خطبة عن (سَبِيلُ السَّالِكِينَ وَدَلِيلُ الْـحَائِرِينَ)
يوليو 12, 2026الخطبة الأولى (التَّفَكُّرِ فِي آيَاتِ اللَّهِ المـَسْطُورَةِ وَالمـَنْظُورَةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (9) مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (10) هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (11) اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) الجاثية: (3): (13)،
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ بَاتَ عِنْدَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَخَرَجَ فَنَظَرَ فِي السَّمَاءِ ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةَ فِي آلِ عِمْرَانَ (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) حَتَّى بَلَغَ (فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَيْتِ فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى ثُمَّ اضْطَجَعَ ثُمَّ قَامَ فَخَرَجَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَتَلاَ هَذِهِ الآيَةَ ثُمَّ رَجَعَ فَتَسَوَّكَ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى)، وفي صحيح ابن حبان: (لقد نزلت علي الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها (إن في خلق السماوات والأرض) الآية كلها).
إخوة الإسلام
إن (التَّفَكُّرِ فِي آيَاتِ اللَّهِ المـَسْطُورَةِ وَالمـَنْظُورَةِ) من أُسس العَقِيدَةِ، وَهو أَقْوَىٰ سِلَاحٍ لِتَجْدِيدِ الإِيمَانِ، وَرَبْطِ الخَلْقِ بِالخَالِقِ سُبْحَانَهُ، فاللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ لَمْ يَخْلُقْ هَٰذَا الكَوْنَ هَمَلًا، وَلَا تَرَكَ البَشَرِيَّةَ تَتَخَبَّطُ فِي لَيْلِ الحَيْرَةِ بِلَا دَلِيلٍ؛ بَلْ نَصَبَ لَهُمْ فِي الوُجُودِ مَحَاكِمَ لِلْعَقْلِ، وَمَنَارَاتٍ لِلْبَصِيرَةِ.
وَإِنَّ لِلَّهِ تَعَالَىٰ فِي خَلْقِهِ آيَاتَيْنِ كَبِيرَتَيْنِ: آيَاتٌ مَسْطُورَةٌ: تَقْرَأُهَا الأَلْسُنُ، وَتَسْمَعُهَا الآذَانُ، وَهِيَ آيَاتُ القُرْآنِ الكَرِيمِ، وَآيَاتٌ مَنْظُورَةٌ: تَشْهَدُهَا الأَبْصَارُ، وَتَتَفَكَّرُ فِيهَا العُقُولُ، وَهِيَ
السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَا بَيْنَهُمَا.
وَإِنَّ الرَّبْطَ بَيْنَ المـَسْطُورِ، وَالمـَنْظُورِ، هُوَ الطَّرِيقُ الأَقْصَرُ لِإِحْيَاءِ القُلُوبِ، الَّتِي أَبْلَاهَا إِلْفُ العَادَةِ، وَأَعْقَدَهَا جُمُودُ المَادَّةِ،
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ الكَلَامَ اليَوْمَ لَيْسَ عَنْ حُرُوفِ التَّفْسِيرِ، بَلْ عَنْ رُوحِ التَّدَبُّرِ؛ ولَيْسَ عَنْ عَدَدِ لَفْظِ الآيَاتِ، بَلْ عَنْ مَوْضُوعِ تِلْكَ الآيَاتِ، الَّتِي بَثَّهَا الخَالِقُ فِي أَرْجَاءِ الوُجُودِ، لِتَكُونَ صَعْقَةً لِلْغَفْلَةِ البَشَرِيَّةِ، وَمِيلَادًا جَدِيدًا لِلْإِجْلَالِ وَالتَّعْظِيمِ فِي قُلُوبِنَا.
إِنَّ عِلَّةَ العِلَلِ فِي زَمَنِنَا هِيَ: أَنَّ الإِنْسَانَ أُصِيبَ بِمَرَضِ “إِلْفِ العَادَةِ“؛ فَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ كُلَّ يَوْمٍ، فَلَا نَتَأَثَّرُ، وَنَرْكَبُ البِحَارَ، فَلَا نَخْشَعُ، وَنَتَنَفَّسُ الهَوَاءَ، فَلَا نَشْكُرُ، لِأَنَّ الحَوَاسَّ بَلِدَتْ، وَالقُلُوبَ غَلَّفَتْهَا المَادِّيَّاتُ الجَافَّةُ؛ فَجَاءَ هَذَا النِّدَاءُ القُرْآنِيُّ، لِيَفُتَّ هَذَا الجُمُودَ ،وَيُعِيدَ صِيَاغَةَ بَصِيرَتِنَا.
