خطبة عن (رَبُّنَا اللَّهُ.. مَا لَنَا رَبٌّ سِوَاهُ)
يوليو 23, 2026الخطبة الأولى (الـمَاءُ نِعْمَةٌ وَنَمَاءٌ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) (57) الأعراف، وقال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) (30) الأنبياء، وقال تعالى: (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) (5) الحج، وقال تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ) (68): (70) الواقعة،
وفي سنن ابن ماجه: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ «مَا هَذَا السَّرَفُ». فَقَالَ أَفِي الْوُضُوءِ إِسْرَافٌ قَالَ «نَعَمْ وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهَرٍ جَارٍ». وفي سن النسائي وغيره: (عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْهَا قَالَ «نَعَمْ». قُلْتُ فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ قَالَ «سَقْيُ الْمَاءِ».
إخوة الإسلام
يَا عُمَّارَ الأَرْضِ، وَيا طَالِبِي نِعَمِ اللهِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ، اعْلَمُوا أَنَّكُمْ فِي دَارِ ابْتِلَاءٍ وَتَفَكُّرٍ، وتُحَاطُونَ فِيهَا بِآلَاءِ اللهِ، الَّتِي لاَ تُعَدُّ وَلاَ تُحْصَى، وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ هَذِهِ النِّعَمِ جَلَالًا، وَأَكْثَرِهَا قَدْرًا، وَأَشَدِّهَا ضَرُورَةً لِقِوَامِ الحَيَاةِ: نِعْمَةَ الـمَاءِ!.
فإِنَّ الـمَاءَ هُوَ القَطْرَةُ الَّتِي يَحْيَى بِهَا الكَوْنُ، وَهُوَ السَّائِلُ الـمُبَارَكُ، الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ عَصَبَ الحَيَاةِ، وَسِرَّ الوُجُودِ!، ففي مسند أحمد: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي إِذَا رَأَيْتُكَ طَابَتْ نَفْسِي وَقَرَّتْ عَيْني فَأَنْبِئْني عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَقَالَ «كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ» وَيَقُولُ الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء:30].
فانظروا وتَأَمَّلُوا فِي هَذَا المَاءِ، الَّذِي يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ طَهُورًا، كَيْفَ يُحْيِي اللهُ بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَيَسْقِي بِهِ الخَلْقَ عَلَى اخْتِلَافِ أَلْوَانِهِمْ وَأَجْنَاسِهِمْ! قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان:48،49]، وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ [الحجر:22].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَلَمْ يَكُنِ الـمَاءُ فِي شَرِيعَةِ اللهِ وَقَدَرِهِ، مُجَرَّدَ شَرَابٍ لِلتَّرَوِّي، وَإِطْفَاءِ العَطَشِ، فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ السَّبَبُ الأَعْظَمُ لِنَبَاتِ كُلِّ شَيْءٍ، وَالـمَادَّةُ الَّتِي تَخْرُجُ بِهَا الشَّجَرُ، وَتُثْمِرُ بِهَا البَرَكَاتُ!، قَالَ تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [إبراهيم:32]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى * كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه:53،54]. فَمِنَ الـمَاءِ يَشْرَبُ الإِنْسَانُ، وَمِنْهُ يَخْرُجُ الـمَرْعَى لِلدَّوَابِّ، وَبِهِ تُكْسَى الأَرْضُ بَسَاطًا أَخْضَرَ بَهِيًّا؛ فَتَبْدُو لِلنَّاظِرِينَ فِي أَبْهَى صُورَةٍ، وَأَنْضَرِ جَمَالٍ!، قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج:63]، فَيَزْدَادُ الـمَرْءُ ابْتِهَاجًا وَسُرُورًا بِالنَّظَرِ إِلَى رَبِيعِهَا، وَحَدَائِقِهَا الغَنَّاءِ، الَّتِي وَصَفَهَا اللهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل:60].
