خطبة عن حديث (لاَ تَفْتَحْهُ فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ)
يوليو 11, 2026الخطبة الأولى (سَبِيلُ السَّالِكِينَ وَدَلِيلُ الْـحَائِرِينَ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) (174)، (175) النساء، وقال الله تعالى: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (15) ،(16) المائدة، وروى الترمذي في سننه: (قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِىٍّ رضى الله عَنْهُمَا: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الْوِتْرِ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ وَقِنِى شَرَّ مَا قَضَيْتَ فَإِنَّكَ تَقْضِى وَلاَ يُقْضَى عَلَيْكَ وَإِنَّهُ لاَ يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ».
إخوة الإسلام
إن الله عزَّ وجلَّ يدُلُّ عباده، ويهديهم إلى طريق الرشاد، قال الله تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) الصف: (10): (13)،
فإِنَّ النَّفْسَ الْبَشَرِيَّةَ فِي تَقَلُّبَاتِ هَذِهِ الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَكَثْرَةِ فِتَنِهَا وَشُبُهَاتِهَا، كَثِيرًا مَا تُصَابُ بِالْـحَيْرَةِ وَالتَّشَتُّتِ، فَتَتَنَازَعُهَا الطُّرُقُ، وَتَتَشَابَهُ عَلَيْهَا السُّبُلُ، وَتَقِفُ عَاجِزَةً عَنْ مَعْرِفَةِ طَرِيقِ النَّجَاةِ الْـحَقِيقِيِّ… وَفِي وَسَطِ هَذَا الضَّبَابِ الدُّنْيَوِيِّ، يَأْتِي الْـبَيَانُ الرَّبَّانِيُّ، لِيُنِيرَ الظُّلُمَاتِ، وَيَهْدِيَ الْـحَائِرِينَ، وَيَرْسُمَ لِلْقَاصِدِينَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، لَا عِوَجَ فِيهِ؛ فَاللهُ جَلَّ جَلَالُهُ هُوَ الْـهَادِي، الَّذِي لَا رَشَادَ إِلَّا فِي طَاعَتِهِ، وَلَا طُمَأْنِينَةَ إِلَّا فِي الْأُنْسِ بِهِ، كَمَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ: “وَهِدَايَتُهُ وَدَلَالَتُهُ مِنْ مُقْتَضَى اسْمِهِ الْـهَادِي”، فَمَنِ اسْتَهْدَى بِاللهِ هَدَاهُ ،وَمَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ حَمَاهُ، وَمَنْ طَلَبَ مِنْهُ الدَّلَالَةَ، أَرْشَدَهُ إِلَى أَقْوَمِ طَرِيقٍ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَلَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَعْلَمُونَ أَنَّ التَّوْفِيقَ بِيَدِ اللهِ وَحْدَهُ، فَيَفْزَعُونَ إِلَيْهِ عِنْدَ اشْتِبَاكِ الْأُمُورِ؛ فَقَدْ رُوِيَ فِي الْأَثَرِ عَنِ الْإِمَامِ (أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ) أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ الْـبَلِيغِ، فَيَقُولَ: «قُلْ: يَا دَلِيلَ الْـحَيَارَى دُلَّنِي عَلَى طَرِيقِ الصَّادِقِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنْ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ».
فَإِذَا اسْتَقَرَّ هَذَا الْيَقِينُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ، انْقَشَعَتْ عَنْهُ غَيَاهِبُ الْـحَيْرَةِ؛ لِأَنَّ الدَّالَّ عَلَى الْـخَيْرِ هُوَ اللهُ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ، وَالدَّلِيلَ الْـمُرْشِدَ هُوَ الْقُرْآنُ الْـكَرِيمُ بِمَحْكَمِ آيَاتِهِ، وَالْـمُبَيِّنَ لِأَحْكَامِهِ هُوَ الرَّسُولُ الْأَمِينُ (صلى الله عليه وسلم) بِسُنَّتِهِ، وَالْـمُسْتَدِلَّ الْـمُسْتَنْبِطَ لِلْـهُدَى: هُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ الَّذِينَ وَرِثُوا الْأَنْبِيَاءَ.
