خطبة عن (أَيْنَ الْمَعْرُوفُ فِي حَيَاتِنَا؟!)
يونيو 25, 2026خطبة عن (احْذَرُوا أَنْ تَكُونُوا مِنَ الْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا)
يونيو 27, 2026الخطبة الأولى ( إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ)
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
روى الإمام مسلم في صحيحه : (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ :قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :« إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ ».
إخوة الإسلام
لقاؤنا اليوم -إن شاء الله تعالى- مع هذا الأدب النبوي الكريم ،والذي يبين لنا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن : (أنَّ اللَّهَ يَغَارُ ،وَأنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ ،وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ) ، والغيرة : مُشْتَقَّة مِنْ تَغَيُّر الْقَلْب ،وَهَيَجَان الْغَضَب ،بِسَبَبِ الْمُشَارَكَة فِيمَا بِهِ الِاخْتِصَاص، وَأَشَدّ مَا يَكُون ذَلِكَ بَيْن الزَّوْجَيْنِ، هَذَا فِي حَقّ الْآدَمِيّ ،وقال النووي: (الْغَيْرَة أَصْلهَا الْمَنْع وَالرَّجُل غَيُور عَلَى أَهْله أَيْ يَمْنَعهُمْ مِنْ التَّعَلُّق بِأَجْنَبِيٍّ بِنَظَرٍ أَوْ حَدِيث أَوْ غَيْره، وَالْغَيْرَة المحمودة صِفَة كَمَالِ) ، كما بين العلماء أن الغيرة على قسمين : (غيرة محمودة ،وغيرة مذمومة) وعلى المسلم أن يكون معتدلا في غيرته ،فلا افراط ولا تفريط ، فالتوسط في الغيرة والاعتدال فيها: هو أن لا يتغافل عن مبادئ الأمور التي تُخشى غوائلها، ولا يبالغ في إساءة الظن والتعنت وتجسس البواطن، وقد قال الإمام علي -رضي الله عنه-: “لا تكثر الغيرة على أهلك فترمي بالسوء من أجلك”، وأما الغيرة التي تكون في محلها فلا بد منها وهي المحمودة، ففي الصحيحين واللفظ لمسلم 🙁عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ :قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ : لَوْ رَأَيْتُ رَجُلاً مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفِحٍ عَنْهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ « أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ فَوَاللَّهِ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ ،وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي ،مِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ،وَلاَ شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ ،وَلاَ شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ ،مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ الْمُرْسَلِينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ،وَلاَ شَخْصَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ ،مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ »، وفي الصحيحين : (أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه – قَالَ بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – إِذْ قَالَ :« بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ ، فَقُلْتُ لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ فَقَالُوا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ،فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ ،فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا » .فَبَكَى عُمَرُ وَقَالَ: أَعَلَيْكَ أَغَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ)، وكان الحسن رضي الله عنه يقول: أتدعون نساءكم ليزاحمن العلوج في الأسواق قبح الله من لا يغار) ،والشخص الذي لا يغار فهو منكوس القلب، والنبي ﷺ لما رأى في بعض غير أولي الأربة وصفاً للنساء منعهم من الدخول ،ففي الصحيحين : (عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – كَانَ عِنْدَهَا وَفِى الْبَيْتِ مُخَنَّثٌ ، فَقَالَ الْمُخَنَّثُ لأَخِي أُمِّ سَلَمَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ : إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الطَّائِفَ غَدًا أَدُلُّكَ عَلَى ابْنَةِ غَيْلاَنَ ، فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ . فَقَالَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – « لاَ يَدْخُلَنَّ هَذَا عَلَيْكُنَّ »
أيها المسلمون
فالغيرة المحمودة صفة كريمة ،وهي من الغرائز البشرية التي أودعها الله في الإنسان، وهي من مقاصد الشريعة، ولو تسامح الناس بذلك لاختلطت الأنساب، ولذا قيل: كل أمة وضعت الغيرة في رجالها ،وضعت الصيانة في نسائها ،لهذا فقد اعتبر الشارع أن من قتل في سبيل الدفاع عن عرضه شهيداً ، ففي سنن الترمذي : (عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ »، ومن لا يغار على أهله ومحارمه يسمى ديوثاً، والدياثة من الرذائل التي ورد فيها وعيد شديد ،وهي من كبائر الذنوب ،ففي سنن البيهقي : (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- :« إِنَّ الْغَيْرَةَ مِنَ الإِيمَانِ وَإِنَّ الْمِذَاءَ مِنَ النِّفَاقِ وَالْمِذَاءُ الدَّيُّوثُ ».
