خطبة عن (المُهَاجِرُ المُعَاصِرُ)
يونيو 17, 2026الخطبة الأولى (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَيَّامِ لَعِبْرَةً)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (1): (3) العصر.
إخوة الإسلام
إِنَّنَا اليَوْمَ نَقِفُ مَعَ عُنْوَانٍ يُوقِظُ الغَافِلَ، وَيَفْتَحُ بَصِيرَةَ العَاقِلِ، عُنْوَانٍ يَقْرَعُ النُّفُوسَ لِتُدْرِكَ حَقِيقَةَ الوُجُودِ الَّذِي نَعِيشُهُ، إِنَّهُ: “وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَيَّامِ لَعِبْرَةً”.
فإِنَّ هَٰذِهِ الأَيَّامَ الَّتِي تَمُرُّ بِنَا، لَيْسَتْ سَاعَاتٍ دَقَّتْهَا عَقَارِبُ السَّاعَةِ الرَّقَمِيَّةِ فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ النَّامُوسُ الأَعْظَمُ الَّذِي يُدِيرُ اللَّهُ بِهِ خَلْقَهُ، وَهِيَ السِّجِلُّ الأَكْبَرُ لِمَصَائِرِ دُوَلِنَا، وَبُيُوتِنَا، وَآخِرَتِنَا، فَمَنْ فَهِمَ حِكْمَةَ الأَيَّامِ نَجَا، وَمَنْ جَهِلَهَا، طَوَتْهُ اللَّيَالِي وَهُوَ لَا يَشْعُرُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا لِتَعْلَمُوا جَلَالَ هَٰذَا الوَقْتِ، كَيْفَ أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَىٰ بِهِ، فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ العَزِيزِ؛ فَأَقْسَمَ بِالفَجْرِ، وَبِاللَّيْلِ، وَبِالنَّهَارِ، وَبِالضُّحَىٰ.
وَلَٰكِنْ يَقِفُ لَفْظُ “العَصْرِ” شَامِخًا فِي مَقَامِ البَيَانِ؛ حَيْثُ يَقُولُ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:1-2].
والعَصْرُ هُوَ الزَّمَانُ وَالدَّهْرُ، الَّذِي يَقَعُ فِيهِ عَمَلُ ابْنِ آدَمَ، فلِمَاذَا أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ؟، والجواب: لِيُبَيِّنَ لِلْبَشَرِيَّةِ أَنَّ كُلَّ نَفَسٍ يَمْضِي هُوَ نَقْصٌ مِنْ رَأْسِ مَالِكَ الحَقِيقِيِّ، وَأَنَّ جِنْسَ الإِنْسَانِ مُقْبِلٌ عَلَىٰ الخُسْرَانِ الحَتْمِيِّ، إِلَّا مَنْ شَحَنَ أَيَّامَهُ بِالأَرْكَانِ الأَرْبَعَةِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:3].
وَمِنْ أَعْظَمِ عِبَرِ الأَيَّامِ الَّتِي نَحْتَاجُ إِلَىٰ فَهْمِهَا اليَوْمَ: “قَانُونُ التَّدَاوُلِ الكَوْنِيِّ”، فإِنَّ الأَيَّامَ لَا تَثْبُتُ عَلَىٰ حَالٍ؛ فَالصَّحِيحُ يَمْرَضُ، وَالغَنِيُّ يَفْتَقِرُ، وَالعَزِيزُ قَدْ يَذِلُّ، وَالقَوِيُّ يَضْعَفُ؛ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَحْكَمِ التَّنْزِيلِ بَعْدَ غَزْوَةِ أُحُدٍ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران:140].
فاِنْظُرُوا إِلَىٰ عُمْقِ اللَّفْظِ: ﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾؛ فَلَا تَدُومُ دَوْلَةٌ لِظَالِمٍ، وَلَا يَبْقَىٰ بَلَاءٌ عَلَىٰ مُؤْمِنٍ، فالأَيَّامُ دُولٌ، تَرْفَعُ أَقْوَامًا، وَتَضَعُ آخَرِينَ، بِحِكْمَةِ العَدْلِ الإِلَهِيِّ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِنَّ هَٰذِهِ المـُدَاوَلَةَ تَسْتَوْجِبُ مِنَّا أَنْ لَا نَأْمَنَ مَكْرَ اللَّهِ، وَأَنْ لَا نَغْتَرَّ بِقُوَّةٍ عَابِرَةٍ، أَوْ مَالٍ حَاضِرٍ فكَمْ مَنْ بَيْتٍ كَانَ مِرْآةً لِلْفَرَحِ وَالنَّعِيمِ، فَدَارَتْ عَلَيْهِ دَائِرَةُ الأَيَّامِ، فَصَارَ أَثَرًا بَعْدَ عَيْنٍ!،
وَكُلُّ يَوْمٍ يَعِيشُهُ الإِنْسَانُ، هُوَ صَفْحَةٌ جَدِيدَةٌ تُكْتَبُ فِيهَا قِصَّتُهُ؛ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا» [صحيح مسلم].
