خطبة عن (الْتَّفْسِيرِ المَوْضُوعِيِّ لسُورَةِ النَّصْرِ)
يوليو 13, 2026الخطبة الأولى (فَضَائِلُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [الكهف:39]. وروي في الصحيحين، واللفظ لمسلم: (عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِي سَفَرٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَجْهَرُونَ بِالتَّكْبِيرِ فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- «أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِنَّكُمْ لَيْسَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ». قَالَ وَأَنَا خَلْفَهُ وَأَنَا أَقُولُ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ فَقَالَ «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ». فَقُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «قُلْ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ».
إخوة الإسلام
إِنَّ النَّفْسَ الْبَشَرِيَّةَ فِي سَيْرِهَا إِلَى اللهِ، وَفِي كَبَدِهَا الْيَوْمِيِّ أَمَامَ أَعْبَاءِ الْحَيَاةِ وَعَقَبَاتِهَا، كَثِيرًا مَا تُصَابُ بِالْوَهَنِ، وَيَتَمَلَّكُهَا الشُّعُورُ بِالْعَجْزِ، أَمَامَ طُوفَانِ الْمَصَائِبِ وَالْـهُمُومِ؛ فَتَرَاهَا تَبْحَثُ عَنْ رُكْنٍ شَدِيدٍ تَعْتَصِمُ بِهِ، وَمَدَدٍ قَوِيٍّ تَسْتَنِدُ إِلَيْهِ، لِتُوَاجِهَ بِهِ تَقَلُّبَاتِ الْأَيَّامِ.
وَإِنَّ أَعْظَمَ مَا يَمْنَحُ النَّفْسَ قُوَّةً هَائِلَةً، وَيَمْلَأُ الْقَلْبَ يَقِينًا ثَابِتًا، هُوَ الْإِقْرَارُ التَّامُّ بِالْعُبُودِيَّةِ، وَالِافْتِقَارِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، عَبْرَ كَلِمَةٍ مَجِيدَةٍ، هِيَ مِنْ أَعْظَمِ كَلِمَاتِ الْإِسْلَامِ شَأْنًا، وَأَكْثَرِهَا أَثَرًا؛ إِنَّهَا كَلِمَةُ: “لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ“.
ومَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ الْعَظِيمَةِ -يَا عِبَادَ اللهِ- هُوَ: الِاعْتِرَافُ الضِّمْنِيُّ وَالْعَلَنِيُّ، بِأَنَّهُ لَا تَحَوُّلَ لِلْعَبْدِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ: (مِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى الطَّاعَةِ، أَوْ مِنَ الْفَقْرِ إِلَى الْغِنَى، أَوْ مِنَ الْمَرَضِ إِلَى الصِّحَّةِ)، وَلَا قُوَّةَ لَهُ عَلَى الْقِيَامِ بِأَيِّ شَأْنٍ مِنْ شُؤُونِهِ، إِلَّا بِتَوْفِيقِ اللهِ تَعَالَى، وَمَعُونَتِهِ، وَتَسْدِيدِهِ.
وَتَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ الْإِقْرَارِ بِهَا، فِي أَنَّهَا تَقْلَعُ مِنْ جُذُورِ النَّفْسِ كِبْرِيَاءَهَا، وَتَنْزِعُ عَنْهَا وَهْمَ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْأَسْبَابِ الْمَادِّيَّةِ، مَعَ إِغْفَالِ مُسَبِّبِهَا، فَيَتَبَرَّأُ الْعَبْدُ مِنْ حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، لِيَدْخُلَ فِي حِمَى حَوْلِ اللهِ وَقُوَّتِهِ، وَمَنْ دَخَلَ حِمَى الْقَوِيِّ الْعَزِيزِ، كُفِيَ، وَهُدِيَ، وَبُورِكَ لَهُ فِي حَرَكَتِهِ وَسُكُونِهِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وَلَقَدْ جَاءَتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مُتَضافِرَةً فِي ذِكْرِ فَضَائِلِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، الَّتِي تَهْتَزُّ لَهَا جَوَانِحُ الْمُؤْمِنِينَ؛ فَمِنْ أَعْظَمِ فَضَائِلِهَا: أَنَّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ، ادخَرَهَا اللهُ لِأَهْلِ تَوْحِيدِهِ؛ فَفِي صَحِيحِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ: (عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ لَهُ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ، أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟» فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ».
وَمَا كَانَ كَنْزًا فِي الْآخِرَةِ، فَهُوَ حَتْمًا بَابٌ مَفْتُوحٌ لِرَحَمَاتِ الدُّنْيَا؛ فَهِيَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ كَمَا وَرَدَ فِي سنن الترمذي: (عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنَّ أَبَاهُ دَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- يَخْدُمُهُ. قَالَ فَمَرَّ بِيَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- وَقَدْ صَلَّيْتُ فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ وَقَالَ «أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ». قُلْتُ بَلَى. قَالَ «لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ».
وَمَنْ قَالَهَا مُوقِنًا بِهَا، أَعَانَهُ اللهُ عَلَى نِعَمِهِ، وَحَفِظَهَا لَهُ، مِنَ الزَّوَالِ وَالْـمَحْقِ؛ كَمَا أَرْشَدَتْ إِلَى ذَلِكَ آيَةُ سُورَةِ الْكَهْفِ: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ الكهف:39.
