خطبة عن (الهجرة النبوية: أسبابها، وأهدافها، ونتائجها)
يونيو 14, 2026الخُطْبَةُ الأُولَى (سَأَلْتُ النَّبِيَّ أَنْ يَشْفَعَ لِي)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
روى الترمذي في سننه: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ يَشْفَعَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ «أَنَا فَاعِلٌ». قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيْنَ أَطْلُبُكَ قَالَ «اطْلُبْنِي أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي عَلَى الصِّرَاطِ». قَالَ قُلْتُ فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عَلَى الصِّرَاطِ قَالَ «فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْمِيزَانِ». قُلْتُ فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عِنْدَ الْمِيزَانِ قَالَ «فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْحَوْضِ، فَإِنِّي لاَ أُخْطِئُ هَذِهِ الثَّلاَثَ الْمَوَاطِنَ».
إخوة الإسلام
يقول الله تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) [الإسراء:79]. فلَقَدْ وَعَدَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ المـُصْطَفَى بَـ “المـَقَامِ المـَحْمُودِ”، وَهُوَ مَقَامُ الشَّفَاعَةِ العُظْمَى يَوْمَ القِيَامَةِ، حِينَ تَجْثُو الأُمَمُ عَلَى الرُّكَبِ، وَيَشْتَدُّ الكَرْبُ، وَيَبْحَثُ النَّاسُ عَنْ مَنْ يُخَلِّصُهُمْ مِنْ هَوْلِ المـَوْقِفِ.
وإِنَّنَا اليَوْمَ- إن شاء الله تعالى- نَقِفُ مَعَ حَدِيثٍ يَهْتَزُّ لَهُ وُجْدَانُ كُلِّ مُسْلِمٍ، رَوَاهُ الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، يَسْأَلُ فِيهِ الخَادِمُ الحَبِيبُ سَيِّدَهُ المـَعْصُومَ عَنْ أَمَانِ الآخِرَةِ، فَيَرْسُمُ لَهُ خَرِيطَةَ النَّجَاةِ فِي عَرَصَاتِ القِيَامَةِ.
وبداية: فإِنَّ الشَّفَاعَةَ فِي لُغَةِ الشَّرْعِ هِيَ: طَلَبُ الخَيْرِ مِنَ الغَيْرِ لِلْغَيْرِ، وَفِي الآخِرَةِ: هِيَ سُؤَالُ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رَبَّهُ تَعَالَى التَّجَاوُزَ عَنْ ذُنُوبِ المُذْنِبِينَ، أَوْ رَفْعَ دَرَجَاتِ المُؤْمِنِينَ.
وَالشَّفَاعَةُ أَنْوَاعٌ: فَأَعْظَمُهَا “الشَّفَاعَةُ العُظْمَى”، الَّتِي يَخْتَصُّ بِهَا نَبِيُّنَا لِبَدْءِ الحِسَابِ، وَمِنْهَا شَفَاعَتُهُ فِي دُخُولِ أَقْوَامٍ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَمِنْهَا شَفَاعَتُهُ لِأَهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ أَنْ لَا يَدْخُلُوا النَّارَ، أَوْ أَنْ يُخْرَجُوا مِنْهَا بَعْدَ أَنْ دَخَلُوهَا.
فَمَا أَعْظَمَ “شَفَاعَةَ الرَّسُولِ لِأُمَّتِهِ”، حِينَ يَقِفُ تَحْتَ العَرْشِ سَاجِداً يَقُولُ: «يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي» [رواه البخاري ومسلم]. فهو صلى الله عليه وسلم لَا يَنْسَى أُمَّتَهُ، فِي وَقْتٍ يَنْسَى فِيهِ كُلُّ خَلِيلٍ خَلِيلَهُ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وتَأَمَّلُوا فِي “فِطْنَةِ هَذَا الصَّحَابِيِّ الجَلِيلِ” (أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ)؛ فلَقَدْ خَدَمَ النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عَشْرَ سِنِينَ، وَكَانَ قَادِراً عَلَى أَنْ يَطْلُبَ مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا الزَّائِلِ، مَالاً، أَوْ مَنْصِباً، أَوْ جَاهاً، ولَكِنَّهُ نَظَرَ بِعَيْنِ بَصِيرَتِهِ إِلَى الدَّارِ البَاقِيَةِ، فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللهِ، سَأَلْتُكَ
أَنْ تَشْفَعَ لِي يَوْمَ القِيَامَةِ».