والغُدُوُّ هُوَ حَرَكَةُ النَّهَارِ؛ فكُلُّنَا يَخْرُجُ إِلَىٰ أَيَّامِهِ، فَمِنَّا مَنْ يَبِيعُ نَفْسَهُ لِلَّهِ، بِالطَّاعَةِ، فَيُعْتِقُهَا مِنَ النَّارِ، وَمِنَّا مَنْ يَبِيعُهَا لِلشَّيْطَانِ، بِالغَفْلَةِ وَالمَعَاصِي، فَيُوبِقُهَا وَيُهْلِكُهَا، فَلْتَنْظُرْ – يَا عَبْدَ اللَّهِ – فِي أَيِّ سُوقٍ تَبِيعُ أَيَّامَ عُمُرِكَ الغَالِيَةِ!
أَقُولُ قَوْلِي هَٰذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَيَّامِ لَعِبْرَةً)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ النِّصْفَ الآخَرَ مِنْ فِقْهِ الأَيَّامِ، يَدْعُونَا إِلَىٰ التَّفَكُّرِ فِي “مَصَارِعِ التَّارِيخِ”؛ قال تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) (11) الانعام، وقال تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) (69) النمل، وقال تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ) (42) الروم.
فسِيرُوا فِي الأَرْضِ، وَاطْلَعُوا عَلَىٰ أَنْبَاءِ الأُمَمِ الغَابِرَةِ؛ فأَيْنَ عَادٌ الَّتِي طَغَتْ فِى البِلَادِ؟، وأَيْنَ ثَمُودُ الَّتِي جَابَتِ الصَّخْرَ بِالوَادِ؟، وأَيْنَ فِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ؟، لَقَدْ مَضَتْ عَلَيْهِمُ الأَيَّامُ، فَمَحَتْ آثَارَهُمْ، وَأَبْقَتْ أَخْبَارَهُمْ عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ؛ يَقُولُ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد:10].
إِنَّ اللَّيَالِيَ الَّتِي طَوَتْ عُرُوشَ الطُّغَاةِ، هِيَ نَفْسُ اللَّيَالِي الَّتِي تَمُرُّ بِنَا اليَوْمَ؛ فَمَنِ اسْتَعَانَ بِأَيَّامِهِ عَلَىٰ ظُلْمِ العِبَادِ، فَقَدْ جَهِلَ نَوَامِيسَ المـَلِكِ الدَّيَّانِ.
وَلِأَنَّ التَّارِيخَ لَا يَرْحَمُ الخَامِلِينَ، فَإِنَّ المـُسْلِمَ مُطَالَبٌ عَمَلِيًّا بـِ “التَّأْثِيرِ الحَضَارِيِّ” فِي أَيَّامِ عُمُرِهِ.
فلَا تَكُنْ رَقَمًا زَائِدًا فِي تَعْدَادِ البَشَرِ، ولَا تَقْضِ أَيَّامَكَ مُسْتَهْلِكًا لِلْوَقْتِ فِي التَّفَاهَاتِ، وَالجِدَالِ العَقِيمِ عَلَىٰ شَاشَاتِ الهَوَاتِفِ، بَلِ اجْعَلْ لَكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ بَصْمَةً؛ إِمَّا عِلْمٌ تَنْشُرُهُ، أَوْ خَيْرٌ تَبْذُلُهُ، أَوْ تَنْمِيَةٌ تُشِيدُهَا، أَوْ بَيْتٌ تُصْلِحُهُ، وَتُرَبِّي أَبْنَاءَهُ عَلَىٰ قِيَمِ الشَّرِيعَةِ، فاِجْعَلْ أَيَّامَكَ شَاهِدَةً لَكَ بِالبِنَاءِ لَا بِالهَدْمِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ الرَّسُولَ الكَرِيمَ ﷺ وَضَعَ لَنَا مِعْيَارًا عَمَلِيًّا، يُلَخِّصُ كَيْفَ يَكُونُ المُسْلِمُ سَيِّدًا لِأَيَّامِهِ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَىٰ هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» [صحيح البخاري مسلم].
تَدَبَّرُوا كَيْفَ تَكُونُ الغِبْطَةُ وَالتَّنَافُسُ؛ لَيْسَ فِي كَثْرَةِ الأَيَّامِ الجَافَّةِ، بَلْ فِي أَيَّامٍ تُمْلَأُ بِبَذْلِ المَالِ فِي حَقِّهِ، وَإِقَامَةِ العِلْمِ وَالعَدْلِ بَيْنَ النَّاسِ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ – يَا عِبَادَ اللَّهِ – وَاعْلَمُوا أَنَّ النَّدَمَ غَدًا -بَعْدَ رَحِيلِ الأَيَّامِ- لَنْ يُعِيدَ مِنْهَا سَاعَةً وَاحِدَةً ؛فَالحَسْرَةُ الكُبْرَىٰ يَوْمَ يَقُولُ المُفَرِّطُ: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:56]، أَوْ يَصْرُخُ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:99-100].
فَمَا دَامَتِ الأَيَّامُ مُمْكِنَةً، وَالأَنْفَاسُ جَارِيَةً، فَافْتَحُوا صَفْحَةً جَدِيدَةً مَعَ الرَّحْمَٰنِ، وَاحْفَظُوا أَوْقَاتَكُمْ، فَالخَاتِمَةُ لِلْمُتَّقِينَ.
الدُّعَاءُ
