خطبة عن (الْوُدُّ الرَّبَّانِيُّ)
يوليو 6, 2026الخطبة الأولى (فضائل صِلَةِ الرَّحِمِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]. وفي الصحيحين: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».
إخوة الإسلام
لَقَدْ مَنَّ اللهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ بِشَرِيعَة الاسلام، التي تُقِيمُ العَدْلَ، وَتَنْشُرُ الفَضِيلَةَ، وَتَبْنِي المُجْتَمَعَ عَلَى التَّعَاطُفِ وَالمَوَدَّةِ،
وَمِنْ أَعْظَمِ هَذِهِ الرَّوَابِطِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا: هِيَ رَابِطَةُ القَرَابَةِ، حَيْثُ جَعَلَ صِلَتَهَا مِنْ أَجَلِّ الطَّاعَاتِ، وَجَعَلَ قَطِيعَتَهَا مَوْبِقَةً مِنَ الكَبَائِرِ المُهْلِكَاتِ، وإِنَّنَا اليَوْمَ –إن شاء الله تعالى- نَمْضِي فِي (سِلْسِلَةِ فَضَائِلِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ)، لِنَقِفَ فِي رِحَابِ عِبَادَةٍ تَجْلِبُ رِضَا الرَّحْمَنِ، وَتُبَارِكُ فِي الأَعْمَارِ وَالأَرْزَاقِ؛ إِنَّهَا عِبَادَةُ “صِلَةِ الرَّحِمِ“.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وبداية: فإِنَّ الأَرْحَامَ فِي مِيزَانِ الشَّرْعِ: هُمُ الأَقَارِبُ، والمَحَارِمُ، الَّذِينَ تَجْمَعُكَ بِهِمْ قَرَابَةُ النَّسَبِ، وَمَعْنَى صِلَةِ الرَّحِمِ: أي الإِحْسَانُ إِلَى هَؤُلَاءِ الأَقَارِبِ، بِالقَوْلِ، وَالفِعْلِ، وَتَعْنِي أيضا: إِيصَالَ مَا أَمْكَنَ مِنَ الخَيْرِ وَالمَعْرُوفِ إِلَيْهِمْ، وَدَفْعَ مَا أَمْكَنَ مِنَ الشَّرِّ وَالأَذَى عَنْهُمْ.
وَفِي المُقَابِلِ، فَإِنَّ “قَطِيعَةَ الرَّحِمِ” تَعْنِي: إِعْرَاضَ المَرْءِ عَنْ أَقَارِبِهِ، وَعَدَمَ الإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، أَوْ الإِسَاءَةَ إِلَيْهِمْ، بِالهَجْرِ وَالخُصُومَةِ.
وَأَمَّا عَنْ “حُكْمِ صِلَةِ الرَّحِمِ”: فَقَدْ نَقَلَ الإِمَامُ القُرْطُبِيُّ، وَالقَاضِي عِيَاضٌ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ العُلَمَاءِ: الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ وَاجِبَةٌ فَرْضِيَّةٌ، وَأَنَّ قَطِيعَتَهَا مَعْصِيَةٌ جَارِفَةٌ، مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ الَّتِي تُوجِبُ الحِرْمَانَ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ الكَثِيرَ مِنَ النَّاسِ يَقَعُونَ فِي وَهْمٍ، حِينَمَا يَظُنُّونَ أَنَّ الصِّلَةَ هِيَ لِمَنْ زَارَكَ فَقَطْ، وَهَذَا لَيْسَ بِالْوَاصِلِ الحَقِيقِيِّ، بَلْ هُوَ “المُكَافِئُ”،
أَمَّا “الصِّلَةُ الحَقِيقِيَّةُ” الَّتِي تَرْفَعُ المَنَازِلَ: فَهِيَ صِلَةُ مَنْ قَطَعَكَ، أوَ آذَاكَ؛ فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «لَيْسَ الوَاصِلُ بِالمُكَافِئِ، وَلَكِنَّ الوَاصِلَ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا»، فَالْمُؤْمِنُ الحَقُّ، لَا يَنْتَظِرُ مُقَابِلاً، بَلْ يَبْتَغِي بِصِلَتِهِ وَجْهَ اللهِ تَعَالَى؛ فَيَعْفُو عَنِ المُسِيءِ، وَيَزُورُ القَاطِعَ، لِيُعْلِنَ أَنَّ رَوَابِطَ الدِّينِ، أَقْوَى مِنْ خُصُومَاتِ النُّفُوسِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا فِي ثَمَرَاتِ وفضائل هَذِهِ الصِّلَةِ العَاجِلَةِ فِي الدُّنْيَا: فَهِيَ سَبَبٌ مُبَاشِرٌ لِتَوْسِعَةِ الأَرْزَاقِ ،وَمَدِّ الأَعْمَارِ، بَرَكَةً وَتَوْفِيقاً، قَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».