فتَأَمَّلُوا فِي آيَةِ ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لِنَرَىٰ صِفَاتِ الجَلَالِ وَالرَّفْعَةِ؛ هَذِهِ السَّمَاءُ المـُرْتَفِعَةُ، بِهَذَا الحَجْمِ العِمْلَاقِ، الَّذِي لَا تُدْرِكُ الأَبْصَارُ أَبْعَادَهُ، وهي مَبْنِيَّةٌ بِقُوَّةٍ، وَمَرْفُوعَةٌ بِلَا أَعْمِدَةٍ تَرَوْنَهَا!، فمَنْ أَمْسَكَهَا أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ، إِلَّا رَحْمَتُهُ وَقُدْرَتُهُ؟
واِنْظُرُوا إِلَىٰ نِظَامِ المـَجَرَّاتِ، وَالنُّجُومِ، كُلُّ نَجْمٍ يَسِيرُ فِي مَدَارِهِ المـَحْسُوبِ بِأَجْزَاءِ الثَّانِيَةِ، لَا يَصْطَدِمُ كَوْكَبٌ بِآخَرَ، وَلَا يَخْتَلُّ مِيزَانُ الجَاذِبِيَّةِ المـُطْلَقِ، أَلَيْسَ هَذَا دَلِيلًا قَاطِعًا عَلَىٰ عِلْمِ اللَّهِ الـمُحِيطِ، وَحِكْمَتِهِ البَالِغَةِ، الَّتِي لَا يَعْزُبُ عَنْهَا مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ؟
ثُمَّ انْزِلُوا مِنْ رَحَابِ السَّمَاءِ إِلَىٰ مِحْرَابِ أَنْفُسِكُمْ: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾، ففِي الجَسَدِ البَشَرِيِّ خَزَائِن مِنْ دَلَائِلِ القُدْرَةِ، تَذْهَلُ عَنْهَا العُقُولُ:
فاِنْظُرْ إِلَىٰ العَيْنِ، وَكَيْفَ تُبْصِرُ، وإِلَىٰ الأُذُنِ، وَكَيْفَ تَعْزِلُ الأَصْوَاتَ، وإِلَىٰ القَلْبِ، ذَلِكَ المـُحَرِّكِ الصَّغِيرِ الَّذِي يَنْبِضُ فِي العُمُرِ المـَلَايِينَ مِنَ النَّبَضَاتِ، دُونَ تَعَبٍ، وَلَا صِيَانَةٍ بَشَرِيَّةٍ!، فمَنْ غَذَّاهُ؟، ومَنْ أَمَرَهُ بِالحَرَكَةِ فِي بَطْنِ الأُمِّ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَىٰ نُورِ الدُّنْيَا؟، فإِنَّ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ نُطْفَةٍ مَذْرُورَةٍ، ثُمَّ تَحْوِيلَهُ إِلَىٰ كَائِنٍ عَاقِلٍ مُتَكَلِّمٍ، هُوَ أَعْظَمُ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلَىٰ أَنَّ الخَالِقَ كَامِلُ الصِّفَاتِ، بَدِيعُ الصَّنْعِ، لَا يُعْجِزُهُ بَعْثٌ وَلَا نُشُورٌ.