وينقسم الناس في غيرتهم إلى أقسام : الأول : قوم لا يغارون على حرمات الله بحال ،وذلك مثل أهل الإباحة ،الذين لا يحرمون ما حرم الله ورسوله ،ولا يدينون دين الحق ،ومنهم من يجعل ذلك سلوكا وطريقا، قال الله تعالى : ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [ الأعراف: 28 ].، الثاني : قوم يغارون مما يكرهه الله ،ويحبون ما يحبه الله: وهؤلاء هم أهل الإيمان ،
وأقدم لكم نماذج للغيرة الشرعية المحمودة ،ونبدأها بغيرة الله تبارك وتعالى : فالله تعالى غيور ، وغيرته سبحانه أن تنتهك محارمه ،ففي الصحيحين واللفظ للبخاري : (عَنْ عَائِشَةَ – رضي الله عنها – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ « يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ مَا أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَرَى عَبْدَهُ أَوْ أَمَتَهُ تَزْنِي) ، وغيرة الله صفة من صفاته تعالى، نثبتها له كما يليق بجلاله وعظمته، فأهل السنة والجماعة في آيات وأحاديثِ الصفاتِ يثبتونها لله – سبحانه وتعالى – علي الوجه اللائق به، ويقولون: إنَّ الله يغار ،لكن ليستْ كغَيرةِ المخلوقِ، وإنَّ الله يفرحُ ،ولكن ليس كفرحِ المخلوق، وإنَّ الله – سبحانه وتعالى – له من الصفات الكاملةِ ما يليق به، ولا تُشبه صفاتِ المخلوقين ، قال الله تعالى :﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11]. ،والله تعالى يغار أن يشرك به ،فالله -تبارك وتعالى- قد أمر عباده بالتوحيد، ونهاهم عن أعظم جرم وأكبر جناية وأقبحها، وهي الإشراك بالله -تبارك وتعالى، لأن ذلك يحصل فيه شكر غير المنعم، وعبادة غير المنعم، فالله تعالى الذي أولانا، وأعطانا، وأكرمنا ينبغي أن نعبّد قلوبنا وجوارحنا له -تبارك وتعالى- وحده لا شريك، فإذا توجه العبد بشيء من عمله إلى غير المنعم ،فشكَرَه وعبده من دون الله -تبارك وتعالى- فإن ذلك هو أعظم جرم، وأعظم جناية على الإطلاق، ولهذا قال الله تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) [لقمان:13]، فالله تعالى يغار على عبده أن يعبد غيره، وأن يتوجه إلى غيره بتذليل نفسه وتعبيدها له، سواء كان ذلك بعبادته عبادة مباشرة كالركوع والسجود والصوم والذبح، أو كان ذلك بتعلق القلب، فإن الله يغار على قلب عبده المؤمن أن يتوجه إلى غيره، وأن يشتغل بغيره، وأن يمتلئ بحب غيره محبة تزاحم محبة الله تعالى في هذا القلب
ولأن الله تعالى يغار أن تنتهك حرماته ، ومن أجل أن يكون المجتمع المسلم نظيفا، فقد أمر الإسلام بعدد من الأوامر والنواهي، ليحفظ هذا المجتمع طاهرا نقيا، وتصبح مظاهر الغيرة فيه جلية واضحة، ومنها : أن الله تعالى فرض على المسلمات ستر مفاتنهن وعدم إبداء زينتهن: يقول الله عز و جل: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾، إلى قوله: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: 30]؛ وقال الله تعالى : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: 33].، كما حرم الإسلام الدخول على النساء لغير محارمهن، وحرم الخلوة بهن، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ» فقال رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ الله أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قال: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ»، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ وَلَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» فَقَامَ رَجُلٌ فقال يَا رَسُولَ الله إِنَّ امْرَأَتِي خَرَجَتْ حَاجَّةً وَإِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا قال: «انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» ،كما أوصى الاسلام بالحياء: وقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «الْحَيَاءَ مِنْ الْإِيمَانِ» . وقال: «الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ» ،وحض على حماية الأعراض: حتى جعل من قتل فداء للعرض شهيدا، كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» ، وأمر بغض البصر: قال الله عز و جل: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور:30-31].، وأمر المرأة بعدم الخضوع بالصوت، ولين الكلام ،لئلا يطمع أهل الخنى فيهن ،قال الله عز و جل: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: 32].
أيها المسلمون
ومن الغيرة اللازمة للمسلم : الغيرة على شريعة الله ودينه ،وهي غيرة واجبة ،يتقرب بها العبد إلى الله، وقد ضيعها اليوم الكثير من المسلمين، فترى دين الله ينتهك في المجالس ،وآياته يكفر بها ،ويستهزأ بها ،ولا تجد في المجلس من يغار لله فيرد، ويدافع عن شريعته ويغضب لله تعالى
وإذا ذكرت الغيرة ،فلابد أن نذكر غيرة النبي صلى الله عليه وسلم : فقد كان صلى الله عليه وسلم أغير الناس على حرمات الله تعالى ،ويتبين لنا ذلك من خلال قوله صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم : « أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ فَوَاللَّهِ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي) ،وفي صحيح مسلم : (عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلاً كَانَ يُتَّهَمُ بِأُمِّ وَلَدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِعَلِىٍّ « اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ ». فَأَتَاهُ عَلِىٌّ فَإِذَا هُوَ فِي رَكِيٍّ يَتَبَرَّدُ فِيهَا فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ اخْرُجْ. فَنَاوَلَهُ يَدَهُ فَأَخْرَجَهُ فَإِذَا هُوَ مَجْبُوبٌ لَيْسَ لَهُ ذَكَرٌ فَكَفَّ عَلِيٌّ عَنْهُ ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَمَجْبُوبٌ مَا لَهُ ذَكَرٌ).
