خطبة عن حديث (سَأَلْتُ النَّبِيَّ أَنْ يَشْفَعَ لِي)
يونيو 15, 2026الخُطْبَةُ الأُولَىٰ عَنْ: (شَهْرِ اللَّهِ المُحَرَّمِ وَيَوْمِ عَاشُورَاءَ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
رُوي في الصحيحين: (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ « إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلاَثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ شَهْرُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
نَسْتَقْبِلُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَىٰ عَامًا هِجْرِيًّا جَدِيدًا، نَسْتَفْتِحُ أَيَّامَهُ بِشَهْرٍ عَظِيمٍ، شَرَّفَهُ اللَّهُ وَعَظَّمَهُ، وَأَضَافَهُ إِلَىٰ نَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ إِجْلَالًا لِمَقَامِهِ، إِنَّهُ شَهْرُ اللَّهِ المـُحَرَّمُ.
هَٰذَا الشَّهْرُ الَّذِي يَقِفُ فِيهِ المُؤْمِنُ مُعَظِّمًا لِشَعَائِرِ اللَّهِ، مُتَدَبِّرًا لِسُنَنِهِ، فِي نَصْرِ أَوْلِيَائِهِ، وَخَذْلَانِ أَعْدَائِهِ.
وَإِنَّ مِنْ الهدى أَنْ أُبَيِّنَ لَكُمُ الحَقَّ الكَامِلَ فِي فَضَائِلِ هَٰذَا الزَّمَانِ، تَمَسُّكًا بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَنَبْذًا لِكُلِّ مَحْدَثَةٍ أُلْصِقَتْ بِالدِّينِ.
وإِنَّ أَوَّلَ فَضَائِلِ هَٰذَا الشَّهْرِ: أَنَّهُ أَحَدُ الأَشْهُرِ الحُرُمِ الأَرْبَعَةِ، الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ فِيهَا الظُّلْمَ، وَجَعَلَ ارْتِكَابَ المَعَاصِي فِيهَا أَعْظَمَ جُرْمًا مِنْ غَيْرِهَا؛ يَقُولُ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلَمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:36].
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: (مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَىٰ وَشَعْبَانَ»
وَقَدْ خَصَّ النَّبِيُّ ﷺ هَٰذَا الشَّهْرَ بِفَضِيلَةِ الصِّيَامِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» [صحيح مسلم].
فَالِاجْتِهَادُ فِى الصِّيَامِ فِي هَٰذَا الشَّهْرِ هُوَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، تَرْفَعُ دَرَجَاتِ العَبْدِ عِنْدَ مَوْلَاهُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَفِي قَلْبِ هَٰذَا الشَّهْرِ المُبَارَكِ، يَقَعُ يَوْمٌ مَشْهُودٌ، نَصَرَ اللَّهُ فِيهِ طَائِفَةَ الإِيمَانِ عَلَىٰ طَاغِيَةِ الزَّمَانِ، إِنَّهُ “يَوْمُ عَاشُورَاءَ”؛ اليَوْمُ العَاشِرُ مِنْ شَهْرِ المـُحَرَّمِ.
هَٰذَا اليَوْمُ الَّذِي أَغْرَقَ اللَّهُ فِيهِ فِرْعَوْنَ وَجُنُودَهُ، وَنَجَّىٰ مُوسَىٰ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) وَقَوْمَهُ؛ فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: «مَا هَٰذَا؟»، قَالُوا: هَٰذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَٰذَا يَوْمٌ نَجَّى اللَّهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَىٰ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَىٰ مِنْكُمْ»، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ) [صحيح البخاري مسلم].
وَإِنَّ لِصِيَامِ هَٰذَا اليَوْمِ أَجْرًا كَبِيرًا، يُبَرْهِنُ عَلَىٰ سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ بِعِبَادِهِ؛ فَقَدْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ فَقَالَ: «يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ» [صحيح مسلم].
وَلِكَمَالِ المُخَالَفَةِ لِأَهْلِ الكِتَابِ، سَنَّ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ صِيَامَ يَوْمٍ قَبْلَهُ؛ حَيْثُ قَالَ النَّبِيِّ ﷺ: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَىٰ قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» [صحيح مسلم]. فَعَقِيدَتُنَا وَشَرِيعَتُنَا عَمَلٌ وَاتِّبَاعٌ، وَفَرَحٌ بِنَصْرِ اللَّهِ لِلْأَنْبِيَاءِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَٰذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ: (شَهْرِ اللَّهِ المُحَرَّمِ وَيَوْمِ عَاشُورَاءَ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ كَمَا أَنَّهُ يَوْمُ نَصْرٍ لِمُوسَىٰ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، فَقَدْ قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَىٰ فِي مَقَادِيرِهِ، أَنْ يَقَعَ فِيهِ حَدَثٌ جَلَلٌ فِى تَارِيخِ الأُمَّةِ؛ وَهُوَ اسْتِشْهَادُ سِبْطِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرَيْحَانَتِهِ مِنَ الدُّنْيَا، سَيِّدِ شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ (الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا)، وذلك حِينَ قُتِلَ مَظْلُومًا شَهِيدًا فِي كَرْبَلَاءَ سَنَةَ إِحْدَىٰ وَسِتِّينَ لِلْهِجْرَةِ.
