خطبة عن (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ الكَوْثَرِ)
يوليو 25, 2026الخطبة الأولى (مِنْ فَضَائِلِ بِرِّ الوَالِدَيْنِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) (23)، (24) الإسراء،
وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ قَالَ «أُمُّكَ ثُمَّ أُمُّكَ ثُمَّ أُمُّكَ ثُمَّ أَبُوكَ ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ». وفي سنن الترمذي: (أن رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَإِنْ شِئْتَ فَأَضِعْ ذَلِكَ الْبَابَ أَوِ احْفَظْهُ».
إخوة الإسلام
إن بر الوالدين من أعظم القربات، وأجلّ الطاعات؛ فقد قرنه الله بعبادته، وتوحيده، وهو مفتاح لدخول الجنة، وسبب لتفريج الكربات، ومضاعفة الرزق، وتيسير الأمور، والبارّ لوالديه ينال رضا الله تعالى، ويُعان على طاعته، وتوفيقه، في الدنيا والآخرة.
وبر الوالدين عِبَادَة جَلِيلَة، جَعَلَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ تَعَالَىٰ مِنْ كَمَالِ الإِيمَانِ، وَحُسْنِ الإِسْلَامِ، وهي عِبَادَةٍ قَرَنَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِتَوْحِيدِهِ، فِى كِتَابِهِ العَزِيزِ؛ لِيُبَيِّنَ لِلْعَالَمِينَ: أَنَّ حَقَّ الوَالِدَيْنِ يَأْتِي مُبَاشَرَةً بَعْدَ حَقِّ رَبِّ العَالَمِينَ.
واليَوْمَ- إن شاء الله تعالى- مَعَ مَوْضُوعٍ تَهْتَزُّ لَهُ الجَوَارِحُ خُشُوعًا، وَتَشْتَاقُ إِلَيْهِ النُّفُوسُ طَمَعًا فِي المَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ، وتِلْكَ القَامَةِ الأَخْلَاقِيَّةِ الشَّامِخَةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ مِقْيَاسًا لِنَقَاءِ المَعْدِنِ، وَعُنْوَانًا لِكَمَالِ الإِيمَانِ وَحُسْنِ الإِسْلَامِ إِنَّهُ: “فَضَائِلِ بِرِّ الوَالِدَيْنِ“.
وكما بينت لكم: فإِنَّ بِرَّ الوَالِدَيْنِ هُوَ أَعْظَمُ القُرُبَاتِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَىٰ، وَأَجَلُّ الطَّاعَاتِ الَّتِي يَتَقَرَّبُ بِهَا العَبْدُ إِلَىٰ مَوْلَاهُ؛ وكَيْفَ لَا، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي مَحْكَمِ التَّنْزِيلِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صِغِيرًا﴾ [الإسراء:23-24].
وتَدَبَّرُوا معي، كَيْفَ نَهَى اللَّهُ عَنْ أَقَلِّ مَرَاتِبِ التَّضَجُّرِ وَهِيَ كَلِمَةُ (أُفٍّ)!، وَإِذَا نَظَرْنَا فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ المـُطَهَّرَةِ، نَجِدُ أَنَّ البِرَّ مُقَدَّمٌ عَلَىٰ أَعْمَالٍ كُبْرَىٰ، كُنَّا نَظُنُّهَا هِيَ الذُّرْوَةَ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَىٰ وَقْتِهَا»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
وَجَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ الجِهَادَ وَالهِجْرَةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ تَوْقًا لِلْأَجْرِ، فَقَالَ لَهُ المُصْطَفَىٰ ﷺ: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟» قَالَ: نَعَمْ، بَلْ كِلَاهُمَا، قَالَ: «فَتَبْتَغِي مِنَ اللَّهِ الأَجْرَ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَارْجَعْ إِلَىٰ وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَمِنْ فَضَائِلِ بِرِّ الوَالِدَيْنِ العَاجِلَةِ: أَنَّهُ بَرَكَةٌ فِي العُمُرِ، وَسَعَةٌ فِي الرِّزْقِ، وَتَذْلِيلٌ لِصِعَابِ الحَيَاةِ، وَحِمَايَةٌ لِلْإِنْسَانِ مِنَ الشُّرُورِ؛ فَقَدْ قَالَ الرَّسُولُ الكَرِيمُ ﷺ فِي الحَدِيثِ الَّذِي رواه البخاري: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».