ومن صور الغيرة المحمودة : غيرة الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ، فقد كان يغار غيرة عظيمة، والنبي ﷺ أخبره أنه رأى له قصراً في الجنة وعنده جارية له فلم يدخله مما عرف من غيرته ،وهذا الصحابي العظيم غار من أجل زوجات النبي ﷺ قبل نزول آية الحجاب، ففي الصحيحين واللفظ للبخاري : (عَنْ أَنَسٍ قَالَ :قَالَ عُمَرُ وَافَقْتُ اللَّهَ فِي ثَلاَثٍ – أَوْ وَافَقَنِي رَبِّى فِي ثَلاَثٍ – .. وَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ) ،وفي الصحيحين : (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَزْوَاجَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى الْمَنَاصِعِ وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- احْجُبْ نِسَاءَكَ. فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَفْعَلُ فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي عِشَاءً وَكَانَتِ امْرَأَةً طَوِيلَةً فَنَادَاهَا عُمَرُ أَلاَ قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ. حِرْصًا عَلَى أَنْ يُنْزِلَ الْحِجَابَ. قَالَتْ عَائِشَةُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْحِجَابَ) .
ومن الغيرة المحمودة : غيرة الرجل على زوجته ،فلا ينظر إلى مفاتنها أجنبي ،ولا يخلو بها غير محارمها ،ولا يشم ريحها ولا يرى زينتها غيره ،ومن كان على غير ذلك فقد فقد الغيرة على أهله ،ومن المعلوم أيضا أن غيرة الزوجة من الأمور الفطرية الموجودة عندها في غريزتها، ولذلك كان لا بد للزوج أن يتحمل غيرة زوجته التي قد تطغى فتتجاوز الحد، وأن يعذرها لأجل ما ركب فيها من هذا الطبع، وقد تحمل النبي ﷺ من غيرة نسائه ما تحمل، ففي صحيح البخاري : (عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ ، فَضَرَبَتِ الَّتِي النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ فَسَقَطَتِ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ – صلى الله عليه وسلم – فِلَقَ الصَّحْفَةِ ، ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِى كَانَ فِي الصَّحْفَةِ وَيَقُولُ « غَارَتْ أُمُّكُمْ » ، ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ حَتَّى أُتِىَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا ، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا ، وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ)
أقول قولي وأستغفر الله لي ولكم
الخطبة الثانية ( إِنَّ اللَّهَ يَغَارُ وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ)
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
ومن الملاحظ أن الغيرة قد ضعفت في هذا الزمان ،ومن مظاهر ضعف الغيرة في هذا الزمان : أن تساهل الكثير من الرجال في ركوب نسائهم متبرجات متعطرات مع السائقين، أو سيارة الأجرة بلا محرم، أو يسافرن بدون محرم ، كما تساهل بعض الرجال في ذهاب نسائه إلى الطبيب الرجل ليكشف على عوراتهن مع وجود طبيبة أنثى، وكذا تصوير النساء في الأعراس، وتنتقل هذه الصور بين الرجال والنساء، فتنكشف العروس للرجال الأجانب ، وانتشار الألبسة الفاضحة في أوساط النساء ،وما يحدث في بعض المجتمعات والأسر من اختلاط الأقارب: وعدم احتجاب المرأة عن أقارب زوجها ،
ومن أسباب ضعف الغيرة في مجتمعات المسلمين :المعاصي: فالإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعاصي، وبقدر إيمان العبد تكون غيرته وتعظيمه حرمات ربه، ومثل المعصية والغيرة كمثل الماء والنار، فكلما هاجت أمواج المعصية خبت نار الغيرة في القلب ، والغزو الفكري بوسائله المتعددة: فقد انخدع كثير من المسلمين بحضارة الغرب فأملى لهم الشيطان أن لا حضارة ولا تقدم إلا بنقل أنماط الحياة الغربية على كافة المجالات إلى المجتمعات الإسلامية، ويؤيدهم في هذا ما تسعى إليه الأمم الكافرة من عولمة المجتمعات على الطريقة الغربية ،
ومن أسباب ضعف الغيرة :ضعف قوامة الرجل: سواء نتيجة ضعف شخصيته، أو نتيجة حبه المفرط لأهله والذي يضعف سلطته عليهم ويقويهم عليه، فيكون الأمر والنهي بيد المرأة، وسواء كان ذلك في حق الزوجة أو البنت ،
ومن أسباب ضعف الغيرة :اعتبار الغيرة جزءا من التقاليد والعادات لا من الشرع والإيمان: وهذا يجعلها قابلة للتغير لا سيما مع طول الأمد وتغير أحوال الناس، وفي سنن البيهقي : (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- :« إِنَّ الْغَيْرَةَ مِنَ الإِيمَانِ وَإِنَّ الْمِذَاءَ مِنَ النِّفَاقِ وَالْمِذَاءُ الدَّيُّوثُ».
الدعاء