فقد جعل الله سبحانه وتعالى لنوره سبيلاً، ولعباده الحيارى دليلاً؛ فهو القائل في محكم التنزيل: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ المائدة:16.
وإن “السالكين” هم الذين صدقوا الله في طلبهم، وساروا في طريق الحق، لا يستوحشون لقلة السالكين فيه، و”دليل الحائرين” هو منهج الله القويم؛ هو القرآن الكريم، وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
وإن طريق السالكين يتطلب أموراً ثلاثة وهي، أولا: الاستعانة بالله: كما نردد في كل ركعة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينَ﴾ الفاتحة:5. ثانيا: العلم النافع: الذي يفرق به المؤمن بين الحق والباطل. ثالثا: العمل الصالح: الذي يثبت الإيمان في القلب.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ
وقد روى الإمام مسلم في صحيحه: (عَنْ عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ .. قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلاَءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ هَذِهِ مُهْلِكَتِي. ثُمَّ تَنْكَشِفُ وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ هَذِهِ هَذِهِ. فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِى يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ)
فطَرِيق السَّالِكِينَ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَاضِحُ الْمَعَالِمِ، لَا لُبْسَ فِيهِ وَلَا غُمُوضَ، وَقَدْ جَمَعَهُ اللهُ جَلَّ وَعَلَا فِي تِلْكَ الصَّفْقَةِ الرَّابِحَةِ، وَالتِّجَارَةِ الْـمُنْجِيَةِ، الَّتِي أَعْلَنَهَا فِي سُورَةِ الصَّفِّ، حَيْثُ نَادَى عِبَادَهُ بِأَكْرَمِ وَصْفٍ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، ثُمَّ بَيَّنَ أَرْكَانَهَا فَقَالَ: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الصف (11).
فَالسَّبِيلُ يَبْدَأُ بِتَحْقِيقِ الْإِيمَانِ الْـخَالِصِ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، عَقِيدَةً وَعَمَلًا، ثُمَّ بِبَذْلِ الْـجُهْدِ وَالتَّضْحِيَةِ بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ، فِي نُصْرَةِ هَذَا الدِّينِ، وَالْـمُجَاهَدَةِ لِلطَّاعَاتِ ،وَمُقَاوَمَةِ الشَّهَوَاتِ.
وَانْظُرُوا إِلَى عَظَمَةِ الْأَرْبَاحِ الْـمَضْمُونَةِ فِي هَذِهِ التِّجَارَةِ الرَّبَّانِيَّةِ؛ فَالْـجَزَاءُ الْأَوَّلُ وَالْأَعْظَمُ هُوَ: مَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ الَّتِي تَثْقَلُ بِهَا الظُّهُورُ، وَالْفَوْزُ بِدُخُولِ الْـجَنَّاتِ: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ الصف (12)..
ثُمَّ لَا تَقْتَصِرُ الْأَرْبَاحُ عَلَى الْآخِرَةِ فَحَسْبُ، بَلْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلسَّالِكِينَ بُشْرَى فِي الدُّنْيَا، تُحِبُّهَا نُفُوسُهُمْ، وَهِيَ النَّصْرُ وَالتَّأْيِيدُ: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الصف (13).. فَمَنْ سَلَكَ هَذَا الدَّرْبَ، لَمْ يَضِلَّ فِي الدُّنْيَا، وَلَمْ يَشْقَى فِي الْآخِرَةِ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (سَبِيلُ السَّالِكِينَ وَدَلِيلُ الْـحَائِرِينَ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وبَعْدَ أَنْ مَيَّزْنَا سَبِيلَ السَّالِكِينَ، نَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ دَلِيلَ الْـحَائِرِينَ إِلَى مَرْضَاةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَطَرِيقَ الْفَوْزِ بِالْـجَنَّةِ، وَالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ، إِنَّمَا يَنْحَصِرُ فِي (الِاسْتِمْسَاكِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بِفَهْمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ)،
فَالْقُرْآنُ: هُوَ الْـحَبْلُ الْمَتِينُ، مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ عُصِمَ، وَمَنْ طَلَبَ الْـهُدَى فِي غَيْرِهِ ضَلَّ وَتَاهَ؛ وَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ: هِيَ السَّفِينَةُ الَّتِي مَنْ رَكِبَهَا نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ، فِي لُـجَجِ الْـحَيْرَةِ وَالْبِدَعِ.
