خطبة عن (الْحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ)
يوليو 19, 2026خطبة عن (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ الكَافِرُونَ)
يوليو 20, 2026الخطبة الأولى (أَثَرُ العِبَادَاتِ فِي أَخْلَاقِ المُسْلِمِ وَسُلُوكِهِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (56) الذاريات، وقال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (77)، (78) الحج.
إخوة الإسلام
إِنَّ هَذِهِ العِبَادَةَ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا خُلِقْنَا، وَعَلَى أَسَاسِهَا نُحَاسَبُ، وَبِهَا نُثَابُ وَنُعَاقَبُ، لَا تَقْتَصِرُ عَلَى الشَّعَائِرِ الدِّينِيَّةِ الظَّاهِرَةِ: (مِنْ صَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَحَجٍّ)، فَحَسْبُ، بَلْ العِبَادَةُ فِي حَقِيقَتِهَا: اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَيَرْضَاهُ، مِنَ الأَقْوَالِ، وَالأَفْعَالِ، الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ، فَتَشْمَلُ: (العِبَادَاتِ اللِّسَانِيَّةَ، وَالقَلْبِيَّةَ، وَالمَالِيَّةَ، وَالبَدَنِيَّةَ)، لِتَكُونَ الحَيَاةُ كُلُّهَا مَحْكُومَةً بِأَمْرِ اللهِ، مَصْبُوغَةً بِصِبْغَةِ الوَحْيِ.
وَلَقَدْ شَرَعَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ هَذِهِ العِبَادَاتِ، وَفَرَضَهَا عَلَى الخَلْقِ، مِنْ أَجْلِ تَقْوِيمِ سُلُوكِ المُؤْمِنِ، وَامْتِثَالِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لِأَمْرِ المَوْلَى سُبْحَانَهُ، وَتَرْجَمَةِ أَثَرِ هَذِهِ العِبَادَاتِ الشَّعَائِرِيَّةِ كُلِّهَا، إِلَى وَاقِعٍ مَشْهُودٍ، فِي سُلُوكٍ حَسَنٍ نَقِيٍّ، يَتَجَلَّى بِمُخْتَلِفِ شُؤُونِ حَيَاةِ المُسْلِمِ اليَوْمِيَّةِ، وَإِظْهَارِ النَّتَائِجِ العَمَلِيَّةِ، وَالثِّمَارِ المَرْجُوَّةِ المُرْتَقَبَةِ، مِنْ تِلْكَ العِبَادَاتِ الكُبْرَى، فِي مُعَامَلَاتِ النَّاسِ، وَقَضَائِهِمْ، وَحَرَكَتِهِمْ فِي المُجْتَمَعِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِنَّ السَّامِعَ اللَّبِيبَ حِينَمَا يتدبر، ويَتَأَمَّلُ فِي آيَاتِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، الَّتِي صَدَعْنَا بِهَا، يَلْمَحُ بِيَقِينٍ لَا مِرَاءَ فِيهِ، أَنَّ الشَّعَائِرَ الدِّينِيَّةَ تُرْدِفُهَا المُعَامَلَاتُ دَائِمًا، وَتَلْحَقُ بِهَا الأَخْلَاقُ، تَلَاحُمًا عُضْوِيًّا لَا يَقْبَلُ الِانْفِصَامَ.
فَاللهُ تَعَالَى حِينَمَا يَأْمُرُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالعِبَادَةِ، يَصِلُ ذَلِكَ مُبَاشَرَةً بِفِعْلِ الخَيْرِ، لِيَعْلَمَ المُؤْمِنُ أَنَّ سَجْدَتَهُ فِي المِحْرَابِ، لَا تَكْتَمِلُ بَرَكَتُهَا، إِلَّا إِذَا أَثْمَرَتْ يَدًا تَمْتَدُّ بِالنَّفْعِ لِلْمَلْهُوفِ، وَخُلُقًا رَفِيعًا يَسَعُ الخَلْقَ رَحْمَةً وَإِحْسَانًا.
وإذا ما تأمّلنا في آيات القرآن، نجد أنّ الشّعائر الدّينيّة تردفها المعاملات دائمًا، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحجّ: 77]. وقال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت:45]. ويقول سبحانه: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [الماعون:4-7]. وقال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183]. وقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ، وَكَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ) رواه أحمد. وقال سبحانه: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التّوبة:103]. وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة:264]. وقال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ } [البقرة:197].