وَإِنَّ مِنْ عِظَمِ شَأْنِهَا عِنْدَ اللهِ تبارك وتعالى: أَنَّ الْـخَالِقَ جَلَّ جَلَالُهُ يُصَدِّقُ قَائِلَهَا مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ؛ فَفِي سُنَنِ الْإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ: (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَأَنَا أَكْبَرُ، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَلَا شَرِيكَ لِي، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا لِيَ الْمُلْكُ وَلِيَ الْحَمْدُ، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِي».
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
وتَفَكَّرُوا فِي حِصْنِهَا الْمَنِيعِ، فحِينَمَا يَخْرُجُ الْمَرْءُ مِنْ بَيْتِهِ، لِيُوَاجِهَ السَّبَاعَ الْبَشَرِيَّةَ وَالْمَخَاطِرَ ؛فَمَنْ قَالَ (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) حِينَ يَخْرُجُ، وُقِيَ، وَهُدِيَ، وَكُفِيَ، وَتَنَحَّى عَنْهُ الشَّيْطَانُ؛ فَفِي سُنَنِ الْإِمَامِ أَبِي دَاوُدَ: (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: «مَنْ قَالَ -يَعْنِي إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ-: بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، يُقَالُ لَهُ: هُدِيتَ، وَكُفِيتَ، وَوُقِيتَ، وَتَنَحَّى عَنْهُ الشَّيْطَانُ».
وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ مِنَ “الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ”، الَّتِي يَبْقَى ذُخْرُهَا وَثَوَابُهَا، حِينَمَا يَفْنَى كُلُّ مَتَاعٍ دُنْيَوِيٍّ. ففي مسند أحمد: (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «اسْتَكْثِرُوا مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ». قِيلَ وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «الْمِلَّةُ». قِيلَ وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «الْمِلَّةُ». قِيلَ وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «الْمِلَّةُ». قِيلَ وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « التَّكْبِيرُ وَالتَّهْلِيلُ وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ».
كَمَا أَنَّ (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) غِرَاسُ الْجَنَّةِ الَّذِي رَآهُ النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ؛ حَيْثُ مَرَّ بِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فَقَالَ: «يَا مُحَمَّدُ، أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ، عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ».
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.
الخطبة الثانية (فَضَائِلُ (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، حَمْدًا يُوَافِي النِّعَمَ وَيُكَافِئُ الْمَزِيدَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ
(لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ): فإِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ هِيَ التِّرْيَاقُ النَّاجِعُ لِتَفْرِيجِ الْكُرُوبِ، وَطَرْدِ الْـهُمُومِ، وَقَضَاءِ الْحَوَائِجِ؛ فَمَا أُلْزِمَتْ فِي عُقْدَةٍ إِلَّا انْفَكَّتْ، وَلَا فِي ضِيقٍ إِلَّا اتَّسَعَ. ففي صحيح البخاري: (عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ. ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي. أَوْ دَعَا اسْتُجِيبَ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلاَتُهُ».
وَ(لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ): هِيَ سَبَبٌ عَظِيمٌ لِمَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ؛ فَفِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ: (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا عَلَى الْأَرْضِ أَحَدٌ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، إِلَّا كُفِّرَتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ، وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ».
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ (أَيِ اسْتَيْقَظَ) فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ… وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا، اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ».
وَلِأَجْلِ هَذِهِ الْعَظَمَةِ كَانَتْ وَصِيَّةَ رَسُولِ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِأَصْحَابِهِ بِأَنْ يُكْثِرُوا مِنْهَا.
وَمِنْ عَجِيبِ لُطْفِ اللهِ تَعَالَى، أَنَّهَا تَكُونُ بَدَلًا عَنِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، فِي حَقِّ مَنْ لَا يُحْسِنُ قِرَاءَتَهُ (لِعُجْمَةٍ أَوْ عِلَّةٍ)؛ فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: (أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: «قُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ».
(لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ): مَنْ دَاوَمَ عَلَيْهَا بِقَلْبٍ حَاضِرٍ، وَجَدَ قُوَّةً بَدَنِيَّةً نَادِرَةً، تُعِينُهُ عَلَى حَمْلِ الْأَثْقَالِ، وَمُشَاقِّ الطَّاعَاتِ؛ وهِيَ حِرْزٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَمِفْتَاحٌ لِإِجَابَةِ الدُّعَاءِ.
(لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ): وَلِهَذِهِ الْكَلِمَةِ الْمُبَارَكَةِ أَسْرَارٌ عَمِيقَةٌ، فِي تَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ الْعِظَامِ، وَالدُّخُولِ عَلَى السَّلَاطِينِ وَالْـحُكَّامِ، وَالْـخُرُوجِ مِنْ مَآزِقِ الْـخَوْفِ، حِينَمَا تُرْكَبُ الْأَهْوَالُ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَسْتَصْحِبُ مَعَهُ الْقُدْرَةَ الْإِلَهِيَّةَ، الَّتِي لَا يُعْجِزُهَا شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ.
فَإِذَا أَرَدْتُمْ رَاحَةَ الْبَالِ، وَانْقِشَاعَ الـهُمُومِ، وَتَيْسِيرَ الْعَسِيرِ، فَلِتَكُنْ (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) شِعَارَكُمْ الدَّائِمَ، وَنَبْضَ قُلُوبِكُمْ فِي كُلِّ حِينٍ.
الدُّعَاءُ