والْـعَبْد كُلَّمَا ازْدَادَ لِلَّهِ تَوَاضُعًا وَافْتِقَارًا، زادَه اللهُ هِدَايَةً وَإِرْشَادًا؛ فَالْـحَيْرَةُ تَنْشَأُ حِينَ يَتَّكِلُ الْإِنْسَانُ عَلَى عَقْلِهِ الْـقَاصِرِ، أَوْ ذَكَائِهِ الْـمُجَرَّدِ، أَمَّا حِينَ يَجْثُو عَلَى رُكْبَتَيْهِ دَاعِيًا: “يَا دَلِيلَ الْـحَيَارَى دُلَّنِي”، فَإِنَّ تَوْفِيقَ اللهِ يُحِيطُ بِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَفي صحيح مسلم: (سَأَلْتُ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَفْتَتِحُ صَلاَتَهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَتْ كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلاَتَهُ «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ
الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِى مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ».
وَإِنَّ سُبُلَ الْعِلَاجِ الْعَمَلِيَّةِ لِطَرْدِ الْـحَيْرَةِ وَالثَّبَاتِ عَلَى الصِّرَاطِ، تَبْدَأُ: بِكَثْرَةِ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ الْـكَرِيمِ، بِتَدَبُّرٍ وَتَفَكُّرٍ، لِأَنَّهُ يَشْفِي شُكُوكَ الصُّدُورِ، ثُمَّ تَكُونُ بِلُزُومِ مَجَالِسِ الْـعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ، الَّذِينَ يُبَصِّرُونَ النَّاسَ بِدِينِهِمْ، وَبِالْـمُـحَافَظَةِ عَلَى دُعَاءِ الْـهِدَايَةِ، فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ صَلَاتِنَا حِينَ نَقْرَأُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ بِقَلْبٍ حَاضِرٍ وَنِيَّةٍ صَادِقَةٍ،
وَالثَّمَرَةُ الْعُظْمَى لِلْـمَشْيِ فِي رِكَابِ السَّالِكِينَ: هِيَ النَّجَاةُ مِنَ التَّخَبُّطِ النَّفْسِيِّ، وَنَيْلُ السَّكِينَةِ فِي الدُّنْيَا، وَالْفَوْزُ بِرِضْوَانِ اللهِ وَجَنَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
ونحن نسأل الله تعالى أن يدلنا، ويهدينا، ويثبتنا على طريق الصادقين، وأن يلحقنا بعباده الصالحين، فنحن ضلال إن لم يهدنا، وجهال إن لم يعلمنا، وأذلاء إن لم يعزنا، وفقراء إن لم يغننا، وحيارى إن لم ينقذنا، ويهدنا، ومعذبون إن لم يرحمنا، وضعفاء إن لم يقونا.
فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَأَقْبِلُوا عَلَى تِجَارَتِكُمْ مَعَ اللهِ، وَالْزَمُوا غَرْزَ نَبِيِّكُمْ، وَتَضَرَّعُوا إِلَى رَبِّكُمْ أَنْ يَثْبُتَ قُلُوبَكُمْ عَلَى دِينِهِ، حَتَّى تَلْقَوْهُ وَهُوَ رَاضٍ عَنْكُمْ.
الدُّعَاءُ