ثُمَّ تَأَمَّلُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ، كَيْفَ جَعَلَ اللهُ الـمَاءَ شِفَاءً وَدَوَاءً لِلأَبْدَانِ بِإِذْنِهِ!، فَعَنْ أُمِّ الـمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَأَبْرِدُوهَا بِالـمَاءِ» [متفق عليه]؛ لِيَكُونَ الـمَاءُ سَبَبًا لِلصِّحَّةِ وَالعَافِيَةِ، كَمَا هُوَ سَبَبٌ لِلْحَيَاةِ وَالنَّمَاءِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ الـمَاءَ لَيْسَ جَمَادًا يُمِرُّ عَلَيْنَا غَفْلَةً، بَلْ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ دَلائِلِ وُجُودِ اللهِ، وَأَكْبَرِ شَوَاهِدِهِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَقُدْرَتِهِ!، فتَأَمَّلُوا كَيْفَ يَنْزِلُ هَذَا الـمَاءُ مِنَ السَّمَاءِ، وَكَيْفَ يَخْتَصُّ اللهُ بِهِ أَرْضًا دُونَ أَرْضٍ، وَتَفَكَّرُوا فِي خُرُوجِهِ مِنْ بَاطِنِ الأَرْضِ الوَاحِدَةِ؛ فَتَجِدُ هَذِهِ العَيْنَ مَاءً عَذْبًا فُرَاتًا، سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ، وَتَجِدُ تِلْكَ العَيْنَ مَاءً مِلْحًا أُجَاجًا، كما تسقى الأرض بماء واحد، وتختلف في الأكل، قال تعالى: (يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (4) الرعد، أَلَيْسَ فِي ذَلِكَ أَعْظَمُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الخَالِقَ الـمُدَبِّرَ هُوَ اللهُ الوَاحِدُ الأَحَدُ؟!.
فلَقَدْ أَوْجَدَ اللهُ هَذَا الـمَاءَ، وَامْتَنَّ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَدَعَاهُمْ لِلتَّفَكُّرِ فِي إِنْزَالِهِ وَتَكْوِينِهِ، وَعَظِيمِ خَلْقِهِ، فَقَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة:68-70].
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَاعْرِفُوا لِهَذِهِ النِّعْمَةِ قَدْرَهَا، وَاشْكُرُوا المُنْعِمَ عَلَيْهَا بِالقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالجَوَارِحِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (الـمَاءُ نِعْمَةٌ وَنَمَاءٌ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ هَذِهِ النِّعْمَةَ العَظِيمَةَ- نِعْمَةَ المَاءِ- الَّتِي بِهَا جَعَلَ اللهُ حَيَاةَ كُلِّ حَيٍّ، سَتُسْأَلُونَ عَنْهَا يَوْمَ
القِيَامَةِ؛ فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:8].
وَلِأَهَمِّيَّةِ المَاءِ وَضَرُورَتِهِ القُصْوَى لِلْحَيَاةِ، وَقَفَتِ الشَّرِيعَةُ الإِسْلَامِيَّةُ العَظِيمَةُ مَوْقِفًا حَازِمًا ضِدَّ الإِسْرَافِ فِي اسْتِهْلَاكِهِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي أُغْرَاضِ الشُّرْبِ، أَوْ فِي الزِّرَاعَةِ، أَوْ فِي الصِّنَاعَةِ، بَلْ حَتَّى فِي مَجَالِ العِبَادَاتِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِلقَاءِ اللهِ!
فإِنَّ الإِسْلَامَ يَدْعُو إِلَى المُحَافَظَةِ التَّامَّةِ عَلَى المَاءِ وَعَدَمِ التَّبْذِيرِ فِيهِ؛ يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ» [رواه النسائي وابن ماجه].
وتَأَمَّلُوا كَيْفَ نَهَى النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عَنِ الإِسْرَافِ فِي اسْتِعْمَالِ المَاءِ، حَتَّى فِي حَالِ الوُضُوءِ، الَّذِي هُوَ شَرْطُ الصَّلَاةِ!، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: ( أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا هَذَا الإِسْرَافُ؟»، فَقَالَ سَعْدٌ مُسْتَفْهِمًا: أَفِي الوُضُوءِ إِسْرَافٌ؟ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ» [أخرجه ابن ماجه].
وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَتَوَضَّأُ بِالمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ، إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ» [رواه مسلم].
فَالإِسْرَافُ يَتَحَقَّقُ بِاسْتِعْمَالِ المَاءِ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ، كَأَنْ يَزِيدَ المَرْءُ فِي غَسْلِ أَعْضَاءِ الوُضُوءِ، أَوْ الغُسْلِ عَلَى الثَّلَاثِ؛ وَلِهَذَا اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي غَسْلِ أَعْضَاءِ الوُضُوءِ عَلَى ثَلَاثِ مَرَّاتٍ المَكْرُوهَةُ، وَأَنَّهَا إِسْرَافٌ وَتَعَدٍّ فِي اسْتِعْمَالِ المَاءِ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ
ولَمْ يَقِتَصِرِ الإِسْلَامُ عَلَى المَنِعِ مِنَ الإِسْرَافِ فَحَسْبُ، بَلْ أَرْسَى (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَعْظَمَ قَوَاعِدِ الطِّبِّ الوِقَائِيِّ حِمَايَةً لِلنَّفْسِ وَحِمَايَةً لِلْبِيئَةِ، وَخَاصَّةً المَاءَ الَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ المَخْلُوقَاتُ !، فَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عَنِ التَّبَوُّلِ فِي المَاءِ الرَّاكِدِ، فَقَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الرَّاكِدِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» [رواه البخاري عن جابر].
وَمِنَ المَعْلُومِ طِبِّيًّا اليَوْمَ: أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَمْرَاضِ الفَتَّاكَةِ- كَالكُولِيرَا وَالبِلْهَارْسِيَا وغيرها-تَنْتَشِرُ وَتَنْتَقِلُ بِسَبَبِ الِاسْتِحْمَامِ فِي المَاءِ الرَّاكِدِ، الَّذِي تُصَبُّ فِيهِ الفَضَلَاتُ!. لذا نَهَى (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) (أَنْ يُبَالَ فِي المَاءِ الجَارِي) [رواه الطبراني]؛ وذلك حِفْظًا لِنَظَافَةِ المَاءِ، وَمَنَعًا لِانْتِقَالِ الطُفَيْلِيَّاتِ وَالمَكْرُوبَاتِ، الَّتِي تَلُوثُ المَالِيَاتِ وَالأَنْهَارَ.
وَدَعَا (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إِلَى أَنْ يَتَحَرَّى المُسْلِمُ فِطْرَتَهُ وَنَظَافَتَهُ فِي قَضَاءِ حَاجَتِهِ فِي الأَمَاكِنِ المَعْزُولَةِ، حَتَّى تَسْتَقِرَّ الفَضَلَاتُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ، فَلَا يَتَلَوَّثَ بِهَا مَاءٌ، وَلَا يَتَنَجَّسَ بِهَا طَرِيقٌ؛ فَقَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «اتَّقُوا المَلَاعِنَ الثَّلَاثَ: البِرَازَ فِي المَوَارِدِ، وَفِي الظِّلِّ، وَفِي طَرِيقِ النَّاسِ» [رواه أبو داود]. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «نَهَى أَنْ يَتَخَلَّى الرَّجُلُ تَحْتَ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ، وَنَهَى أَنْ يَتَخَلَّى عَلَى ضَفَّةِ نَهْرٍ جَارٍ» [رواه الطبراني].
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَكُونُوا أُمَنَاءَ عَلَى نِعَمِ اللهِ، وَاحْفَظُوا ثَرْوَةَ المَاءِ مِنَ الإِسْرَافِ وَالتَّلْوِيثِ، يَدُمْ لَكُمُ النَّمَاءُ، وَتَسْلَمْ لَكُمُ الحَيَاةُ.
[الدُّعَاءُ]