وَاِنْظُرُوا إِلَىٰ مَا بَثَّ اللَّهُ فِي الأَرْضِ مِنْ ﴿دَابَّةٍ﴾؛ مِنَ الفِيلِ الجَسِيمِ، إِلَىٰ النَّمْلَةِ الضَّئِيلَةِ، إِلَىٰ الكَائِنَاتِ المـَجْهَرِيَّةِ، الَّتِي لَا تُرَىٰ بِالعَيْنِ المـُجَرَّدَةِ، فكُلُّ دَابَّةٍ خُلِقَتْ بِتَرْكِيبٍ يَتَنَاسَبُ مَعَ بِيئَتِهَا؛ فهَذَا طَائِرٌ يَشُقُّ الهَوَاءَ بِجَنَاحَيْهِ خَفِيفًا، وَهَذَا حُوتٌ يَغُوصُ فِي أَعْمَاقِ المُحِيطَاتِ المـُظْلِمَةِ تَحْتَ ضَغْطٍ يَسْحَقُ الحَدِيدَ، وَلَكِنَّهُ يَعِيشُ وَيَتَنَفَّسُ وَيَجِدُ رِزْقَهُ!، فمَنْ أَلْهَمَهَا سُبُلَ حَيَاتِهَا؟، ومَنْ سَاقَ لَهَا أَقْوَاتَهَا فِي جَوْفِ المـَاءِ، وَتَحْتَ صُخُورِ الجِبَالِ؟، إِنَّهُ اللَّهُ؛ الحَيُّ، القَيُّومُ، الرَّزَّاقُ، ذُو القُوَّةِ المـَتِينُ، الَّذِي تَجَلَّتْ صِفَاتُ جَمَالِهِ فِي تَنَوُّعِ خَلْقِهِ، وَصِفَاتُ كَمَالِهِ فِي رِعَايَةِ ضُعَفَاءِ كَائِنَاتِهِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ هَذَا التَّفَكُّرَ الحَيَّ، هُوَ الَّذِي يَقُودُ النَّفْسَ قَوْدًا إِلَىٰ إِجْلَالِ الرَّبِّ؛ فَتَسْقُطُ كِبْرِيَاءُ الإِنْسَانِ، عِنْدَمَا يَرَىٰ صِغَرَ حَجْمِهِ فِي هَذَا المـَلَكُوتِ الأَعْظَمِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ الخُضُوعَ لِهَذَا الإِلَهِ العَظِيمِ هُوَ الشَّرَفُ الأَسْمَىٰ، وَأَنَّ طَاعَتهُ هِيَ سَبِيلُ النَّجَاةِ، وَالسَّيْرَ فِي طَرِيقِ رَسُولِهِ ﷺ هُوَ الفَوْزُ بِالنَّعِيمِ الخَالِدِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَٰذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ (التَّفَكُّرِ فِي آيَاتِ اللَّهِ المـَسْطُورَةِ وَالمـَنْظُورَةِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
ويقول اللَّهُ تَعَالَىٰ: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الجاثية:5].
فتَعَالَوْا بِنَا لِنَنْظُرَ فِي مَعَانِي الآيَاتِ لَا فِي حُرُوفِهَا؛ اُنْظُرُوا إِلَىٰ نَامُوسِ ﴿اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ كَيْفَ يَتَقَلَّبُ الزَّمَانُ لِصَالِحِ الإِنْسَانِ؛ لَيْلٌ يَسْكُنُ فِيهِ الجَسَدُ المـُتْعَبُ، وَتَهْدَأُ فِيهِ الأَرْوَاحُ عَنْ كَدِّ الحَيَاةِ، وَنَهَارٌ تَنْطَلِقُ فِيهِ الهِمَمُ، لِبِنَاءِ مَعَاشِ العِبَادِ.
وَتَأَمَّلُوا هَذِهِ الحَرَكَةَ المـَنَاخِيَّةَ الـمُعْجِزَةَ: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾؛ كَيْفَ تُصَرَّفُ الرِّيَاحُ لَوَاقِحَ لِلشَّجَرِ، وَمُحَرِّكَةً لِلسُّحُبِ المـَشْحُونَةِ بِأَطْنَانِ المـَاءِ، لِتَسُوقَهَا القُدْرَةُ الإِلَهِيَّةُ إِلَىٰ أَرْضٍ مَيْتَةٍ جَادِبَةٍ، فَيَنْزِلُ المـَطَرُ الَّذِي سَمَّاهُ اللَّهُ ﴿رِزْقًا﴾، فَتَهْتَزُّ الأَرْضُ وَتَخْضَرُّ، وَتُخْرِجُ أَقْوَاتَ البَشَرِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ تُرَابًا هَامِدًا!، أَلَيْسَ هَذَا التَّسْخِيرُ المـُطْلَقُ لِلْمَلَكُوتِ، كَمَا جَاءَ فِي خِتَامِ الآيَاتِ: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾، أَلَيْسَ هَذَا دَلِيلًا عَلَىٰ أَنَّ هَذَا الإِنْسَانَ هُوَ المـُكَرَّمُ الأَعْظَمُ عِنْدَ رَبِّهِ؟، والكَوْنُ كُلُّهُ يَخْدِمُكَ بِأَمْرِ اللَّهِ؛ الشَّمْسُ، وَالقَمَرُ، وَالبَحْرُ، وَالرِّيَاحُ، وَالـمَطَرُ؛ فَهَلْ يُقَابَلُ هَذَا التَّسْخِيرُ الإِلَهِيُّ بِالِاسْتِكْبَارِ وَالعِصْيَانِ؟!
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ التَّفَكُّرَ وَالتَّدَبُّرَ فِي هَٰذِهِ العَظَمَةِ الِانْسِيَابِيَّةِ، هُوَ الَّذِي يَهْدِينَا لِلْإِيمَانِ الحَقِيقِيِّ بِاللَّهِ، الَّذِي أَوْجَدَ هَٰذِهِ الآيَاتِ مِنَ العَدَمِ.