وهَذِهِ هِيَ عُلُوُّ الهِمَّةِ التَّرْبَوِيَّةِ؛ أَنْ يَكُونَ هَمُّ العَبْدِ هُوَ النَّجَاةَ يَوْمَ الحِسَابِ، فَقَالَ لَهُ الشَّفِيعُ المُشَفَّعُ بِكُلِّ ثِقَةٍ وَيَقِينٍ: «أَنَا فَاعِلٌ».
إِنَّهَا البُشْرَى الَّتِي تَمْلأُ القَلْبَ طُمَأْنِينَةً، وَتَجْعَلُ العَبْدَ يَعْمَلُ وَهُوَ يَرْجُو مَوْعُودَ نَبِيِّهِ.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وَلَمْ تَقِفْ فِطْنَةُ أَنَسٍ عِنْدَ هَذَا الحَدِّ، بَلْ سَأَلَ عَنِ المـَكَانِ تَدْقِيقاً: «يَا رَسُولَ اللهِ، فَأَيْنَ أَطْلُبُكَ؟». فَقَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «اطْلُبْنِي أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي عَلَى الصِّرَاطِ».
قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عَلَى الصِّرَاطِ؟ قَالَ: «فَاطْلُبْنِي عِنْدَ المـِيزَانِ».
قُلْتُ: فَإِنْ لَم أَلْقَكَ عِنْدَ المـِيزَانِ؟ قَالَ: «فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الحَوْضِ، فَإِنِّي لَا أُخْطِئُ هَذِهِ الثَّلَاثَ المـَوَاطِنَ».
وَالسُّؤَالُ هُنَا: “لِمَاذَا حَدَّدَ الرَّسُولُ هَذِهِ المـَوَاطِنَ الثَّلَاثَةَ بِذَاتِهَا؟”؛ والجَوَابُ: لِأَنَّهَا أَشَدُّ مَوَاقِفِ القِيَامَةِ هَوْلاً، وَأَكْثَرُهَا حَاجَةً لِلْمَعُونَةِ وَالتَّثْبِيتِ.
فَعِنْدَ الصِّرَاطِ تَزِلُّ الأَقْدَامُ، وَعِنْدَ المـِيزَانِ تَطِيشُ الصُّحُفُ، وَعِنْدَ الحَوْضِ يَشْتَدُّ العَطَشُ؛ فَهُوَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَتَنَقَّلُ بَيْنَ هَذِهِ المـَوَاضِعِ لِيُنْقِذَ أُمَّتَهُ، فَيَقُولُ عِنْدَ الصِّرَاطِ: «رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ» [رواه مسلم].
وفي سنن أبي داود: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «شَفَاعَتِي لأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي».
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
إِنَّ الشَّفَاعَةَ مَضْمُونَةٌ مِنْ جِهَةِ الرَّسُولِ، وَلَكِنْ “كَيْفَ نَطْلُبُ شَفَاعَةَ الرَّسُولِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟” عَمَلِيّاً.
والجواب: إِنَّ لِلشَّفَاعَةِ مَفَاتِيحَ بَيَّنَتْهَا السُّنَّةُ؛ أَوَّلُهَا: “تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ الخَالِصِ”؛ فَقَدْ سُئِلَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ» [رواه البخاري].
