خطبة عن (من فضائل الصلاة)
يوليو 21, 2026الخطبة الأولى (الطَّـيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ، وَالْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (26) النور.
إخوة الإسلام
إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَلَقَ هَذَا الْكَوْنَ عَلَى نِظَامٍ بَدِيعٍ، وَأَقَامَهُ عَلَى سُنَنٍ جَارِيَةٍ، لَا تَتَبَدَّلُ وَلَا تَتَحَوَّلُ، وَمِنْ أَعْظَمِ هَذِهِ السُّنَنِ: سُنَّةُ الِائْتِلَافِ وَالتَّجَانُسِ، وَالتَّمَايُزِ بَيْنَ الْمَعَادِنِ وَالنُّفُوسِ ؛فَالْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، مَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ، لَا يَجْتَمِعُ الطَّيِّبُ وَالْخَبِيثُ فِي صَفٍّ وَاحِدٍ، وَلَا يَلْتَقِي النُّورُ وَالظَّلَامُ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْفَارِقَةِ مِنْ (سُورَةِ النُّورِ)، يَضَعُ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ مِيزَانًا أَبَدِيًّا، يَقْسِمُ الْبَشَرِيَّةَ إِلَى فُسْطَاطَيْنِ: فُسْطَاطِ الطَّهَارَةِ وَالطيب والنَّقَاءِ، وَفُسْطَاطِ الدَّنَسِ وَالْخَبَث.
وَلِكَيْ نُدْرِكَ عُمْقَ هَذَا التَّقْرِيرِ الرَّبَّانِيِّ وَجَلَالَهُ، لَا بُدَّ أَنْ نَعُودَ بِقُلُوبِنَا إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، حَيْثُ (نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ) فِي أَعْقَابِ أَزْمَةٍ نَفْسِيَّةٍ وَاجْتِمَاعِيَّةٍ كُبْرَى، زَلْزَلَتْ أَرْكَانَ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ؛ أَلَا وَهِيَ “حَادِثَةُ الْإِفْكِ” الْأَلِيمَةُ.
لَقَدْ تَجَرَّأَ رَأْسُ النِّفَاقِ (عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ)، الَّذِي امْتَلأَ قَلْبُهُ بِالْغِلِّ وَالْحِقْدِ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَاسْتَغَلَّ تَخَلُّفَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، الصِّدِّيقَةِ الطَّاهِرَةِ (عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا)، عَنِ الْقَافِلَةِ بِسَبَبِ عِقْدٍ فَقَدَتْهُ، حَتَّى جَاءَ بِهَا الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ (صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) يَقُودُ بِها نَاقَتهُ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ. وهُنَا، نَفَثَ النِّفَاقُ سُمَّهُ، وَأَطْلَقَ بَوْقَهُ، فَرَمَى الطَّاهِرَةَ الْبَتُولَ فِي عِرْضِهَا وَشَرَفِهَا.
وَسَارَ فِي رِكَابِ هَذِهِ (الْإِشَاعَةِ الْمَظْلُومَةِ) مَنْ سَارَ مِنَ الْغَافِلِينَ، فَضَاقَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) نَفْسُهُ، وَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَأُمُّ رُومَانَ، وَعَاشَ بَيْتُ النُّبُوَّةِ شَهْرًا كَامِلًا تَحْتَ سِيَاطِ الْأَلَمِ، وَالِانْتِظَارِ، وَالْوَحْيُ قَدْ أَمْسَكَ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
ولَكِنَّ الرَّحْمَنَ (جَلَّ جَلَالُهُ) لَا يَرْضَى لِأَوْلِيَائِهِ الْمَذَلَّةَ؛ فَانْقَشَعَتِ الْغُمَّةُ، بِآيَاتٍ تَتَنَزَّلُ، تَهْتَزُّ لَهَا مَنَابِرُ الْحَقِّ، لَيْسَتْ فَقَطْ لِتُبَرِّئَ عَائِشَةَ، بَلْ لِتَجْعَلَهَا مَقَامًا سَامِيًا، فتُتْلَى بَرَاءَتُهُ فِي الْمَحَارِيبِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
فَقَالَ الله تَعَالَى لِلْبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا: كَيْفَ تَظُنُّونَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى، الَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَطْهَرَ الْبَشَرِ، يَرْضَى لَهُ زَوْجَةً غَيْرَ طَيِّبَةٍ؟!، إِنَّ هَذَا لَا يَكُونُ فِي قَانُونِ اللهِ الْعَادِلِ؛ (فَالطَّيِّبُونَ لَا يَكُونُونَ إِلَّا لِلطَّيِّبَاتِ). قال تعالى: (وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (26) النور.
وَمِنْ هُنَا نَقِفُ مَعَ الْمَقْصُودِ بِالْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثَاتِ، وَالطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبَاتِ؛ فَالْخَبِيثَاتُ مِنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَالصِّفَاتِ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِالْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالْخَبِيثُونَ مِنَ النَّاسِ لَا يَصْدُرُ عَنْهُمْ إِلَّا الْخَبِيثُ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَكَذَلِكَ الشَّأْنُ فِي النِّكَاحِ؛ فَالْخَبِيثُ لَا يَرْضَى بِطَبْعِهِ إِلَّا بِمَنْ تُشَابِهُهُ فِي خُبْثِهَا.
