتَكَ صِيَانَةَ أَهْلِكَ، وَامْتِثَالَ أَمْرِ رَبِّكَ.
فَلْنُطَهِّرْ نِيَّاتِنَا فِي نَفَقَاتِنَا، وَلْنَبْذُلْ مِنْ فُضُولِ أَمْوَالِنَا، وَلْنَعْلَمْ أَنَّ شِقَّ التَّمْرَةِ فِيهِ النَّجَاةُ، وَلْنَعْزِمِ النِّيَّةَ عَلَى جَعْلِ الصَّدَقَةِ شِعَاراً لَنَا فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَلْنَقْتَدِ بِأَصْحَابِ هَذِهِ المَعَادِنِ الطَّيِّبَةِ؛ واجْعَلُوا لِأَنْفُسِكُمْ خَبِيئَةً مِنَ الصَّدَقَاتِ، وَلَا تَسْتَهِينُوا بِالقَلِيلِ؛ فَرُبَّ دِرْهَمٍ سَبَقَ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، إِذَا خَرَجَ بِإِخْلَاصٍ وَشَوْقٍ لِرِضَا المَوْلَى.
الدعاء
