خطبة عن (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَيَّامِ لَعِبْرَةً)
يونيو 17, 2026الخطبة الأولى (كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
روى البخاري في صحيحه: (عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ»، وفي الصحيحين: (سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الْبِتْعِ فَقَالَ «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ».
إخوة الإسلام
إِنَّ الحَدِيثَ عَنْ مَخَاطِرِ (المُسْكِرَاتِ وَالمُخَدِّرَاتِ) فِي زَمَنِنَا هَٰذَا لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ وَعْظٍ تَقْلِيدِيٍّ، بَلْ هُوَ “مَعْرَكَةُ دِفَاعٍ عَنْ كِيَانِ الأُمَّةِ، وَعُقُولِ شَبَابِهَا”؛ إِذْ نُوَاجِهُ اليَوْمَ حَرْبًا مُسْتَعِرَةً، غَايَتُهَا هَدْمُ القُوَّةِ البَشَرِيَّةِ لِلْإِسْلَامِ، عَبْرَ أَنْوَاعٍ مُسْتَحْدَثَةٍ مِنَ السُّمُومِ، الَّتِي تُذْهِبُ العَقْلَ، وَتُدَمِّرُ النَّفْسَ.
وبداية: فاللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ كَرَّمَ بَنِي آدَمَ، وَفَضَّلَهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا، وَجَعَلَ أَعْظَمَ نِعْمَةٍ نَفِيسَةٍ يَتَمَيَّزُ بِهَا الإِنْسَانُ عَنِ البَهَائِمِ هِيَ نِعْمَةُ (العَقْلِ).
وَمِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ، جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ الإِسْلَامِيَّةُ الغَرَّاءُ بِكُلِّيَّاتٍ خَمْسٍ، جَعَلَتْ حِفْظَهَا ضَرُورَةً لَا يقْبَلُ التَّفْرِيطُ فِيهَا، وَعَلَىٰ رَأْسِهَا “حِفْظُ العَقْلِ”.
وَمِنْ هُنَا، نَقِفُ اليَوْمَ مَعَ صَيْحَةِ نَذِيرٍ، وَمَعَ جَامِعِ كَلِمِ النَّبِيِّ ﷺ، الَّذِي وَضَعَ فِيهِ دُسْتُورًا صَارِمًا، لِحِمَايَةِ المُجْتَمَعَاتِ مِنْ خَطَرِ المُسْكِرَاتِ، وَالمُخَدِّرَاتِ؛ فَعُنْوَانُ خُطْبَتِنَا هُوَ قَوْلُ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وبداية: لِنَقِف أَوَّلًا مَعَ “شَرْحِ هَٰذَا الحَدِيثِ العَظِيمِ” الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ». وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا، سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ “الْبِتْعِ” – وَهُوَ نَبِيذُ العَسَلِ الَّذِي كَانَ يَشْرَبُهُ أَهْلُ اليَمَنِ – فَقَالَ ﷺ بِمِنْهَجِهِ الكُلِّيِّ الحَاسِمِ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ»
فالعِبَارَة النَّبَوِيَّة المـُعْجِزَة: ﴿كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ﴾، فِيهَا قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ، تَعْنِي: أَنَّ العِبْرَةَ لَيْسَتْ بِالأَسْمَاءِ، وَلَا بِأَشْكَالِ القَوَارِيرِ، وَلَا بِأَنْوَاعِ الصَّنَائِعِ؛ فَمَا دَامَتِ المَادَّةُ تَطْمِسُ العَقْلَ، وَتُغَيِّبُ الإِدْرَاكَ، فَهِيَ خَمْرٌ مُحَرَّمَةٌ مَلْعُونَةٌ، سِوَاءٌ سُمِّيَتْ بِتْعًا، أَوْ خَمْرًا، أَوْ سُمِّيَتْ فِي زَمَنِنَا هَٰذَا بِأَسْمَاءِ الحُبُوبِ، وَالمـُخَدِّرَاتِ التَّخْلِيقِيَّةِ الشَّيْطَانِيَّةِ: كَـ “الشَّابُو” وَ”الكَبْتَاجُونِ” وَغَيْرِهَا، فكُلُّ ذَٰلِكَ يَدْخُلُ تَحْتَ سَيْفِ التَّحْرِيمِ النَّبَوِيِّ، لِأَنَّ العِلَّةَ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ إِفْسَادُ العَقْلِ، الَّذِي هُوَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
ومِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ: أَنَّ مُشْكِلَةَ تَعَاطِي المُسْكِرَاتِ وَالمُخَدَّرَاتِ بِأَنْوَاعِهَا المُخْتَلِفَةِ، قَدْ أَصْبَحَتْ مِنْ كُبْرَيَاتِ المَشَاكِلِ الخَطِرَةِ، الَّتِي تُهَدِّدُ كِيَانَ الأُمَّةِ الِاسْتِرَاتِيجِيَّ.