وَهَذَا المَفْهُومُ الشَّامِلُ هُوَ الَّذِي يَنْفِي عَنِ المُسْلِمِ رُوحَ التَّنَاقُضِ، الَّتِي تَعِيشُهَا بَعْضُ النُّفُوسِ المَرِيْضَةِ فِي عَصْرِنَا، حَيْثُ يُفْصَلُ الدِّينُ فِي المَسْجِدِ، عَنِ المُمَارَسَةِ فِي السُّوقِ وَالمَنْزِلِ.
وإِنَّ السُّلُوك البَشَرِيّ فِي هَذَا المَقَامِ يَكْشِفُ عَنْ أَزْمَةٍ خَطِيرَةٍ؛ حِينَمَا يَتَحَوَّلُ التَّدَيُّنُ إِلَى مُجَرَّدِ مَظَاهِرَ جَوْفَاءَ، وَرُسُومٍ رَاتِبَةٍ، يَؤُمُّ المَرْءُ فِيهَا المَسَاجِدَ، وَيُطِيلُ الرُّكُوعَ، ولَكِنَّ صَلَاتَهُ تِلْكَ لَمْ تَغْرِسْ فِي نَفْسِهِ خَشْيَةً، وَلَمْ تَنْهَهُ عَنْ فَاحِشِ القَوْلِ، وَمُنْكَرِ الفِعْلِ.
وإِنَّ النَّفْسَ البَشَرِيَّةَ، إِذَا اعْتَادَتْ أَدَاءَ العِبَادَةِ، كَعَادَةٍ مَفْرُوغَةٍ مِنْ شُحْنَتِهَا الرُّوحِيَّةِ، بَلَدَتْ مَشَاعِرُهَا، فَتَرَاهُ يُصَلِّي وَهُوَ عَنْ صَلَاتِهِ سَاهٍ، لَا يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ، بَلْ يَتَرَبَّصُ رِيَاءَ النَّاسِ وَثَنَاءَهُمْ، وَفِي الوَقْتِ ذَاتِهِ يَمْنَعُ المَاعُونَ شُحًّا وَأَنَانِيَّةً, فَيَقْطَعُ حُقُوقَ الخَلْقِ، كَمَا ضَيَّعَ حُقُوقَ الخَالِقِ.
هَذَا التَّشَظِّي يَنْسَحِبُ كَذَلِكَ عَلَى مَنْ يَصُومُ النَّهَارَ، فَيُمْسِكُ عَنِ المَطْعَمِ وَالمَشْرَبِ، ولَكِنَّ جَوَارِحَهُ تَرْتَعُ فِي الحَرَامِ، فَلَا يَمْلِكُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الجُوعَ وَالعَطَشَ، وَتَرَاهُ يَقُومُ اللَّيْلَ فَلَا يَجْنِي إِلَّا السَّهَرَ وَالنَّصَبَ، لِأَنَّ المَضْمُونَ الأَخْلَاقِيَّ لِلْعِبَادَةِ قَدْ تَبَخَّرَ. وفي سنن البيهقي وصحيح ابن حبان: «رُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ، وَرُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ حُسْنَ التَّعَامُلِ مَعَ اللهِ، وَحُسْنَ التَّعَامُلِ مَعَ النَّاسِ، أَمْرَانِ مُتَلَازِمَانِ، تَلَازُمَ النُّورِ مَعَ
الشَّمْسِ، فَلَا يَكُونُ أُحَدُهُمَا بِلَا الآخَرِ، وَلَا يُغْنِي أَحَدُهُمَا عَنِ الصَّاحِبِ أَبَدًا فِي مِيزَانِ الشَّرِيعَةِ الغَرَّاءِ.
فَالمُسْلِمُ الحَقُّ الَّذِي يَقُومُ بِالوَاجِبَاتِ، لَا بُدَّ أَنْ تَنْعَكِسَ تِلْكَ الأَنْوَارُ النَّفْسِيَّةُ عَلَى سَجَايَاهُ، فَتَرَاهُ هَيِّنًا لَيِّنًا، صَادِقًا، سَمْحًا.