فَإِذَا أَرَدْتَ بَرَكَةً فِي مَالِكَ، وَطُولاً فِي سِنِي عُمْرِكَ، فَعَلَيْكَ بِطَرْقِ أَبْوَابِ أَقَارِبِكَ بِالإِحْسَانِ.
وَمَا أَعْظَمَ “صِلَةَ اللهِ لِلْوَاصِلِ“، حِينَمَا جَعَلَ الرَّحِمَ مُعَلَّقَةً بِالعَرْشِ!، فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ :(عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَنَّ اللهَ قَالَ لِلرَّحِمِ: «أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟». فَمَنْ وَصَلَ أَرْحَامَهُ، وَصَلَهُ اللهُ بِرَحْمَتِهِ، وَتَوْفِيقِهِ، وَسِتْرِهِ، وَمَنْ قَطَعَهُمْ، بَتَرَهُ اللهُ مِنْ نَفَحَاتِهِ (عِيَاذاً بِاللَّهِ).
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَقد جَعَلَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) صِلَةَ الرَّحِمِ شَرْطاً مِنْ شُرُوطِ كَمَالِ الإِيمَانِ بِالْخَالِقِ وَاليَوْمِ الآخِرِ؛ فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أَوْ لِيَصْمُتْ».
فَالَّذِي يَقْطَعُ مَنْ تَرَبَّطَهُ بِهِمْ حُرْمَةُ النَّسَبِ، فَقَدْ خَدَشَ صَرْحَ إِيمَانِهِ، واعلموا أنَّ الإِحْسَانَ لِلأَقَارِبِ هُوَ عُنْوَانُ النُّفُوسِ النَّقِيَّةِ، الَّتِي تَعِيشُ هَدْيَ المُصْطَفَى عَمَلِيّاً، فَتَتَجَاوَزُ عَنِ الزَّلَّاتِ، وَتَبْذُلُ الطَّيِّبَ، طَمَعاً فِيمَا عِنْدَ اللهِ مِنَ النَّعِيمِ.
ومن المعلوم أنَّ المَصِيرَ النِّهَائِيَّ لِوَاصِلِي الأَرْحَامِ: هُوَ دُخُولُ الجَنَّةِ بِسَلَامٍ، وَالفَوْزُ بِعُقْبَى الدَّارِ، الَّتِي وَعَدَ اللهُ بِهَا المـُصْلِحِينَ؛ فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ فِي سُورَةِ الرَّعْدِ: (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ * وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ) [الرعد:21-23].
فَتَأَمَّلُوا هَذِهِ (المَعِيَّةَ الأُسَرِيَّةَ) المـُبَارَكَةَ فِي الجَنَّةِ، جَزَاءً عَلَى صِلَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا!، وَقَدْ صَدَعَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِبِشَارَةِ الأَمَانِ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلَامٍ» [رواه أحمد والترمذي].
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَلِأَجْلِ فَرضِية هَذِهِ الطَّاعَةِ، فقد جَعَلَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَقْرُونَةً بِتَوْحِيدِ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ، كَسَبَبٍ لِدُخُولِ النَّعِيمِ؛ فَقَدْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئاً، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، دَعِ النَّاقَةَ» [رواه البخاري ومسلم]، وَفي رواية قَالَ: «إِنْ تَمَسَّكَ بِمَا أَمَرْتُهُ بِهِ دَخَلَ الجَنَّةَ».
