خطبة عن (الْتَّفْسِيرُ المَوْضُوعِيُِّ لسورة الْفَلَقِ)
يونيو 22, 2026الخطبة الأولى (الاِلْتِفَاتُ فِي الصَّلاَةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
روى الامام البخاري في صحيحه: (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – عَنْ الاِلْتِفَاتِ فِي الصَّلاَةِ فَقَالَ «هُوَ اخْتِلاَسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاَةِ الْعَبْدِ»
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
نَقِفُ اليَوْمَ مَعَ مِعْمَارِ العِبَادَاتِ، وَأَعْظَمِ نِعْمَةٍ تَرْبِطُ العَبْدَ بِرَبِّ السَّمَاوَاتِ، نَقِفُ مَعَ الصَّلَاةِ، فإِنَّ “مَنْزِلَةَ الصَّلَاةِ” فِي الإِسْلَامِ لَا تُدَانِيهَا مَنْزِلَةٌ؛ فَهِيَ رُكْنُ الدِّينِ الرَّكِينُ، وَهِيَ أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ عَنْهُ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَإِنْ صَلَحَتْ صَلَحَ سَائِرُ عَمَلِهِ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سَائِرُ عَمَلِهِ.
وَلَكِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَهَا حِصْنٌ يَحْمِيهَا، وَرُوحٌ تُحْيِيهَا، أَلَا وَهُوَ “الخُشُوعُ”، فَالخُشُوعُ هُوَ لُبُّ الصَّلَاةِ، وَمِنْ دُونِهِ تَصِيرُ الحَرَكَاتُ رُكُوعًا وَسُجُودًا جَافًّا، وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَهَالِكِ الخُشُوعِ، وَأَكْبَرِ ثَغَرَاتِ النَّقْصِ فِى العِبَادَةِ: بَلِيَّةٌ حَذَّرَ مِنْهَا النَّبِيُّ ﷺ، سَمَّاهَا “الِالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ”.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنونَ
ولِنَفْهَمْ أَوَّلًا مَعْنَى “الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ”، كَمَا جَاءَ فِى مَدَارِسِ الحَدِيثِ الشَّرِيفِ؛ فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ ﷺ: «هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ» [صحيح البخاري].
فاِنْظُرُوا إِلَى البَلَاغَةِ النَّبَوِيَّةِ: ﴿اخْتِلَاسٌ﴾!، وَالِاخْتِلَاسُ هُوَ أَخْذُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ، عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنَ الصَّاحِبِ.
فالشَّيْطَانُ حِينَ يَرَاكَ قَائِمًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، ولَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْنَعَكَ مِنَ الصَّلَاةِ كُلِّيَّةً، فَيَعْمَدُ إِلَىٰ سَرِقَةِ أَجْزَاءٍ مِنْهَا عَبْرَ الِالْتِفَاتِ!
وَلِلِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ أَنْوَاع وَصُوَر ثَلَاثَة جَوْهَرِيَّة، يَجِبُ أَنْ نَعِيَهَا؛ وهي:
أَوَّلُهَا: الِالْتِفَاتُ بِالبَصَرِ وَالوَجْهِ؛ حَيْثُ يُحَرِّكُ المُصَلِّي عَيْنَيْهِ يَمِينًا وَشِمَالًا، أَوْ يَنْظُرُ إِلَى السَّقْفِ، أَوْ يَقْلِبُ بَصَرَهُ فِي زَخَارِفِ السَّجَّادِ وَالمـَسْجِدِ، وَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ هَذَا تَحْذِيرًا تَقْشَعِرُّ لَهُ الأَبْدَانُ؛ فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ »، فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: «لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» [صحيح البخاري].
وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ من صور الالتفات في الصلاة: فَهِيَ الِالْتِفَاتُ بِالجَوَارِحِ، وَالعَبَثِ؛ فيَنْشَغِل العَبْدُ بِتَعْدِيلِ ثِيَابِهِ، أَوْ غِطَاءِ رَأْسِهِ، أَوْ بِالنَّظُرِ فِي سَاعَتِهِ و(وجواله)، أَوْ بِتَحْرِيكِ أَقْدَامِهِ بِلَا حَاجَةٍ.
وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ، من صور الالتفات في الصلاة: وَهِيَ الأَخْطَرُ فِي زَمَنِنَا: فَهِيَ الِالْتِفَاتُ بِالقَلْبِ؛ حَيْثُ يَكُونُ الجَسَدُ نَحْوَ القِبْلَةِ، ولَكِنَّ القَلْبَ هَائِمٌ فِي أَوْدِيَةِ الدُّنْيَا، يُفَكِّرُ فِي تِجَارَتِهِ، أَوْ وِظِيفَتِهِ، أَوْ فِي مَشْغَلَاتِهِ الرَّقَمِيَّةِ، وَحِسَابَاتِهِ التَّوَاصُلِيَّةِ، الَّتِي تَدْخُلُ مَعَهُ فِي مِحْرَابِهِ!