أَمَّا إِذَا لَمْ تُهَذِّبِ الشَّعَائِرُ المَرْءَ، وَلَمْ تُصْلِحْ طَبْعَهُ، كَانَ ذَلِكَ أَمَارَةً قَاطِعَةً، عَلَى أَنَّ عِبَادَتَهُ لَمْ تَتَجَاوَزْ حُنْجُرَتَهُ، وَأَنَّهَا قَدْ جُرِّدَتْ مِنْ رُوحِهَا النَّابِضَةِ.
وَمَا أَشَدَّ الخُسْرَانَ حِينَمَا نَقِفُ مَعَ الهَدْيِ النَّبَوِيِّ الكَامِلِ، لِنَرَى عِلَّةَ الإِفْلَاسِ العُظْمَى يَوْمَ المَحْشَرِ!، حيث يَأْتِي المَرْءُ بِصَلَاةٍ خَاشِعَةٍ، وَصِيَامٍ طَوِيلٍ، وَزَكَاةٍ وَافِرَةٍ، ولَكِنَّهُ أَهْلَكَ نَفْسَهُ بِسُوءِ خُلُقِهِ؛ فَشَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، فَيُقْعَدُ لِلْقِصَاصِ العَادِلِ، الَّذِي لَا حَيْفَ فِيهِ، فَتُؤْخَذُ حَسَنَاتُهُ مِمَّنْ سَهِرَ لِأَجْلِهَا وَجَاعَ، فَتُعْطَى لِخُصُومِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ أُجُورُهُ قَبْلَ تَمَامِ الحَقِّ، طُرِحَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَاتُهُمْ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ. وفي الحديث: (إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصِيَامٍ وَصَلَاةٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، فَيُقْعَدُ، فَيَقُصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ) رواه مسلم.
وإِنَّه الحُكْمُ المُرْعِبُ، الَّذِي نَزَلَ بِحَقِّ تِلْكَ المَرْأَةِ، الَّتِي كَانَتْ تَصُومُ، وَتَقُومُ، لَكِنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِاللِّسَانِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): «لَا خَيْرَ فِيهَا هِيَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» صحيح الأدب للبخاري. بَيْنَمَا تِلْكَ الَّتِي اقْتَصَرَتْ عَلَى المَكْتُوبَةِ لَكِنَّهَا حَفِظَتْ سَلَامَةَ الخَلْقِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هِيَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» صحيح الأدب للبخاري.
فَتَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللهِ هَذَا الهَدْيَ، وَزِنُوا بِهِ أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ (أَثَرُ العِبَادَاتِ فِي أَخْلَاقِ المُسْلِمِ وَسُلُوكِهِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
إِنَّ الوُقُوفَ المَلِيَّ عَلَى مَوَاطِنِ الخَلَلِ، فِي فَهْمِ حَقِيقَةِ التَّعَبُّدِ، وَمُعَايَنَةِ الآثَارِ المُدَمِّرَةِ، لِهَذَا الفِصَامِ السُّلُوكِيِّ، يَسْتَوْجِبُ عَلَى الأُمَّةِ جَمْعَاءَ، السَّعْيَ الحَثِيثَ وَالجَادَّ، لِإِصْلَاحِ هَذَا الِاعْوِجَاجِ، وَطَرْحِ سُبُلِ العِلَاجِ الحَاسِمَةِ، الَّتِي تُعِيدُ لِلْعِبَادَةِ مَضْمُونَهَا التَّزْكَوِيَّ المَعْرُوفَ، وَتَرْفَعُ عَنْ كَاهِلِ المُسْلِمِ رِجْسَ النِّفَاقِ العَمَلِيِّ، الَّذِي يُهَدِّدُ صَلَاحَ آخِرَتِهِ.