كَمَا أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تَعْمَلُ كَدِرْعٍ وِقَائِيٍّ، يَدْفَعُ المَصَائِبَ، وَمِيتَةَ السُّوءِ؛ فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ: (عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ، وَيُوَسَّعَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُدْفَعَ عَنْهُ مِيتَةُ السُّوءِ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ، وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ».
وَإِذَا أَعْقَبَتِ النَّفْسَ كَبِيرَةٌ مِنَ الكَبَائِرِ، أَوْ ذَنْبٌ عَظِيمٌ، يُؤَرِّقُ صَاحِبَهُ، فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ -وَخَاصَّةً الأُمَّ أَوْ الخَالَةَ- هِيَ السَّبِيلُ الأَعْظَمُ لِمَغْفِرَةِ تِلْكَ الأَوْزَارِ!، فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ : (عَنِ ابْنِ عُمَرَ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا) أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْباً عَظِيماً فَهَلْ لِي تَوْبَةٌ؟، قَالَ: «هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «هَلْ لَكَ مِنْ خَالَةٍ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَبِرَّهَا». فَانْظُرُوا كَيْفَ يُكْفِلُ الإِحْسَانُ لِلْخَالَةِ -الَّتِي هِيَ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ- مَحْوَ عَظَائِمِ الخَطَايَا!،
فَلَا تَهْجُرُوا أَقَارِبَكُمْ، وَاطْرُدُوا الشَّحْنَاءَ مِنْ بُيُوتِكُمْ، وَصِلُوا مَنْ قَطَعَكُمْ، لِتَعِيشُوا فِي بَرَكَةِ الرِّزْقِ وَالأَمَانِ، وَتَدْخُلُوا جَنَّاتِ عَدْنٍ بِسَلَامٍ، مَعَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِكُمْ، وَذُرِّيَّاتِكُمْ، فَلْنَعْزِمِ النِّيَّةَ عَلَى فَتْحِ صَفْحَةٍ جَدِيدَةٍ مَعَ أَرْحَامِنَا صِلَةً وَإِحْسَاناً.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ الكَرَامَةَ العُظْمَى لِوَاصِلِي الأَرْحَامِ، لَا تَقِفُ عِنْدَ بَرَكَةِ الدُّنْيَا، بَلْ تَرْتَقِي لِتَكُونَ سَبَباً فِي أَعْظَمِ مَطْلَبٍ؛ وَهُوَ “وُجُوبُ مَحَبَّةِ اللهِ تَعَالَى لِلْعَبْدِ”؛ فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَوَاصِلِينَ فِيَّ».
فَمَا أَعْظَمَهُ مِنْ مَقَامٍ، حِينَ تَنَالُ مَحَبَّةَ الله خَالِقِكَ، بِبَذْلِكَ، وَوَصْلِكَ لِأَقَارِبِكَ!، وَهَذِهِ الصِّلَةُ مَعَ حُسْنِ الخُلُقِ، هِيَ بَاعِثَةُ النَّمَاءِ وَالعُمْرَانِ فِي البِلَادِ؛ قَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «إِنَّهُ مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الخُلُقِ وَحُسْنُ الجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ، وَيَزِيدَانِ فِي الأَعْمَارِ» [رواه أحمد وصححه الألباني].
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية (فضائل صِلَةِ الرَّحِمِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
واعلموا أنَّ الصِّلَةَ الحَقِيقِيَّةَ للرحم: هِيَ “أَفْضَلُ أَخْلَاقِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ”، كَمَا وَصَفَهَا المُصْطَفَى؛ فَقَدْ لَقِيَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَبَدَرَهُ وَأَخَذَ بِيَدِهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ: «يَا عُقْبَةُ، أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَفْضَلِ أَخْلَاقِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؟، تَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، أَلَا وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُمَدَّ فِي عُمْرِهِ وَيُبْسَطَ فِي رِزْقِهِ فَلْيَصِلْ ذَا رَحِمِهِ».