وَالإِيمَانُ الصَّادِقُ بِهِ سُبْحَانَهُ لَيْسَ مَعْرِفَةً جَافَّةً، بَلْ هُوَ شَحْنَةٌ رُوحِيَّةٌ تَدْعُونَا إِلَىٰ طَاعَتِهِ، وَاتِّبَاعِ رَسُولِهِ ﷺ، وَالسِّيرِ فِي طَرِيقِهِ المـُسْتَقِيمِ، لِنَنَالَ المَقْصَدَ الأَسْمَىٰ: الفَوْزَ بِالْجَنَّةِ، وَالنَّجَاةَ مِنَ النَّارِ.
ومِنْ هُنَا نُدْرِكُ شُؤْمَ وَخُطُورَةَ مَنْ يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ المـَسْطُورَةَ فِي القُرْآنِ، وَيَرَىٰ آيَاتِهِ المـَنْظُورَةَ فِي الكَوْنِ، ثُمَّ يَمُرُّ عَلَيْهَا مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا، أَوْ يَتَّخِذُهَا هُزُوًا وَسُخْرِيَةً؛ فَهَذَا هُوَ الأَفَّاكُ الأَثِيمُ، الَّذِي تُوعِّدَهُ اللَّهُ بِالعَذَابِ الأَلِيمِ وَالمـُهِينِ فِي جَهَنَّمَ، حَيْثُ لَا تُغْنِي عَنْهُ أَمْوَالُهُ، وَلَا قُوَّتُهُ، وَلَا عِلْمُهُ المـَادِّيُّ شَيْئًا.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِنَّ هَٰذِهِ الآيَاتِ الجَلِيلَةَ تَهْدِينَا عَمَلِيًّا إِلَىٰ أَنْ نَنْفَضَّ عَنِ العَشْوَائِيَّةِ وَالغَفْلَةِ؛ فَالـمُسْلِمُ العاقل لَا يَمُرُّ عَلَىٰ البَحْرِ، أَوْ رُؤْيَةِ السَّمَاءِ، أَوْ تَقَلُّبِ الفُصُولِ، مُرُورَ العَابِرِينَ، بَلْ يَرَىٰ فِيهَا صِفَاتِ الجَلَالِ، وَالكَمَالِ، وَالجَمَالِ لِرَبِّ العَالَمِينَ، يَرَىٰ فِيهَا قُدْرَتَهُ الَّتِي لَا يُعْجِزُهَا شَيْءٌ، وَعِلْمَهُ الَّذِي أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ، وَحِكْمَتَهُ الَّتِي وَضَعَتْ كُلَّ مِقْدَارٍ فِي مَوْضِعِهِ.
فَاحْمِلُوا هَٰذَا اليَقِينَ إِلَىٰ بُيُوتِكُمْ، وَعَلِّمُوا أَوْلَادَكُمْ أَنْ يَقْرَؤُوا صَنْعَةَ اللَّهِ فِي الطَّبِيعَةِ كَمَا يَقْرَؤُونَهَا فِي مُصْحَفِهِمْ، لِتَكُونَ حَيَاتُنَا كُلُّهَا سُجُودًا لِعَظَمَةِ الخَالِقِ المـُبْدِعِ.
فالوَاجِب العَمَلِيّ عَلَيْنَا اليَوْمَ، أَنْ نُحْيِيَ سُنَّةَ التَّفَكُّرِ فِي بُيُوتِنَا؛ وأَنْ نَخْرُجَ بِأَبْنَائِنَا منْ سِجْنِ الشَّاشَاتِ الرَّقَمِيَّةِ، لِنَنْظُرَ إِلَىٰ بَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وأَنْ نَقْرَأَ كِتَابَ الكَوْنِ المـَنْظُورَ ، لِنَزْدَادَ إِيمَانًا بِكِتَابِ اللَّهِ المـَسْطُورِ، فَيَتَحَوَّلَ الخَوْفُ فِي نُفُوسِنَا إِلَىٰ أَمْنٍ، وَالعُسْرُ إِلَىٰ يُسْرٍ، لِأَنَّنَا ارْتَبَطْنَا بِالقَوِيِّ العَزِيزِ، الَّذِي بِيَدِهِ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ.
فاثْبُتُوا عَلَىٰ طَاعَتِهِ، وَاشْكُرُوا نِعَمَهُ، تَنَالُوا مَقَامَ العِزَّةِ وَالفَوْزِ بِرِضْوَانِهِ.
الدُّعَاءُ