وَهَٰذَا الخَطْبُ العَظِيمُ قَدْ حَرَّكَ الشَّيْطَانُ بِسَبَبِهِ طَائِفَتَيْنِ ضَالَّتَيْنِ، انْحَرَفَتَا عَنِ الجَادَّةِ، وَأَحْدَثَتَا فِي هَٰذَا اليَوْمِ بِدَعًا، لَيْسَتْ مِنَ الإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ.
الطَّائِفَةُ أُولَىٰ هُمُ (الرَّوَافِضُ)؛ الَّذِينَ جَعَلُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ مَأْتَمًا لِلْحُزْنِ، وَالعَوِيلِ، وَلَطْمِ الخُدُودِ، وَشَقِّ الجُيُوبِ، وَضَرْبِ الأَجْسَادِ بِالسَّلَاسِلِ وَالسُّيُوفِ، وَسَبِّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ! وَكُلُّ هَٰذَا مُحَرَّمٌ بِإِجْمَاعِ المُسْلِمِينَ؛ فَقَدْ رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» [صحيح البخاري مسلم]. وَالإِسْلَامُ لَا يَعْرِفُ مَآتِمَ دَائِرَةً، تَتَكَرَّرُ مَعَ السِّنِينَ، فَالصَّبْرُ عِنْدَ المُصِيبَةِ هُوَ الوَاجِبُ.
وَفِي المُقَابِلِ، ظَهَرَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَىٰ جَافِيَةٌ ضَالَّةٌ هُمُ (النَّوَاصِبُ)؛ الَّذِينَ نَصَبُوا العَدَاءَ لِآلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَابَلُوا بِدْعَةَ الرَّوَافِضِ بِبِدْعَةٍ مُقَابِلَةٍ!، حَيْثُ جَعَلُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ يَوْمَ عِيدٍ، وَفَرَحٍ، وَتَوْسِعَةٍ عَلَى العِيَالِ، وَخِضَابٍ، وَكُحْلٍ، وَطَبْخِ لِلْأَطْعِمَةِ الخَاصَّةِ شَمَاتَةً بِقَتْلِ الحُسَيْنِ!، وَكُلُّ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ فِي الكُحْلِ وَالِاغْتِسَالِ وَالتَّوْسِعَةِ فِي هَٰذَا اليَوْمِ هِيَ أَحَادِيثُ مَوْضُوعَةٌ مَكْذُوبَةٌ، لَمْ يَصِحَّ مِنْهَا شَيْءٌ، بِإِجْمَاعِ عُلَمَاءِ الحَدِيثِ، كَمَا نَصَّ عَلَىٰ ذَٰلِكَ (شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي مَجْمُوعِ الفَتَاوَىٰ).
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
فَمَا هِيَ عَقِيدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فِيمَا يَحْدُثُ؟: عَقِيدَتُنَا هِيَ الوَسَطُ العَدْلُ، بَيْنِ غُلُوِّ الرَّوَافِضِ، وَجَفَاءِ النَّاوَصِبِ؛
نَحْنُ نَصُومُ هذا اليَوْمَ لِلَّهِ تَعَالَىٰ شُكْرًا عَلَىٰ نَجَاةِ مُوسَىٰ، كَمَا أَمَرَنَا رَسُولُنَا ﷺ، وَفِي نَفْسِ الوَقْتِ، نَحْزَنُ لِقَتْلِ الحُسَيْنِ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، وَنَعْتَقِدُ أَنَّ قَتْلَهُ كَانَ جَرِيمَةً نَكْرَاءَ، وَأَنَّهُ مَاتَ شَهِيدًا سَعِيدًا رَفَعَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتِهِ،
وَنحن نَتَوَلَّىٰ آلَ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَنُحِبُّهُمْ، وَلَٰكِنَّنَا لَا نُحْدِثُ فِي دِينِ اللَّهِ مَأْتَمًا، وَلَا عِيدًا، فلَا نَلْطِمُ وَلَا نَكْتَحِلُ، لَا نَبْكِي بِالجَاهِلِيَّةِ، وَلَا نَفْرَحُ بِالشَّمَاتَةِ، فمَذْهَبُنَا هُوَ الِاتِّبَاعُ الصَّافِي لِلصَّحَابَةِ الكِرَامِ.
ألا فَصُومُوا يَوْمَكُمْ، وَاحْفَظُوا دِينَكُمْ مِنَ الخُرَافَاتِ، وَاثْبُتُوا عَلَىٰ السُّنَّةِ البَيْضَاءِ.
الدُّعَاءُ
