خطبة عن (وَسَائِلُ الْقُرْبِ مِنَ اللهِ)
يوليو 18, 2026الخطبة الأولى (الْمُفْلِسُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
روى مسلم في صحيحه: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ». قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ. فَقَالَ «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ».
إخوة الإسلام
يقول اللَّهُ تَعَالَىٰ: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:49]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران:30].
فتعالوا نَقِفُ اليَوْمَ مَعَ مَشْهَدٍ مِنْ أَعْظَمِ مَشَاهِدِ يوم القيامة، مشاهد المـُكَاشَفَةِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي تَبْنِي البَصِيرَةَ، وَتُعِيدُ وَضْعَ المـَوَازِينِ فِي مَكَانِهَا الصَّحِيحِ؛ فلَقَدْ كَانَ الرسول ﷺ مِنْ هَدْيِهِ أَنْ يَطْرَحَ السُّؤَالَ عَلَىٰ أَصْحَابِهِ، لِيَشْحَذَ عُقُولَهُمْ، وَيَفْتَحَ خَزَائِنَ انْتِبَاهِهِمْ، ثُمَّ يَسْتَمِعَ إِلَىٰ إِجَابَتِهِمْ المـَبْنِيَّةِ عَلَىٰ فَهْمِ الدُّنْيَا الزَّائِلَةِ، لِيَنْقُلَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَىٰ المـَقْصَدِ الأَسْمَىٰ، وَالحَقِيقَةِ الأَبَدِيَّةِ، المـَقْضِيَّةِ فِي الآخِرَةِ، الَّتِي غَفِلَ عَنْهَا كَثِيرٌ مِنَ العِبَادِ.
لَقَدْ أَجَابَ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ بِفِطْرَتِهِمْ الِاقْتِصَادِيَّةِ المـَعْرُوفَةِ: “الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ!”، وَهَذَا هُوَ مِفْلِسُ السُّوقِ، الَّذِي ضَاعَتْ تِجَارَتُهُ، أَوْ فَنِيَ مَالُهُ فِى كَارِثَةٍ مَادِّيَّةٍ؛
فَبَيَّنَ لَهُمْ النبي ﷺ أَنَّ مِفْلِسَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ بِكَثِيرٍ، وَخَسَارَتُهُ ضَحْلَةٌ، لِأَنَّ خَسَارَتَهُ فِى دَارٍ فَانِيَةٍ ،يُمْكِنُ تَعْوِيضُهَا بِالكَدِّ، وَالعَرَقِ، وَعِمَارَةِ الأَرْضِ مِنْ جَدِيدٍ،
أَمَّا الخَسَارَةُ المـُرْعِبَةُ الحَقِيقِيَّةُ: فَهِيَ خَسَارَةُ مِفْلِسِ الآخِرَةِ، الَّذِي لَا تَعْوِيضَ لَهُ بَعْدَ إِغْلَاقِ صَحَائِفِ العَمَلِ، وَهَجْرِ المـَحَارِيبِ.
وتَدَبَّرُوا- أَيُّهَا المُسْلِمُونَ- صِفَاتِ هَذَا الرَّجُلِ، الَّذِي عَرَضَهُ لَنَا الوَحْيُ؛ إِنَّهُ لَيْسَ كَافِرًا، وَلَا مُلْحِدًا، وَلَا جَاحِدًا لِلشَّرِيعَةِ، بَلْ هُوَ رَجُلٌ (مُوَحِّدٌ) سَارَ فِي طَرِيقِ أُمَّةِ الإِسْلَامِ، وَأَدَّىٰ العِبَادَاتِ التَّعَبُّدِيَّةَ بِإِتْقَانٍ ظَاهِرٍ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ؛ فَقَدْ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِجِبَالٍ تَنُوءُ بِهَا العُصْبَةُ أُولُو القُوَّةِ مِنَ الحَسَنَاتِ: ﴿بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ﴾!،
وَلَٰكِنَّ فَجِيعَتَهُ الكُبْرَىٰ، وَقَاصِمَةَ ظَهْرِهِ الَّتِي لَمْ يَحْسِبْ لَهَا حِسَابًا، أَنَّهُ فِي المُقَابِلِ أَسْرَفَ عَلَىٰ نَفْسِهِ فِي الذُّنُوبِ وَالمـَعَاصِي الِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا، أَوْ يَتَحَلَّلْ مِنْ حُقُوقِ العِبَادِ فِي الدُّنْيَا!، فَمَا الَّذِي أَهْلَكَ جِبَالَ صَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ؟؟؟.
إِنَّ المـُلَاحَظَ الدَّقِيقَ لِذُنُوبِ هذا الرجل، والَّتِي عَدَّدَهَا النَّبِيُّ ﷺ، يَجِدُهَا كُلَّهَا مُتَعَلِّقَةً بِتَعَامُلِهِ مَعَ الآخَرِينَ؛ فَقَدْ ﴿شَتَمَ هَٰذَا﴾: بِأَنْ أَطْلَقَ لِسَانَهُ فِي سَبِّ النَّاسِ، وَإِهَانَتِهِمْ فِي المـَجَالِسِ.