وَأَيُّ رَحِمٍ أَوْلَىٰ بِالبَسْطِ وَالعُمُرِ مِنْ أَبِيكَ وَأُمِّكَ؟، فإِنَّ بِرَّهُمَا يَشْرَحُ الصَّدْرَ المُنْقَبِضَ، وَيُفَرِّجُ الكَرْبَ العَظِيمَ. فبِرّ الوَالِدَيْنِ يَجْلِبُ التَّوْفِيقَ فِي التِّجَارَةِ، وَيَفْتَحُ أَبْوَابَ المَالِ الحَلَالِ، وَيَجْعَلُ حَيَاةَ الإِنْسَانِ مَحْفُوفَةً بِالسَّكِينَةِ، وَالحِمَايَةِ مِنَ الشُّرُورِ، وَيُذَلِّلُ لَهُ كُلَّ صَعْبٍ فِي طَرِيقِهِ.
فتَأَمَّلُوا يَا مَعَاشِرَ الفُضَلَاءِ، كَيْفَ جَعَلَ الشَّرِعُ بِرَّ الأُمِّ أَوْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهَا كَالتِّرْيَاقِ الَّذِي يَحْرِقُ كَبَائِرَ الذُّنُوبِ، وَيَغْسِلُ صَحَائِفَ السَّيِّئَاتِ!، إِنَّهُ عَمَلٌ “يُفَرِّجُ الكُرَبَ وَيَشْرَحُ الصُّدُورَ”
وَكُلُّكُمْ يَعْلَمُ قِصَّةَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ انْطَبَقَتْ عَلَيْهِمُ الصَّخْرَةُ فِي الغَارِ، فَلَمْ يَجِدُوا مَخْرَجًا إِلَّا التَّوَسُّلَ بِصَالِحِ الأَعْمَالِ، فَقَامَ أَوَّلُهُمْ وَقَالَ: «اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا…» فَمَا زَالَ يَذْكُرُ بِرَّهُ بِهِمَا كَيْفَ وَقَفَ بِاللَّبَنِ عِنْدَ رَأْسِهِمَا وَأَوْلَادُهُ يَبْكُونَ مِنَ الجُوعِ عِنْدَ قَدَمَيْهِ حَتَّىٰ طَلَعَ الفَجْرُ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنَ الصَّخْرَةِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ»!
وإِنَّ بِرَّ الوَالِدَيْنِ هُوَ العَمَلُ الَّذِي يُقَرِّبُكَ مِنَ اللَّهِ زُلْفَىٰ؛ فَهَٰذَا تَرْجُمَانُ القُرْآنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يَقُولُ: “إِنِّي لَا أَعْلَمُ عَمَلًا أَقْرَبَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ بِرِّ الْوَالِدَةِ”. ولِمَاذَا المَرْأَةُ أَوَّلًا؟ لِأَنَّهَا حَمَلَتْ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ، وَوَضَعَتْ كُرْهًا، وَسَهِرَتْ لَيَالِيَ الغَفْلَةِ حَتَّىٰ نَبَتَ جَسَدُكَ. وَمِنْ هُنَا كَانَ البِرُّ سَبَبًا رَئِيسًا فِي “غُفْرَانِ الذُّنُوبِ الكَبِيرَةِ”؛
فَبر الوالدين: هُوَ سَبَبٌ مُبَاشِرٌ فِي غُفْرَانِ الذُّنُوبِ؛ فَفي سنن الترمذي: (أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ ذَنْبًا عَظِيمًا فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ قَالَ «هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ ». قَالَ لاَ. قَالَ «هَلْ لَكَ مِنْ خَالَةٍ». قَالَ نَعَمْ. قَالَ «فَبِرَّهَا».
فاِنْظُرُوا كَيْفَ جَعَلَ الإِسْلَامُ بِرَّ القَرَابَةِ وَالأُمَّهَاتِ مِمْحَاةً لِلْكَبَائِرِ الَّتِي تُوبِقُ العَبْدَ!.