وإِنَّ أَوَّلَ طَرِيقِ العِلَاجِ وَأَنْجَعَهُ: يَبْدَأُ مِنْ مَحْوِ تِلْكَ النَّظْرَةِ الجُزْئِيَّةِ النَّاقِصَةِ لِلدِّينِ، الَّتِي حَصَرَتْهُ فِي زَوَايَا المَسَاجِدِ، وَتَعْمِيقِ فِقْهِ “قَبُولِ العَمَلِ”، المَشْرُوطِ شَرْطًا صَارِمًا بِتَهْذِيبِ الجَوَارِحِ، وَسَلَامَةِ السُّلُوكِ. فيَجِبُ عَلَى المُسْلِمِ أَنْ يَتَعَهَّدَ قَلْبَهُ وَنِيَّتَهُ، وَهُوَ يَنْتَقِلُ بَيْنَ الشَّعَائِرِ ؛فَيَجْعَلَ مِنْ صَلَاتِهِ حِصْنًا مَنِيعًا، يَحْمِيهِ مِنْ قَوْلِ الزُّورِ وَالفَحْشَاءِ، وَيَجْعَلَ مِنْ صَدَقَتِهِ مَطْهَرَةً لِنَفْسِهِ مِنَ المَنِّ وَالأَذَى، كَمَا أَمَرَ الحَقُّ سُبْحَانَهُ،
وَيَجْعَلَ مِنْ حَجِّهِ مَدْرَسَةً رَبَّانِيَّةً عَمَلِيَّةً لِكَظْمِ الغَيْظِ، وَتَرْكِ الرَّفَثِ وَالفُسُوقِ وَالخِصَامِ. إِنَّ هَذِهِ التَّرْبِيَةَ النَّفْسِيَّةَ الصَّارِمَةَ القَائِمَةَ عَلَى مُرَاقَبَةِ اللهِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الخَلْقِ هِيَ العَاصِمُ الوَحِيدُ مِنَ الوُقُوعِ فِي وَهْدَةِ الإِفْلَاسِ يَوْمَ العَرْضِ الأَكْبَرِ.
كَمَا أَنَّ مِنْ رَكِائِزِ العِلَاجِ: أَنْ يَسْتَصْحِبَ العَبْدُ ذِكْرَ الآخِرَةِ فِي كُلِّ حِينٍ؛ فَيَعْلَمَ أَنَّ حَقَّ المَخْلُوقِ مَبْنِيٌّ عَلَى المُشَاحَحَةِ وَالقِصَاصِ، بِخِلَافِ حَقِّ الخَالِقِ، المَبْنِيِّ عَلَى المَسَامَحَةِ وَالغُفْرَانِ. فَإِذَا هَمَّ اللِّسَانُ بِالغِيبَةِ، أَوْ مَدَّتِ اليَدُ حِبَالَهَا إِلَى الحَرَامِ، تَذَكَّرَ المَرْءُ مَشْهَدَ المَفَالِيسِ وَهُمْ يُقَادُونَ إِلَى النَّارِ، بَعْدَ أَنْ نَفِدَ رَصِيدُ حَسَنَاتِهِمْ، فَيَرْتَدِعُ وَيُثِيبُ إِلَى رُشْدِهِ.
وَإِنَّ الآثَارَ السُّلُوكِيَّةَ المُرْتَقَبَةَ لِهَذَا التَّلَاحُمِ الإِيمَانِيِّ الأَخْلَاقِيِّ، سَتُعِيدُ لِلْمُجْتَمَعِ الإِسْلَامِيِّ وَجْهَهُ المُنِيرَ النَّقِيَّ؛ حَيْثُ تَنْقَطِعُ دَوَابِرُ المَظَالِمِ، وَتَقِلُّ الخُصُومَاتُ فِي المَحَاكِمِ، وَيَأْمَنُ الجَارُ بَوَائِقَ جَارِهِ، وَيَجِدُ الضَّعِيفُ حَقَّهُ دُونَ عَنَاءٍ أَوْ مَذَلَّةٍ.
وسَيَتَحَوَّلُ كُلُّ مُصَلٍّ إِلَى رَسُولِ سَلَامٍ فِي بَيْتِهِ وَمُجْتَمَعِهِ، وَكُلُّ صَائِمٍ إِلَى مَنْبَعِ رَحْمَةٍ وَإِيثَارٍ، فَتَكُونُ الأُمَّةُ حَقًّا هِيَ الأُمَّةَ الشَّاهِدَةَ عَلَى النَّاسِ: بِأَخْلَاقِهَا الرَّاقِيَةِ، السَّامِيَةِ، قَبْلَ أَنْ تَكُونَ شَاهِدَةً عَلَيْهِمْ بِأَقْوَالِهَا المُرْسَلَةِ، وَبِذَلِكَ يَكُونُ الفَلَاحُ مَضْمُونًا، مُحَقَّقًا، فِي الدُّنْيَا بِحَيَاةٍ طَيِّبَةٍ، وَفِي الآخِرَةِ بِجَنَّاتٍ وَنَهَرٍ، فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.
الدُّعَاءُ