وَهَذَا المَسْلَكُ الشَّرِيفُ، هُوَ الَّذِي يَضَعُ العَبْدَ فِي طَلِيعَةِ الخَلْقِ؛ فَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ: «إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالاً وَعِلْماً فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقّاً، فَهَذَا بِأَفْضَلِ المَنَازِلِ».
وَفِي المُقَابِلِ، فَإِنَّ مَنْ مَلَكَ المَالَ، وَلَمْ يَصِلْ رَحِمَهُ، فَهُوَ يَعِيشُ فِي شَرِّ المَنَازِلِ وَأَخْبَثِهَا، عِيَاذاً بِاللَّهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا هذا المَشْهَدَ المَهيبَ يَوْمَ القِيَامَةِ، حِينَ تَتَجَسَّدُ الرَّحِمُ، لِتَكُونَ شَاهِدَةً لَكَ، أَوْ خَصْماً عَلَيْكَ، أَمَامَ رَبِّ العَالَمِينَ!، فَقَدْ أخرَجَ البُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ المُفْرَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: «وَكُلُّ رَحِمٍ آتِيَةٌ يَوْمَ القِيَامَةِ أَمَامَ صَاحِبِهَا، تَشْهَدُ لَهُ بِصِلَةٍ إِنْ كَانَ وَصَلَهَا، وَعَلَيْهِ بِقَطِيعَةٍ إِنْ كَانَ قَطَعَهَا ».
وَلِعِظَمِ هَذِهِ الشَّهَادَةِ، جَعَلَ اللهُ تَعَالَى الرَّحِمَ مَعَ الأَمَانَةِ تَقُومَانِ عَلَى جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ المُظْلِمِ،
المَوْضُوعِ فَوْقَ جَهَنَّمَ؛ لِتُرَاقِبَا أَقْدَامَ المَارِّينَ؛ فَمَنْ كَانَ خَائِناً لِلْأَمَانَةِ، قَاطِعاً لِلرَّحِمِ، تَلَقَّفَتْهُ كَلَالِيبُ النَّارِ، وَمَنْ كَانَ وَاصِلاً أَمِيناً، مَرَّ كَالبَرْقِ الخَاطِفِ، إِلَى بَرِّ الأَمَانِ، فَالرَّحِمُ هِيَ سَبَبُ النَّجَاةِ يَوْمَ تَزِلُّ الأَقْدَامُ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
ألا فَلْنَتَّقِ اللهَ فِي قَرَابَاتِنَا، وَلْنَحْذَرْ خُصُومَةَ الأَرْحَامِ، الَّتِي تَقِفُ لَنَا عَلَى جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ. فاللَّهُمَّ أَوْجِبْ لَنَا مَحَبَّتَكَ بِتَوَاصُلِنَا فِي طَاعَتِكَ، وَاجْعَلْ صِلَتَنَا لِأَرْحَامِنَا عِمَارَةً لِدِيَارِنَا، وَزِيَادَةً فِي أَعْمَارِنَا، واجْعَلْنَا فِي أَفْضَلِ المَنَازِلِ بِعِلْمِنَا وَبَذْلِنَا، وَاجْعَلِ الرَّحِمَ شَاهِدَةً لَنَا بِالوَصْلِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا عَلَى الصِّرَاطِ بَرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ وَاصِلِي الأَرْحَامِ الَّذِينَ تَصِلُهُمْ بِرَحْمَتِكَ وَتَوْفِيقِكَ، وابْسُطْ لَنَا فِي أَرْزَاقِنَا، وَامْدُدْ لَنَا فِي أَعْمَارِنَا بِطَاعَتِكَ، وَادْفَعْ عَنَّا مِيتَةَ السُّوءِ، واجْعَلْ بَذْلَنَا لِأَقَارِبِنَا كَفَّارَةً لِذُنُوبِنَا، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِسَلَامٍ.
الدعاء