وَإِنَّ لَبِيبَ القَوْمِ، يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ عِلْمَ اليَقِينِ: أَنَّ “أَعْدَاءَنَا لَهُمْ دَوْرٌ خَبِيثٌ فِي تَرْوِيجِهَا”؛ إِذْ لَدَيْهِمْ مُخَطَّطٌ مَدْرُوسٌ، تَقُودُهُ عِصَابَاتٌ دُوَلِيَّةٌ، لِتَدْمِيرِ شَبَابِ المُسْلِمِينَ.
فلَقَدْ عَلِمَ الأَعْدَاءُ، أَنَّهُمْ لَنْ يَنَالُوا مِنْ جِيلٍ يَرْكَعُ لِلَّهِ فِى المَحَارِيبِ، وَيَحْمِلُ عُلُومَ الرِّيَادَةِ، فَعَمَدُوا إِلَىٰ ضَرْبِهِ فِي أَعَزِّ مَا يَمْلِكُ، وَهُوَ عَقْلُهُ؛ لِيُحَوِّلُوا شَبَابَنَا إِلَىٰ قِطْعَانٍ ضَائِعَةٍ، تَلْهَثُ خَلْفَ الوَهْمِ، وَتَعِيشُ عَالَةً عَلَىٰ غَيْرِهَا، فَتَسْقُطَ الأُمَّةُ بِلَا عَنَاءٍ عَسْكَرِيٍّ.
وتَأَمَّلُوا – يَرعَاكُمُ اللَّهُ – كَيْفَ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ شُؤْمَ هَٰذِهِ المَادَّةِ المسكرة، حِينَ لَعَنَ فِيهَا (عَشَرَةً) ؛فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً: عَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَشَارِبَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَآكِلَ ثَمَنِهَا، وَالْمُشْتَرِيَ لَهَا، وَالْمُشْتَرَاةَ لَهُ» [سنن الترمذي].
فاِنْظُرُوا (لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً) كَيْفَ أَحَاطَتِ اللَّعْنَةُ الإِلَهِيَّةُ، بِشَبَكَةِ التَّرْوِيجِ، وَالتَّعَاطِي كُلِّهَا، لِأَنَّ الحَرْبَ عَلَىٰ العَقْلِ البَشَرِيِّ، هِيَ حَرْبٌ عَلَىٰ مَقَاصِدِ خَلْقِ اللَّهِ لِلْإِنْسَانِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَٰذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: (كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أما بعدُ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ
وإِنَّ النِّصْفَ الآخَرَ مِنْ هَٰذِهِ المَعْرَكَةِ يَقْتَضِي أَنْ نَقِفَ مَعَ “أَضْرَارِ المُسْكِرَاتِ وَالمُخَدِّرَاتِ” الَّتِي لَا تَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ.
أَمَّا عَلَىٰ مُسْتَوَىٰ (الفَرْدِ): فَهِيَ تَدْمِيرٌ لِصِحَّتِهِ، وَذَهَابٌ لِمُرُوءَتِهِ، وَسَلْبٌ لِإِرَادَتِهِ، حَتَّىٰ يُصْبِحَ المـُتَعَاطِي مُسْتَعْدًا لِارْتِكَابِ أَبْشَعِ الجَرَائِمِ، مِنْ أَجْلِ جُرْعَةٍ.
وَأَمَّا عَلَىٰ مُسْتَوَىٰ (الأُسْرَةِ): فَهِيَ خَرَابٌ لِلْبُيُوتِ، وَتَشْرِيدٌ لِلْأَبْنَاءِ، وَقَطْعٌ لِأَرْزَاقِ الزَّوْجَاتِ، وَتَحْوِيلُ بَيْتِ الأَمَانِ إِلَىٰ جَحِيمٍ مِنَ الخَوْفِ وَالفَضَائِحِ.