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وهَذَا الِالْتِفَات بِأَنْوَاعِهِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ “نَقْصُ أَجْرِ الصَّلَاةِ” بِشَكْلٍ مَفْزِعٍ؛ فَقَدْ يَقُومُ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يُكْتَبُ لَهُ مِنْهَا إِلَّا العُشْرُ أَوْ النِّصْفُ؛
فَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْصَرِفُ وَمَا كُتِبَ لَهُ إِلَّا عُشْرُ صَلَاتِهِ، تُسْعُهَا، ثُمُنُهَا، سُبُعُهَا، سُدُسُهَا، خُمُسُهَا، رُبُعُهَا، ثُلُثُهَا، نِصْفُهَا» [سنن أبي داود، وصححه الألباني].
وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقْبِلُ عَلَى العَبْدِ، مَا دَامَ العبد مُقْبِلًا عَلَى صَلَاتِهِ، فَإِذَا التَفَتَ، أَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ!، فَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَزَالُ اللَّهُ مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا صَرَفَ وَجْهَهُ صَرَفَ عَنْهُ» [سنن أبي داود، وصححه الألباني]. فَاعْلَمُوا -يَا بَنِي الإِسْلَامِ- أَنَّ كُلَّ التِفَاتَةٍ هِيَ خَسَارَةٌ لِمَعِيَّةِ اللَّهِ الخَاصَّةِ فِي المِحْرَابِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَٰذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: (الاِلْتِفَاتُ فِي الصَّلاَةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِذَا كَانَ الِالْتِفَاتُ مَصْيَدَةً، فَكَيْفَ نتجنبه ونَخْشَعُ فِي صَلَاتِنَا؟، وَكَيْفَ نَجْنِي الثَّمَرَةَ المـَرْجُوَّةَ مِنْهَا، لِتَنْهَانَا صلاتنا عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمـُنْكَرِ؟،
فنقول: إِنَّ لِلْخُشُوعِ “دَرَجَاتٍ وَمَرَاحِلَ”، يَجِبُ أَنْ يَرْتَقِيَهَا العَبْدُ، لِيُحَقِّقَ الصَّلَاةَ الكَامِلَةَ؛ وهي:
المـَرْحَلَةُ الأُولَى: هِيَ خُشُوعُ الظَّاهِرِ: بِسُكُونِ الجَوَارِحِ، وَطَأْطَأَةِ الرَّأْسِ، وَالنَّظَرِ إِلَىٰ مَوْضِعِ السُّجُودِ.
وَالمـَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ: هِيَ خُشُوعُ اللَّفْظِ، وَالعَقْلِ، بِتَدَبُّرِ الآيَاتِ وَالأَذْكَارِ، الَّتِي يَنْطِقُ بِهَا اللِّسَانُ.
وَالمـَرْحَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالعُلْيَا: هِيَ خُشُوعُ الرُّوحِ وَالقَلْبِ: حَيْثُ يَسْتَحْضِرُ العَبْدُ أَنَّهُ يَفُتُّ قَلْبَهُ بَيْنَ يَدَيِ المـَلِكِ الحَقِّ، فَيَغِيبُ عَنِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَهَذَا هُوَ مَقَامُ الإِحْسَانِ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ».
وَلِكَيْ يُحَقِّقَ المُسْلِمُ هَذِهِ الصَّلَاةَ الكَامِلَةَ عَمَلِيًّا، لَا بُدَّ لَهُ مِنْ خُطُوَاتٍ عِلَاجِيَّةٍ نَبَوِيَّةٍ؛ ومنها:
أَوَّلُهَا: الِاسْتِعْدَادُ المُبَكِّرُ لِلصَّلَاةِ، بِإِسْبَاغِ الوُضُوءِ، وَتَرْدِيدِ الأَذَانِ، وَقَصْدِ المـَسْجِدِ بِسَكِينَةٍ.
وَثَانِيهَا: دَفْعُ المـَشْغَلَاتِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي التَّكْبِيرِ؛ فَلَا يُصَلِّي بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُ الأَخْبَثَيْنِ (البول والريح) وكذا الغائط)، وَيُغْلِقُ هَاتِفَهُ، الَّذِي يَقْطَعُ عَلَيْهِ صِلَتَهُ.
وَأَمَّا إِذَا جَاءَهُ الشَّيْطَانُ فِي صَلَاتِهِ، لِيَفْتَحَ لَهُ دَفَاتِرَ الدُّنْيَا وَيَقُولَ لَهُ: “اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا”، فَقَدْ وَضَعَ لَنَا الشَّرْعُ عِلَاجًا حَاسِمًا؛ فَقَدْ شَكَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي العَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ، وَاتْفِلْ عَلَىٰ يَسَارِكَ ثَلَاثًا»، قَالَ عُثْمَانُ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ عَنِّي) [صحيح مسلم].
فَاتَّقُوا اللَّهَ -يَا عِبَادَ اللَّهِ- وَأَقْبِلُوا عَلَىٰ صَلَاتِكُمْ بِقُلُوبِكُمْ قَبْلَ أَجْسَادِكُمْ، وَاحْذَرُوا اخْتِلَاسَ الشَّيْطَانِ، لِتَكُونُوا مِنَ الفَائِزِينَ، الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:1-2].
الدُّعَاءُ