﴿وَقَذَفَ هَٰذَا﴾: بِأَنْ رَمَىٰ العَفِيفَاتِ وَالأَبْرَارَ بِالفَوَاحِشِ، عَبْرَ الشَّاشَاتِ، أَوْ فِي لَحَظَاتِ الخُصُومَةِ الطَّائِشَةِ.
﴿وَأَكَلَ مَالَ هَٰذَا﴾: بِالمـَطْلِ، وَالـخِدَاعِ، وَالـغَشِّ فِي التِّجَارَاتِ، وَأَكْلِ حُقُوقِ العُمَّالِ وَالأَرَامِلِ.
﴿وَسَفَكَ دَمَ هَٰذَا﴾: بِالِاعْتِدَاءِ العَنِيفِ، الَّذِي اسْتَبَاحَ فِيهِ دِمَاءَ المُسْلِمِينَ المـَعْصُومَةَ.
﴿وَضَرَبَ هَٰذَا﴾: بِالبَغْيِ وَالطُّغْيَانِ البَدَنِيِّ، مُسْتَغِلًّا قُوَّتَهُ أَوْ مَنْصِبَهُ!
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
واُنْظُرُوا إِلَىٰ هَذَا التَّنَاقُضِ السُّلُوكِيِّ الخَطِيرِ؛ لَقَدْ أَدَّىٰ هذا الرجل الموحد العِبَادَاتِ التَّعَبُّدِيَّةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، وَلَٰكِنَّهُ فَشِلَ فَشَلًا ذَرِيعًا فِي العِبَادَاتِ التَّعَامُلِيَّةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ مَعَ خَلْقِ اللَّهِ!، فلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الدِّينَ مُعَامَلَةٌ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي لَا تَنْهَىٰ عَنِ الفَحْشَاءِ وَالبَغْيِ هِيَ صَلَاةٌ جَافَّةٌ بِلَا
رُوحٍ.
فَكَانَتِ المـَحْكَمَةُ الإِلَهِيَّةُ قَاطِعَةً؛ حَيْثُ يَقِفُ المـَظْلُومُونَ طَوَابِيرَ، لِيَأْخُذُوا حُقُوقَهُمْ، وَبِمَا أَنَّ الآخِرَةَ (لَا دِينَارَ فِيهَا وَلَا دِرْهَمَ)، فَالْقِصَاصُ بِالعُمْلَةِ الوَحِيدَةِ البَاقِيَةِ: ﴿فَيُعْطَىٰ هَٰذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَٰذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ﴾!، فتَتَآكَلُ جِبَالُ صَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ أَمَامَ عينيه، وَهُوَ يَنْظُرُ مَذْعُورًا، فَإِذَا نَفِدَتْ حَسَنَاتُهُ كُلُّهَا، قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ دُيُونَ المـَظْلُومِينَ، الَّذِينَ طَالَبُوهُ بِالعَدْلِ، أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ الـمَظْلُومِينَ وَخَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَتْ عَلَىٰ ظَهْرِهِ الحَقِيرِ، ثُمَّ سِيقَ مَخْذُولًا مَطْرُوحًا فِي سَعِيرِ جَهَنَّمَ بِمَا كَسَبَتْ يَدَاهُ!
فَهَذَا هُوَ الفَشَلُ الأَكْبَرُ؛ فَمَا بَالُ أَقْوَامٍ مِنَّا اليَوْمَ يَرْكَعُونَ فِي المـَسَاجِدِ، فَإِذَا خَرَجُوا إِلَىٰ الأَسْوَاقِ أَكَلُوا أَمْوَالَ النَّاسِ بِالبَاطِلِ، وَشَتَمُوا هَذَا، وَقَذَفُوا ذَاكَ؟!،
فاحْذَرُوا -يَا بَنِي الإِسْلَامِ- هَذِهِ المـَصْيَدَةَ، وَصُونُوا جَوَارِحَكُمْ قَبْلَ يَوْمِ التَّغَابُنِ الكَبِيرِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَٰذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: (الْمُفْلِسُ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَىٰ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:47]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:31]. وَفِي صَحِيحِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
أما عن “وَسَائِلِ النَّجَاةِ، وَمَنَاهِجِ الخَلَاصِ” الَّتِي يُمْكِنُ لِلْمُسْلِمِ مِنْ خِلَالِهَا أَنْ يُصَحِّحَ أَخْطَاءَهُ فِي عِبَادَاتِهِ التَّعَامُلِيَّةِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ مَلَكُ المـَوْتِ وَهُوَ مُحَمَّلٌ بِمَظَالِمِ العِبَادِ، فإِنَّ الشَّرِيعَةَ الإِسْلَامِيَّةَ لَمْ تَتْرُكِ العَبْدَ المـُقَصِّرَ فِي حَيْرَةٍ، بَلْ وَضَعَتْ لَهُ خُطَّةَ عَمَلٍ وَاقِعِيَّةً صَارِمَةً، لِلتَّكْفِيرِ عَنْ ذُنُوبِهِ الَّتِي ارْتَكَبَهَا فِي حَقِّ الآخِرِينَ، تَبَعًا لِطَبِيعَةِ كُلِّ مَظْلَمَةٍ.