أَقُولُ قَوْلِي هَٰذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: (مِنْ فَضَائِلِ بِرِّ الوَالِدَيْنِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ الفَضِيلَةَ الكُبْرَىٰ لِبِرِّ الوَالِدَيْنِ هِيَ: أَنَّهُ المِفْتَاحُ الأَوْسَطُ لِدُخُولِ الجَنَّةِ؛ فَقَدْ قَالَ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ طَيْسَلَةُ بْنُ مَيَّاسٍ لِابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا حِينَ كَانَ يَخْشَىٰ النَّارَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ :أَتُحِبُّ أَنْ تَدْخُلَ الجَنَّةَ وَتَبْتَعِدَ عَنِ النَّارِ؟ قَالَ: إِي وَاللَّهِ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَحَيٌّ وَالِدُكَ؟ قَالَ: عِنْدِي أُمِّي، فَقَالَ لَهُ كَلِمَةً تُكْتَبُ بِمَاءِ الذَّهَبِ: “فَوَاللَّهِ لَوْ أَلَنْتَ لَهَا الْكَلَامَ، وَأَطْعَمْتَهَا الطَّعَامَ، لَتَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مَا اجْتَنَبْتَ الْكَبَائِرَ”.
نَعَمْ! لِيَنْطِقْ لِسَانُكَ بِاللِّينِ، وَلْتَمْتَدَّ يَدُكَ بِالإِطْعَامِ، فَهَٰذَا هُوَ طَرِيقُ الفِرْدَوْسِ، وَقَدْ جَاءَ فِى الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: (عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتَ فَأَضِعْ ذَٰلِكَ الْبَابَ أَوِ احْفَظْهُ» رواه الترمذي.
فَمَنْ أَرَادَ جَنَّةً عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، فَبَابُهَا الأَوْسَطُ هُوَ رِضَا هَٰذَا الشَّيْخِ الكَبِيرِ وَتِلْكَ العَجُوزِ الرَّحِيمَةِ.
وَلِأَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الوَالِدَ بَابًا لِلْجَنَّةِ، فَقَدْ رَبَطَ رِضَاهُ بِرِضَاهُمَا؛ فَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ» رواه الترمذي.
فَمَنْ بَاتَ وَأَبُوهُ أَوْ أُمُّهُ سَاخِطٌ عَلَيْهِ، فَلَا يَتْعَبَنَّ فِي نَوَافِلِ الصَّلَوَاتِ حَتَّىٰ يُرْضِيَهُمَا.
وَاعْلَمُوا أَنَّ دَعْوَتَهُمَا سَهْمٌ لَا يُخْطِئُ هَدَفَهُ أَبَدًا؛ فَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَىٰ وَلَدِهِ». رواه الترمذي، وَفِي رِوَايَةٍ: «وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ». فَاجْتَهِدُوا أَنْ تَنَالُوا دَعَوَاتِ الرِّضَا الَّتِي تَفْتَحُ لَكُمُ السَّمَاءَ.
وَاحْذَرُوا – أَيُّهَا الأَبْنَاءُ – دُمُوعَ الآبَاءِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَسَلُوا اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ أَلْسِنَتَهُمْ تَلْهَجُ لَكُمْ بِالرِّضَا؛ لِأَنَّ “رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ، وَسَخَطَ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ”، فَمَنْ أَسْخَطَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، فَلَا يَتْعَبَنَّ فِي مَحَارِيبِ العِبَادَةِ؛ فَإِنَّ السَّمَاءَ غَاضِبَةٌ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَرْضَيَا.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ بِرَّ الوَالِدَيْنِ رَفْعٌ لِذِكْرِ العَبْدِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَهُوَ قَانُونٌ كَوْنِيٍّ عَدْلٌ؛ فَمَنْ بَرَّ آبَاءَهُ بَرَّهُ أَبْنَاؤُهُ، وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ.
وتَأَمَّلُوا قِصَّةَ أُوَيْسٍ القَرَنِيِّ الَّذِي لَمْ يَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ، وَلَٰكِنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ: «إِنَّ رَجُلًا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ… كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ» رواه مسلم.
فاُنْظُرُوا كَيْفَ رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ لِأَنَّهُ كَانَ بِأُمِّهِ بَرًّا!
وَاعْلَمُوا أَنَّ البِرَّ لَا يَنْقَطِعُ بِمَوْتِهِمَا؛ فَمَنْ حَفِظَ وُدَّ أَبِيهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، بِصِلَةِ أَصْدِقَائِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَىٰ لَا يُطْفِئُ نُورَهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
فَالْزَمُوا أَقْدَامَهُمْ، وَأَطِيعُوا أَمْرَهُمْ، قَبْلَ أَنْ يَرْحَلُوا عَنِ الدُّنْيَا، فَتَبْكُوا نَدَمًا عَلَىٰ أَبْوَابٍ لِلْجَنَّةِ أُغْلِقَتْ.
الدُّعَاءُ