وَأَمَّا عَلَىٰ مُسْتَوَىٰ (المـُجْتَمَعِ): فَهِيَ نَشْرٌ لِلْقَتْلِ، وَالسَّرِقَةِ، وَخِيَانَةِ الأَمَانَاتِ، وَإِهْدَارٌ لِأَمْوَالِ الدَّوْلَةِ، فِي عِلَاجِ مَنْ أَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ؛ فَقَدْ قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) كَلِمَتَهُ المأثُورَةَ فِي الخَمْرِ: «اجْتَنِبُوا الْخَمْرَ فَإِنَّهَا أُمُّ الْخَبَائِثِ» [سنن النسائي].
وَلِأَجْلِ مُوَاجَهَةِ هَٰذَا السَّيْلِ العَرِمِ، فكَيْفَ نُوعِّي الشَّبَابَ بِخُطُورَةِ المُشْكِلَةِ؟، والجواب: نُوعِّيهِمْ بِإِعَادَةِ رَبْطِهِمْ بِمَسَاجِدِهِمْ، وَمَجَالِسِ العِلْمِ، وَمِلْءِ أَوْقَاتِ فَرَاغِهِمْ بِمَا يَنْفَعُهُمْ فِي دِينِهِمْ، وَدُنْيَاهُمْ، وَتَحْذِيرِهِمْ مِنْ “رُفَقَاءِ السُّوءِ”، الَّذِينَ هُمْ (خُطُوَاتُ الشَّيْطَانِ) الأُولَىٰ نَحْوِ الهَلَاكِ.
وَهُنَا يَبْرُزُ “دَوْرُ المُؤَسَّسَاتِ المـَعْنِيَّةِ”؛ فَالمَدْرَسَةُ، وَالجَامِعَةُ، وَأَجْهِزَةُ الإِعْلَامِ، وَالمـُؤَسَّسَاتُ الأَمْنِيَّةُ، كُلٌّ على ثَغْر، يَجِبُ أَنْ يَقُومَ بِوَاجِبِهِ فِى: التَّحْذِيرِ، وَضَبْطِ المـُهَرِّبِينَ، وَنَشْرِ الوَعْيِ الصِّحِّيِّ، وَالشَّرْعِيِّ،
مَعَ فَتْحِ “طُرُقِ العِلَاجِ”، المـَبْنِيَّةِ عَلَىٰ الرَّحْمَةِ وَالعِلْمِ؛ بِتَوْفِيرِ مَصَحَّاتِ التَّأْهِيلِ، الَّتِي تَتَعَامَلُ مَعَ المُدْمِنِ كَمَرِيضٍ، يَحْتَاجُ إِلَىٰ مَدِّ يَدِ العَوْنِ، لِيَنْتَشِلَهُ المُجْتَمَعُ مِنْ مُسْتَنْقَعِهِ، لَا كَمَجْرِمٍ يُنْبَذُ فَقَطْ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وإِنَّ المَسْؤُولِيَّةَ الكُبْرَىٰ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَىٰ تَقَعُ عَلَىٰ رَأْسِ مَنْظُومَةِ البُيُوتِ؛ وَهِيَ “مَسْؤُولِيَّةُ الوَالِدَيْنِ وَالمـُجْتَمَعِ”، فلَا يَجُوزُ لِلْأَبِ أَنْ يَعِيشَ غَافِلًا عَنْ أَبْنَائِهِ، ولَا يَعْلَمُ مَنْ يُصَاحِبُونَ، وَلَا أَيْنَ يَقْضُونَ لَيَالِيَهُمْ، وَلَا مَاذَا تَحْمِلُ هَوَاتِفُهُمْ!
فاِقْتَرِبُوا مِنْ أَبْنَائِكُمْ، صَادِقُوهُمْ، وَازْرَعُوا فِي نُفُوسِهِمْ رَقَابَةَ اللَّهِ؛ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ… وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [صحيح البخاري مسلم].
فَمَنْ فَرَّطَ فِي أَبْنَائِهِ، حَتَّىٰ افْتَرَسَتْهُمْ ذِئَابُ المُخَدِّرَاتِ، فَقَدْ خَانَ أَمَانَةَ اللَّهِ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي عُقُولِ شَبَابِكُمْ، وَتَكَّاتَفُوا، لِتَكُونَ مُجْتَمَعَاتُنَا نَقِيَّةً طَاهِرَةً، فَالخَاتِمَةُ لِلْمُتَّقِينَ.
الدُّعَاءُ