فَالسؤال: كَيْفَ يَتَصَرَّفُ المُسْلِمُ اليَوْمَ، لِيُنْقِذَ حَسَنَاتِهِ؟، فنقول: فِي مَظْلَمَةِ مَنْ أَكَلَ مَالَهُ: لَا تُقْبَلُ التَّوْبَةُ فِي الأَمْوَالِ بِالبُكَاءِ، وَالِاسْتِغْفَارِ فَقَطْ، بَلِ الوَاجِبُ الصَّارِمُ هُوَ رَدُّ المـَظَالِمِ إِلَىٰ أَهْلِهَا؛ فَيُعِيدُ المـَالَ لِصَاحِبِهِ، أَوْ يَطْلُبُ مِنْهُ العَفْوَ وَالمـُسَامَحَةَ الصَّرِيحَةَ.
فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ المـَالِ قَدْ مَاتَ، دَفَعَ المـَالَ إِلَىٰ وَرَثَتِهِ، فَإِنْ جَهِلَهُمْ وَلَمْ يَجِدْ لَهُمْ أَثَرًا، تَصَدَّقَ بِالمـَالِ بِنِيَّةِ صَاحِبِهِ لِيَبْرَأَ رَصِيدُهُ فِي الآخِرَةِ.
وفِي مَظْلَمَةِ مَنْ شَتَمَهُ أَوْ قَذَفَهُ أَوْ اغْتَابَهُ: فإِنْ كَانَ تَعْذِيرُهُ وَاعْتِذَارُهُ لَهُ يُصْلِحُ الأَمْرَ، دُونَ أَنْ يُورِثَ مَفْسَدَةً أَكْبَرَ، فَلْيَذْهَبْ إِلَيْهِ وَلْيَقُلْ: “يَا أَخِي، سَامِحْنِي، فَقَدْ زَلَّ لِسَانِي فِيكَ”.
أَمَّا إِذَا كَانَ ذِكْرُ المـَظْلَمَةِ لَهُ سَيُفَجِّرُ خُصُومَةً جَدِيدَةً، أَوْ يَقْطَعُ الرَّحِمَ، فَالْوَاجِبُ هُنَا هُوَ: أَنْ يَذْكُرَهُ بِالخَيْرِ وَالثَّنَاءِ فِي المـَجَالِسِ الَّتِي شَتَمَهُ فِيهَا، وَأَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ بِظَهْرِ الغَيْبِ بِإِلْحَاحٍ، حَتَّىٰ يَرَىٰ أَنَّهُ قَدْ أَدَّىٰ حَقَّهُ.
وأما فِي مَظْلَمَةِ مَنْ ضَرَبَهُ أَوْ سَفَكَ دَمَهُ: فالوَاجِبُ هُوَ طَلَبُ القِصَاصِ، أَوْ الدِّيَةِ، أَوْ العَفْوِ؛ فَيُمَكِّنُ مَنْ ضَرَبَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ بَدَنِيًّا، أَوْ يَرْضَىٰ بِالمـُصَالَحَةِ المـَالِيَّةِ، مَعَ الِانْكِسَارِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَىٰ، تَوْبَةً مِنْ هَذِهِ الكَبِيرَةِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
عاهدوا الله اليَوْمَ أنكم قَدْ عَزَمْتُمْ عَلَىٰ غَسْلِ صَحَائِفِكُمْ؛ واِجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ وَصِيَامَكُمْ مَحْفُوظَةً بِسِيَاجِ الأَخْلَاقِ، وَاحْذَرُوا أَنْ تَكُونُوا عِبَادًا فِي المـَسَاجِدِ، ذِئَابًا فِي الأَسْوَاقِ!
نَادُوا أَهْلَ الحُقُوقِ، وَتَحَلَّلُوا مِنْهُمْ اليَوْمَ فِي دَارِ العَمَلِ، قَبْلَ أَنْ تَقِفُوا فِي دَارِ القِصَاصِ العَادِلِ، حَيْثُ تُسْحَبُ الحَسَنَاتُ، وَتُطْرَحُ السَّيِّئَاتُ.
واسْتَقِيمُوا عَلَىٰ شَرِيعَةِ اللَّهِ تَعَالَىٰ، وَاشْكُرُوا نِعَمَهُ، تَنَالُوا مَقَامَ العِزَّةِ وَالفَوْزِ بِرِضْوَانِهِ.
الدُّعَاءُ