وَفِي الْمُقَابِلِ: فَإِنَّ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الْأَقْوَالِ الزَّاكِيَةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالصِّفَاتِ الْحَمِيدَةِ لَا تَصْدُرُ إِلَّا عَنِ الطَّيِّبِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَلَا يَرْضَى الطَّيِّبُ إِلَّا بِالْقَرِينَةِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي تُشَابِهُهُ فِي عِفَّتِهَا وَأَخْلَاقِهَا. وَإِنَّمَا جَعَلَ اللهُ تَعَالَى هَذَا التَّمَايُزَ لِتَكُونَ الْبُيُوتُ مَبْنِيَّةً عَلَى الِانْسِجَامِ، وَلِيَحْمِيَ أَوْلِيَاءَهُ الطَّيِّبِينَ مِنْ كَيْدِ الْخَبِيثِينَ؛ فَالْمَاءُ لَا يَخْتَلِطُ بِالزَّيْتِ، وَالنُّورُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ الظَّلَامِ، وَالنَّفْسُ الطَّيِّبَةُ تَنْفِرُ تِلْقَائِيًّا مِنْ كُلِّ خَبِيثٍ، وَتَأْوِي إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاحِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (الطَّـيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ )
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وانْظُرُوا إِلَى جَزَاءِ هَؤُلَاءِ الطَّيِّبِينَ الَّذِينَ حَفِظُوا أَنْفُسَهُمْ؛ حَيْثُ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾. وَهَذِهِ لَفْتَةٌ بَيَانِيَّةٌ غَايَةٌ فِي الرَّوْعَةِ؛ فَالْآيَةُ لَمْ تَقُلْ “مُبَرَّأُونَ مِنَ الْفِعْلِ” فَقَطْ، بَلْ قَالَتْ ﴿مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ لَهُمْ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ؛ أَيْ أَنَّ صَاحِبَ الْقَلْبِ الطَّيِّبِ وَالْعِرْضِ الطَّاهِرِ هُوَ فِي عَيْنِ الرَّعَايَةِ الرَّبَّانِيَّةِ، مَحْمِيٌّ بِحِمَايَةِ اللهِ، مَعْصُومٌ مِنَ الْأَقَاوِيلِ الْبَاطِلَةِ، وَإِنْ تَكَلَّمَ فِيهِ أَهْلُ الْخُبْثِ وَتَنَاوَلُوهُ بِالْأَلْسِنَةِ الْحِدَادِ، فَإِنَّ اللهَ يَجْعَلُ كَلَامَهُمْ رَمَادًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ، وَيُبْقِي طَهَارَةَ عَبْدِهِ نَاصِعَةً كَالشَّمْسِ فِي رَابِعَةِ النَّهَارِ.
ثُمَّ يَتَجَلَّى ثَوَابُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾: تَمْحُو كُلَّ هَمٍّ، وَتَسْتُرُ كُلَّ ذَنْبٍ، وَتَضَعُ عَنْهُمْ أَوْزَارَ الْبَشَرِيَّةِ. ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: وَالرِّزْقُ الْكَرِيمُ: هُوَ الَّذِي يَأْتِي بِلَا ذِلَّةٍ وَلَا مَهَانَةٍ؛ فَفِي الدُّنْيَا: هُوَ الْقَنَاعَةُ، وَحُسْنُ الثَّنَاءِ، وَالْبَيْتُ الطَّاهِرُ، وَفِي الْآخِرَةِ: هُوَ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ الَّتِي لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ
فمَا هِيَ الرِّسَالَةُ الَّتِي تُرِيدُ هَذِهِ الْآيَةُ أَنْ تُوصِلَهَا إِلَى قُلُوبِنَا الْيَوْمَ؟: إِنَّهَا تَبْعَثُ بِرِسَالَتَيْنِ: الرِّسَالَةُ الْأُولَى: إِلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ يَسْعَى لِلطَّهَارَةِ: عليه أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَطْيِيبِ مَعْدِنِهِ؛ فَطَيِّبْ مَطْعَمَكَ يَكُنْ كَسْبُكَ طَيِّبًا، وَطَيِّبْ لِسَانَكَ فَلَا تَخُضْ فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ، وَلَا تَنْقُلِ الشَّائِعَاتِ، وَلَا تَكُنْ مِنَ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِانْتِشَارِ السُّوءِ بَيْنَ النَّاسِ، وإِذَا سَمِعْتَ سُوءًا عَنْ أَخِيكَ أَوْ أُخْتِكَ، فَطَيِّبْ ظَنَّكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ ﴾ النور:(12).
الرِّسَالَةُ الثَّانِيَةُ: تَحْذِيرٌ صَارِمٌ لِأَهْلِ الْخُبْثِ: أُولَئِكَ الَّذِينَ جَعَلُوا هَمَّهُمْ تَقَفِّيَ الْعَوْرَاتِ، وَتَدْنِيسَ السُّمْعَاتِ، وَأَكْلَ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ؛ إِنَّكُمْ تَعْمَلُونَ فِي دَائِرَةِ الْخُبْثِ، وَالْخَبِيثُ مَصِيرُهُ إِلَى التَّرَاكُمِ، ثُمَّ الْإِلْقَاءِ فِي جَهَنَّمَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الانفال:37.
فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَاطْلُبُوا مَنَازِلَ الطَّيِّبِينَ، وَطَهِّرُوا بُيُوتَكُمْ وَأَلْسِنَتَكُمْ وَقُلُوبَكُمْ، لِتَكُونُوا مِمَّنْ تَسْتَقْبِلُهُمُ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ لِقَاءِ اللهِ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ النحل: (32).
الدُّعَاءُ