وفي مسند أحمد: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَقُولُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَاذَا رَدَّ إِلَيْكَ رَبُّكَ فِي الشَّفَاعَةِ فَقَالَ «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ أَوَّلُ مَنْ يَسْأَلُنِي عَنْ ذَلِكَ مِنْ أُمَّتِي لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْعِلْمِ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَمَا يَهُمُّنِي مِنِ انْقِصَافِهِمْ عَلَى أَبْوَابِ الْجَنَّةِ أَهَمُّ عِنْدِي مِنْ تَمَامِ شَفَاعَتِي وَشَفَاعَتِي لِمَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُخْلِصاً يُصَدِّقُ قَلْبُهُ لِسَانَهُ وَلِسَانُهُ قَلْبَهُ».
ثَانِيًا: ومن مفاتيح الشفاعة: “كَثْرَةُ الصَّلَاةِ وَالسُّجُودِ”؛ كَمَا قَالَ لِرَبِيعَةَ: «أَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ».
ثَالِثًا: ومن مفاتيح الشفاعة: “كَثْرَةُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)”، وَخَاصَّةً بَعْدَ الأَذَانِ؛ حَيْثُ مَنْ سَأَلَ لَهُ الوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ، ففي صحيح مسلم: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَىَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لاَ تَنْبَغِي إِلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ».
وفي الصحيحين: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلاَةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخُطْبَةُ الثانية (سَأَلْتُ النَّبِيَّ أَنْ يَشْفَعَ لِي)
الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، حمدا يوافي النعم ويكافئ المزيد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد أيها المسلمون
أَمَّا عَنْ “الأَعْمَالِ المـُنْجِيَةِ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ القِيَامَةِ” بَعْدَ الشَّفَاعَةِ؛ فَعَلَى رَأْسِهَا:
“قِرَاءَةَ القُرْآنِ الكَرِيمِ”؛ فَقَدْ قَالَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «اقْرَؤُوا القُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ» [رواه مسلم].
وَمِنْهَا: الصيام: ففي مسند أحمد: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ الصِّيَامُ أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ. وَيَقُولُ الْقُرْآنُ مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ. قَالَ فَيُشَفَّعَانِ».
وَمِنْهَا: “التَّيْسِيرُ عَلَى المـُعْسِرِينَ“؛ فَمَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وفي صحيح مسلم: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلاَّ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ».
وَكَذَلِكَ من الأَعْمَالِ المـُنْجِيَةِ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ القِيَامَةِ: الجهاد في سبيل الله، والأَخْلَاقُ الحَسَنَةُ، وَالصَّدَقَةِ؛ ففي صحيح البخاري: (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – يَقُولُ «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ – وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ – كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ، وَتَوَكَّلَ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ بِأَنْ يَتَوَفَّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ»
وفي سنن أبي داود: (عَنْ عَائِشَةَ رَحِمَهَا اللَّهُ قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ».
وفي مسند أحمد: (أن رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ». أَوْ قَالَ «يُحْكَمَ بَيْنَ النَّاسِ»
فهَذِهِ الأَعْمَالُ هِيَ التَّطْبِيقُ العَمَلِيُّ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَلْقَى النَّبِيَّ عِنْدَ الحَوْضِ فَيَشْرَبَ مِنْ يَدِهِ الشَّرِيفَةِ شَرْبَةً لَا يَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَداً.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
فَلْنُجَدِّدِ المـَحَبَّةَ لِرَسُولِنَا بِاتِّبَاعِ سُنَّتِهِ، وَلْنَسْتَعِدَّ لِهَذِهِ المـَوَاطِنِ الثَّلَاثَةِ العَصِيبَةِ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ.
فاللَّهُمَّ شَفِّعْ فِينَا نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ.
اللَّهُمَّ أَوْرِدْنَا حَوْضَهُ، وَاسْقِنَا مِنْ يَدِهِ الشَّرِيفَةِ شَرْبَةً هَنِيئَةً لَا نَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَداً.
اللَّهُمَّ ثَبِّتْ أَقْدَامَنَا عَلَى الصِّرَاطِ، وَثَقِّلْ مَوَازِينَنَا بِالحَسَنَاتِ، وَقِنَا أَهْوَالَ يَوْمِ القِيَامَةِ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِجَمِيعِ المـُسْلِمِينَ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَاجْعَلْ بِلَادَنَا آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً بِفَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
الدعاء
